نقلت صحيفة الغارديان البريطانية في صيف عام 2012 تقريراً عن استعداد لندن وواشنطن لبحث ممر آمن للرئيس السوري بشار الأسد وربما منحه عفواً، في إطار مساع دبلوماسية لعقد مؤتمر دولي حول انتقال سياسي في سوريا. وقد جاء الخبر في مرحلة كانت فيها الأزمة السورية تتصاعد بسرعة، وكانت القوى الكبرى تبحث عن صيغة تفاوضية تمنع الانزلاق إلى حرب شاملة.
نعرض هنا نص الخبر كما نشر في حينه، ثم نقدم خلفية عن السياق الدبلوماسي آنذاك: خطة المبعوث الأممي العربي ذات النقاط الست، والنموذج اليمني الذي أشار إليه التقرير، ومسألة العفو والحصانة في القانون الدولي، ودور المحكمة الجنائية الدولية.
نص الخبر كما نشرته الصحف
السياق العام للأزمة السورية في عام 2012
بدأت الاحتجاجات في سوريا في ربيع عام 2011 ضمن موجة التحركات الشعبية التي عرفت إعلامياً باسم الربيع العربي، ثم تحولت تدريجياً إلى مواجهة مسلحة واسعة. ومع حلول عام 2012 كانت المنظمات الدولية تتحدث عن أعداد متزايدة من الضحايا والنازحين واللاجئين، وكانت الدول الغربية والعربية تطالب بانتقال سياسي، في حين تمسكت روسيا والصين بمعارضة أي تدخل خارجي أو قرارات أممية تفرض عقوبات أو تغييراً بالقوة.
الانقسام في مجلس الأمن
استخدمت روسيا والصين حق النقض أكثر من مرة ضد مشاريع قرارات تتعلق بسوريا في تلك الفترة، وهو ما جعل الطرق الدبلوماسية التقليدية عبر مجلس الأمن شبه مسدودة. ولهذا اتجهت الأنظار إلى صيغ بديلة، منها المؤتمرات الدولية ومجموعات الاتصال التي تجمع القوى المؤثرة خارج إطار التصويت الرسمي.
خطة النقاط الست
عُين الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي أنان مبعوثاً مشتركاً للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية إلى سوريا، وطرح خطة من ست نقاط تضمنت في جوهرها وقف العنف بإشراف أممي، والسماح بوصول المساعدات الإنسانية، والإفراج عن المعتقلين، وضمان حرية التنقل للصحفيين، واحترام حق التظاهر السلمي، والدخول في عملية سياسية يقودها السوريون. وأُرسلت بعثة مراقبين دولية لمتابعة وقف إطلاق النار، لكن الهدنة لم تصمد على الأرض.
مؤتمر جنيف وبيان مجموعة العمل
عقدت في جنيف في الثلاثين من يونيو عام 2012 اجتماعات ما سمي مجموعة العمل من أجل سوريا، بمشاركة الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن وعدد من الدول والمنظمات الإقليمية، وصدر عنها ما عرف لاحقاً ببيان جنيف. ودعا البيان إلى تشكيل هيئة حكم انتقالية بصلاحيات تنفيذية كاملة تتكون بالتوافق المتبادل، غير أن الأطراف اختلفت في تفسير موقع الرئيس السوري من هذه العملية، فرأت الدول الغربية أن البيان يعني رحيله، بينما رفضت موسكو هذا التفسير.
لماذا كان الموقف الروسي محورياً؟
تربط روسيا بسوريا علاقات سياسية وعسكرية قديمة تعود إلى حقبة الاتحاد السوفيتي، ومن ذلك منشأة بحرية في ميناء طرطوس على البحر المتوسط. ولهذا كان أي حل تفاوضي يحتاج إلى موافقة موسكو، وهو ما يفسر اهتمام التقرير بانطباعات المسؤولين الغربيين عن محادثاتهم مع الرئيس الروسي على هامش قمة مجموعة العشرين في المكسيك.
النموذج اليمني الذي أشار إليه التقرير
استشهدت الصحيفة بما جرى في اليمن، حيث رعت دول مجلس التعاون الخليجي مبادرة عام 2011 تنازل بموجبها الرئيس علي عبد الله صالح عن السلطة لنائبه عبد ربه منصور هادي، مقابل حصانة من الملاحقة القضائية. وقد رآها بعض الدبلوماسيين آنذاك نموذجاً يمكن تكراره لتجنب صراع مفتوح، بينما انتقدتها منظمات حقوقية لأنها تمنح الحصانة لمسؤولين عن انتهاكات.
اختلاف الظروف بين البلدين
رأى محللون كثيرون أن نقل التجربة اليمنية إلى سوريا ليس بالأمر السهل، بسبب اختلاف البنية العسكرية والأمنية، وطبيعة التحالفات الإقليمية والدولية، وحجم العنف الذي شهدته سوريا، إضافة إلى تمسك أطراف المعارضة بمحاسبة المسؤولين، وتمسك الحكومة السورية برفض أي شروط مسبقة تتعلق ببقاء الرئيس.
العفو والحصانة في ميزان القانون الدولي
تثير فكرة منح العفو لرئيس دولة متهم بانتهاكات جدلاً قانونياً وأخلاقياً قديماً، يتلخص في التوازن بين متطلبات السلام وإنهاء النزاع من جهة، ومتطلبات العدالة وحقوق الضحايا من جهة أخرى. ويطلق المختصون على هذا النقاش اسم معضلة السلام والعدالة.
المحكمة الجنائية الدولية
تأسست المحكمة الجنائية الدولية بموجب نظام روما الأساسي، وتختص بالنظر في جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب. وبما أن سوريا ليست دولة طرفاً في هذا النظام، فإن ولاية المحكمة على الجرائم المرتكبة فيها لا تنعقد تلقائياً، وإنما تحتاج في الغالب إلى إحالة من مجلس الأمن، وهو ما يصطدم بحق النقض. ولهذا جاء تعليق المسؤول البريطاني في الخبر عن صعوبة التفاوض مع طرف يُطلب منه الذهاب طوعاً إلى المحكمة.
هل يُلزم العفو الوطني المحاكم الدولية؟
يرى كثير من فقهاء القانون الدولي أن العفو الذي تمنحه دولة أو اتفاق سياسي لا يلزم بالضرورة المحاكم الدولية في الجرائم الخطيرة، وأن الحصانة لا تحول دون الملاحقة في بعض الحالات، وإن كانت الممارسة العملية تختلف من قضية إلى أخرى.
كيف تُقرأ مثل هذه الأخبار اليوم؟
- التقارير المنسوبة إلى مسؤولين لم تُذكر أسماؤهم تعبر عن اتجاهات تفاوضية، لا عن قرارات نهائية.
- كثير من المبادرات الدبلوماسية في تلك المرحلة طُرحت ثم تعثرت بسبب الخلاف على التفاصيل.
- قراءة الأرشيف الصحفي تفيد في فهم كيف تطورت المواقف الدولية، شريطة مقارنتها بالوثائق الرسمية.
- الصحف تنقل أحياناً روايات متباينة عن اللقاءات المغلقة، ولذلك يحسن الجمع بين أكثر من مصدر قبل بناء أي استنتاج.
ويبقى الخبر شاهداً على طبيعة العمل الدبلوماسي في الأزمات الكبرى، حيث تُطرح الأفكار وتُختبر ردود الفعل عبر التسريبات الصحفية قبل أن تتحول إلى مواقف معلنة أو تُطوى بهدوء.
أسئلة شائعة
ما المقصود بالممر الآمن في هذا السياق؟
المقصود ضمان عدم اعتقال الرئيس أو التعرض له أثناء انتقاله لحضور مؤتمر تفاوضي في الخارج، وهو إجراء يُطرح أحياناً لتشجيع الأطراف على الجلوس إلى طاولة الحوار.
من هو كوفي أنان؟
دبلوماسي غاني شغل منصب الأمين العام للأمم المتحدة لولايتين، ثم كُلف بمهمة المبعوث المشترك إلى سوريا عام 2012، واستقال منها في العام نفسه بعد تعثر خطته.
ماذا تضمن بيان جنيف؟
دعا إلى هيئة حكم انتقالية تُشكل بالتوافق، ووقف العنف، والحفاظ على مؤسسات الدولة، وإطلاق حوار وطني يشارك فيه السوريون.
ما مجموعة العشرين التي جرت على هامشها المحادثات؟
منتدى يضم كبرى الاقتصادات المتقدمة والناشئة في العالم، يعقد قمة دورية لقادته، وكثيراً ما تشهد هذه القمم لقاءات ثنائية تتناول ملفات سياسية بعيدة عن جدول أعمالها الاقتصادي الرسمي.
خلاصة
يعكس هذا الخبر لحظة من لحظات البحث الدولي عن مخرج تفاوضي للأزمة السورية في عام 2012، حين كانت الدول الغربية تختبر إمكان تكرار التجربة اليمنية بتقديم ضمانات مقابل انتقال السلطة. وفهم سياقه يتطلب استحضار الانقسام داخل مجلس الأمن، وخطة المبعوث الأممي، وبيان جنيف، وإشكالية العفو أمام العدالة الدولية، وهي ملفات ظلت حاضرة في النقاش السياسي والقانوني طوال سنوات الأزمة.
.png)
