يشغل مستقبل التعداد البشري اهتمام الحكومات والاقتصاديين وعلماء البيئة، لأن عدد من يعيشون على الكوكب يحدد حجم الحاجة إلى الغذاء والماء والطاقة والمساكن وفرص العمل. وقد أثار تقرير أممي صدر قبل سنوات اهتماماً واسعاً حين توقع أن يبلغ عدد سكان الأرض في 2100 نحو عشرة مليارات نسمة، وهو رقم يطرح أسئلة كبيرة عن قدرة الأرض على استيعاب هذه الأعداد.
نقدم في هذا المقال الخبر كما ورد في المقال الأصلي، ثم نشرح كيف تعد هذه التوقعات، وما العوامل التي تحرك النمو السكاني، وما التحديات والفرص المرتبطة به، وكيف تطورت التقديرات في المراجعات اللاحقة.
توقعات الأمم المتحدة لسكان العالم
التعداد السكاني للكرة الأرضية في تزايد
كيف تصدر الأمم المتحدة توقعاتها السكانية؟
تتولى شعبة السكان التابعة لإدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية في الأمم المتحدة إعداد تقرير دوري يعرف باسم آفاق سكان العالم، وهو من أهم المراجع في هذا المجال. ويعتمد التقرير على بيانات التعدادات الوطنية والمسوح السكانية وسجلات المواليد والوفيات في دول العالم، ثم يستخدم نماذج إحصائية لتقدير الاتجاهات المستقبلية.
السيناريوهات المختلفة
لا تقدم الأمم المتحدة رقماً واحداً قاطعاً، بل تعرض عدة سيناريوهات، أبرزها السيناريو المتوسط الذي يعد الأكثر ترجيحاً، إلى جانب سيناريوهات مرتفعة ومنخفضة تفترض اختلافاً في معدلات الخصوبة. ولهذا ذكر التقرير المشار إليه في المقال الأصلي أرقاماً متباعدة جداً بين الاحتمالين الأعلى والأدنى، لأن فرقاً صغيراً في عدد الأطفال الذين تنجبهم المرأة يتراكم على مدى عقود ليصنع فرقاً هائلاً في المجموع.
لماذا تتغير التوقعات بين مراجعة وأخرى؟
تحدث التقديرات كلما توفرت بيانات جديدة، فقد يتبين أن الخصوبة في بلد ما تراجعت أسرع مما كان متوقعاً، أو أن متوسط العمر ارتفع أو انخفض بسبب أوبئة أو تحسن في الرعاية الصحية. ولذلك فإن الأرقام الواردة في مراجعة عام 2010 عدلت في المراجعات اللاحقة، وأصبحت المراجعات الحديثة تشير إلى أن سكان العالم قد يبلغون ذروتهم في النصف الثاني من القرن الحادي والعشرين عند ما يزيد قليلاً على عشرة مليارات، ثم يبدأ العدد في الاستقرار أو التراجع البطيء.
محطات بارزة في تاريخ النمو السكاني
ظل عدد البشر ينمو ببطء شديد آلاف السنين، ثم تسارع النمو تسارعاً كبيراً منذ الثورة الصناعية بفضل تحسن الغذاء والصرف الصحي والطب. وتقدر الأمم المتحدة أن سكان العالم بلغوا سبعة مليارات في عام 2011، ثم ثمانية مليارات في أواخر عام 2022، وهي محطات احتفت بها المنظمة رمزياً للتذكير بالتحديات التنموية.
من الأكثر سكاناً؟
ظلت الصين لعقود طويلة أكبر دول العالم سكاناً، ثم أشارت تقديرات الأمم المتحدة إلى أن الهند تجاوزتها في عام 2023. ومن المتوقع أن تسهم دول أفريقيا جنوب الصحراء بالنصيب الأكبر من الزيادة السكانية في العقود القادمة، بسبب ارتفاع معدلات الخصوبة فيها نسبياً، بينما يتراجع عدد السكان في عدد من دول أوروبا وشرق آسيا.
العوامل المؤثرة في النمو السكاني
يتحدد عدد السكان في أي بلد بثلاثة عناصر أساسية هي المواليد والوفيات والهجرة، وتتأثر هذه العناصر بعوامل كثيرة:
معدل الخصوبة
يقصد به متوسط عدد الأطفال الذين تنجبهم المرأة خلال حياتها، ويعد معدل يقارب طفلين لكل امرأة تقريباً مستوى الإحلال الذي يحافظ على حجم السكان ثابتاً على المدى الطويل. وقد انخفض هذا المعدل عالمياً انخفاضاً ملحوظاً خلال العقود الماضية، لكنه ما يزال مرتفعاً في بعض المناطق.
التحول الديموغرافي
يصف علماء السكان مساراً تمر به المجتمعات عادة، يبدأ بارتفاع المواليد والوفيات معاً، ثم تنخفض الوفيات بفضل التقدم الصحي فيتسارع النمو، ثم تنخفض المواليد تدريجياً مع التعليم والتحضر وعمل المرأة، حتى يستقر عدد السكان أو يتراجع. وتقع دول العالم اليوم في مراحل مختلفة من هذا التحول.
التعليم والتنمية
تربط الدراسات السكانية بين ارتفاع مستوى تعليم الفتيات وتأخر سن الزواج وانخفاض عدد المواليد، كما أن التحضر وارتفاع تكاليف المعيشة يدفعان الأسر إلى تقليل عدد الأبناء.
متوسط العمر المتوقع
أسهم التقدم في مكافحة الأمراض المعدية، وتحسين رعاية الأمهات والأطفال، في إطالة متوسط العمر عالمياً، وهو ما يزيد عدد السكان حتى مع تراجع المواليد.
الهجرة الدولية
لا تغير الهجرة عدد سكان العالم ككل، لكنها تؤثر تأثيراً كبيراً في توزيعهم بين الدول، فبعض البلدان المتقدمة التي تنخفض فيها المواليد تعتمد على المهاجرين للحفاظ على حجم القوى العاملة، بينما تفقد بلدان أخرى جزءاً من شبابها وكفاءاتها.
هل تتسع الأرض لعشرة مليارات؟
يختلف الباحثون في تقدير ما يسمى القدرة الاستيعابية للأرض، لأنها لا تتوقف على العدد وحده، بل على أنماط الاستهلاك والتقنيات المستخدمة وطريقة إدارة الموارد. فعالم يعيش فيه عشرة مليارات باستهلاك معتدل وتقنيات نظيفة يختلف كثيراً عن عالم أصغر عدداً يستهلك بإسراف. ولهذا يركز كثير من الخبراء على الاستدامة وكفاءة استخدام الموارد أكثر من تركيزهم على الأرقام المجردة.
تحديات عالم يقترب من عشرة مليارات
يطرح الوصول إلى هذا العدد أسئلة جوهرية حول الاستدامة، ومن أبرز التحديات التي يناقشها الخبراء:
- الأمن الغذائي: الحاجة إلى زيادة إنتاج الغذاء مع الحد من هدره وتحسين توزيعه.
- المياه: تعاني مناطق كثيرة، منها المنطقة العربية، من شح الموارد المائية، ويزداد الضغط عليها مع تزايد السكان.
- الطاقة والمناخ: ارتفاع الطلب على الطاقة يفرض التوسع في المصادر النظيفة للحد من الانبعاثات.
- التحضر: انتقال أعداد متزايدة إلى المدن يتطلب بنية تحتية وإسكاناً وخدمات نقل.
- الشيخوخة: تواجه دول عديدة ارتفاع نسبة كبار السن، مما يضغط على أنظمة التقاعد والرعاية الصحية.
- فرص العمل: تحتاج الدول ذات النسبة العالية من الشباب إلى توفير وظائف كافية لاستثمار طاقاتهم.
الفرصة السكانية
لا ينظر الاقتصاديون إلى النمو السكاني بوصفه عبئاً فقط، فحين ترتفع نسبة السكان في سن العمل مقارنة بالأطفال وكبار السن، تتاح للدول فرصة لتسريع النمو الاقتصادي، وتعرف هذه الحالة بالعائد الديموغرافي. لكن الاستفادة منها مشروطة بالاستثمار في التعليم والصحة وخلق الوظائف.
العالم العربي والتحولات السكانية
شهدت الدول العربية خلال العقود الماضية نمواً سكانياً سريعاً، صاحبه ارتفاع واضح في نسبة الشباب. وتختلف أوضاع الدول العربية فيما بينها اختلافاً كبيراً، فبعضها شهد تراجعاً ملحوظاً في الخصوبة، وبعضها ما يزال يسجل معدلات أعلى. وتواجه المنطقة تحديات خاصة تتعلق بندرة المياه والاعتماد على استيراد الغذاء والحاجة إلى توفير فرص عمل للأجيال الجديدة، إضافة إلى التوسع العمراني السريع في المدن الكبرى، وهو ما يجعل التخطيط السكاني جزءاً أساسياً من أي رؤية تنموية طويلة المدى.
أسئلة شائعة
كم يبلغ عدد سكان العالم حالياً؟
تجاوز عدد سكان العالم ثمانية مليارات نسمة وفق تقديرات الأمم المتحدة التي أعلنت بلوغ هذا الرقم في أواخر عام 2022، ويستمر العدد في الزيادة بوتيرة أبطأ من العقود السابقة.
هل سيستمر عدد السكان في الزيادة بلا توقف؟
تشير التوقعات الحديثة إلى أن النمو سيتباطأ تدريجياً، وأن عدد السكان قد يبلغ ذروته في النصف الثاني من هذا القرن قبل أن يستقر أو يتراجع، مع بقاء هامش من عدم اليقين.
لماذا تختلف الأرقام بين التقارير؟
لأن التوقعات تعتمد على افتراضات حول الخصوبة والوفيات والهجرة، وتحدث كلما ظهرت بيانات جديدة، كما أن جهات بحثية مختلفة تستخدم نماذج متباينة.
خلاصة
توقع بلوغ سكان الأرض نحو عشرة مليارات بحلول عام 2100 ليس نبوءة قطعية، بل تقدير مبني على اتجاهات الخصوبة والوفيات، وقد عدلته المراجعات اللاحقة لتشير إلى ذروة قريبة من هذا الرقم في النصف الثاني من القرن. والأهم من الرقم نفسه هو كيفية إدارة الموارد، والاستثمار في التعليم والصحة، والتكيف مع الشيخوخة والتحضر، حتى يكون المستقبل السكاني فرصة للتنمية لا عبئاً عليها.
