شكلت توقعات النمو الهائل في عدد مستخدمي الإنترنت وحجم البيانات المتداولة عبر الشبكة محور اهتمام شركات التقنية والحكومات منذ مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، وكان تقرير شركة سيسكو الذي توقع بلوغ عدد المستخدمين نحو ثلاثة مليارات من أبرز هذه التوقعات.
نشرح في هذه المقالة طبيعة هذه التقارير وكيف تُعد، ونبسط وحدات قياس البيانات الكبيرة، ونستعرض العوامل التي دفعت نمو حركة الإنترنت، وانعكاساتها على البنية التحتية والمستخدمين، مع أسئلة شائعة حول الموضوع.
أرقام التوقعات كما أعلنتها سيسكو
- توقعات بزيادة حركته أربعة أضعاف سنة 2015
وتبلغ الزيادة المتوقعة لحركة الإنترنت بين 2014 و2015 مقدار 200 إكسا بايت، أي أكثر من إجمالي حركة بروتوكول الإنترنت العالمية في 2010. علمًا بأن حركة بروتوكول الإنترنت العالمية ستقارب 1 زيتا بايت بحلول 2015، أي ما يعادل سكستيليون بايت، أو تريليون جيجا بايت.
وأرجعت الشركة هذه التوقعات إلى عدة عوامل رئيسية منها تزايد عدد الأجهزة الذكية ما يؤدي إلى زيادة الطلب على الاتصال الشبكي، وتزايد سرعة اتصال النطاق العريض، وتزايد عدد مستخدمي الإنترنت، فبحلول 2015 سيقارب عدد مستخدمي الإنترنت 3 مليارات، أي أكثر من 40% من عدد السكان المتوقع في ذلك العام.
بالإضافة لتزايد حجم الفيديو عبر الشبكة، فبحلول 2015 سيبلغ حجم الفيديو الذي سيمر عبر الإنترنت مقدار مليون دقيقة فيديو في كل ثانية، أي ما يعادل 674 يوما من مقاطع الفيديو.
ما هي شركة سيسكو وما تقرير مؤشر الشبكات المرئية
سيسكو سيستمز شركة أمريكية متخصصة في معدات الشبكات والاتصالات، تأسست في ثمانينيات القرن العشرين، واشتهرت بأجهزة التوجيه والمحولات التي تشكل جزءًا مهمًا من البنية التحتية للإنترنت حول العالم. ولأن عملها يرتبط مباشرة بحجم البيانات التي تنتقل عبر الشبكات، فقد اهتمت بإصدار دراسات دورية تتوقع اتجاهات هذا النمو.
ومن أشهر هذه الدراسات تقرير يُعرف بمؤشر الشبكات المرئية، الذي كانت الشركة تصدره سنويًا لسنوات عديدة، ويقدم تقديرات لحجم حركة البيانات وعدد الأجهزة المتصلة وأنماط الاستخدام في السنوات الخمس التالية. وقد كان هذا التقرير مرجعًا يستشهد به الصحفيون والمحللون وشركات الاتصالات عند الحديث عن مستقبل الإنترنت.
كيف تُبنى هذه التوقعات
تعتمد مثل هذه التقارير على نماذج إحصائية تجمع بيانات من مصادر متعددة، منها تقديرات أعداد السكان ونسب انتشار الإنترنت وأعداد الاشتراكات في الاتصالات الثابتة والمتنقلة، إضافة إلى بيانات عن متوسط استهلاك المستخدم وأنواع التطبيقات الأكثر شيوعًا. ثم تُطبق افتراضات حول معدلات النمو المستقبلية للوصول إلى أرقام تقديرية. ولذلك فهي توقعات وليست حقائق مؤكدة، وقد تصيب أو تخطئ بحسب تغير الظروف والتقنيات.
فهم وحدات قياس البيانات
ترد في هذه التقارير مصطلحات قد تبدو غريبة على القارئ غير المتخصص، مثل الإكسابايت والزيتابايت. وتعتمد هذه الوحدات على مضاعفات البايت، وهو الوحدة الأساسية لتخزين المعلومات الرقمية، ويمكن تبسيطها كما يلي:
- الكيلوبايت: نحو ألف بايت، ويكفي لتخزين صفحة نصية قصيرة.
- الميغابايت: نحو ألف كيلوبايت، ويقارب حجم صورة متوسطة الجودة أو أغنية مضغوطة قصيرة.
- الغيغابايت: نحو ألف ميغابايت، ويعادل تقريبًا فيلمًا بجودة عادية.
- التيرابايت: نحو ألف غيغابايت، وهي سعة شائعة للأقراص الصلبة المنزلية الحديثة.
- البيتابايت: نحو ألف تيرابايت، وتستخدم لقياس بيانات المؤسسات الكبرى.
- الإكسابايت: نحو ألف بيتابايت، وتستخدم لقياس حركة البيانات على مستوى العالم.
- الزيتابايت: نحو ألف إكسابايت، وهي من أكبر الوحدات المستخدمة عند الحديث عن مجمل الإنترنت.
وتساعد هذه السلسلة على إدراك ضخامة الأرقام الواردة في التوقعات، فالانتقال من الإكسابايت إلى الزيتابايت يعني قفزة بمقدار ألف ضعف تقريبًا.
العوامل التي دفعت نمو حركة الإنترنت
انتشار الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية
شهدت السنوات التي تلت إطلاق الهواتف الذكية الحديثة انتشارًا سريعًا لهذه الأجهزة، فأصبح ملايين الناس يتصفحون الإنترنت ويشاهدون المقاطع ويستخدمون التطبيقات من جيوبهم في أي وقت. وأدى ذلك إلى ارتفاع كبير في الطلب على شبكات الاتصال المتنقلة وتطويرها من جيل إلى آخر.
هيمنة الفيديو
يُعد الفيديو أكثر أنواع المحتوى استهلاكًا للبيانات، ومع انتشار منصات المشاهدة والبث المباشر وارتفاع جودة الصورة من العادية إلى العالية ثم الفائقة، تضاعف حجم البيانات التي يستهلكها المستخدم الواحد. ولهذا كانت التقارير تؤكد باستمرار أن الفيديو سيشكل النسبة الأكبر من حركة الإنترنت العالمية.
زيادة سرعات الاتصال
كلما ارتفعت سرعة الاتصال ازداد ميل المستخدمين إلى استهلاك محتوى أثقل، كالألعاب الإلكترونية عبر الشبكة وتحميل الملفات الكبيرة والاتصال المرئي. وقد أسهم انتشار الألياف الضوئية والنطاق العريض في المنازل في تعزيز هذا الاتجاه.
الحوسبة السحابية
انتقلت كثير من الخدمات من الأجهزة الشخصية إلى الخوادم البعيدة، مثل تخزين الصور والمستندات والبريد الإلكتروني وتطبيقات العمل المشترك، ما جعل البيانات تتنقل باستمرار بين المستخدمين ومراكز البيانات.
إنترنت الأشياء وتزايد الأجهزة المتصلة
لم يعد الاتصال بالإنترنت مقتصرًا على الحواسيب والهواتف، بل امتد إلى أجهزة كثيرة مثل التلفزيونات الذكية والكاميرات المنزلية والساعات وأجهزة الاستشعار في المصانع والسيارات. ويُطلق على هذا الاتجاه اسم إنترنت الأشياء، وهو أحد أسباب توقع أن يتجاوز عدد الأجهزة المتصلة عدد سكان العالم.
الحاجة إلى بروتوكول IPv6
يحتاج كل جهاز متصل بالإنترنت إلى عنوان يميزه، وكان الإصدار الرابع من بروتوكول الإنترنت المعروف بـIPv4 يوفر عددًا محدودًا من العناوين لا يكفي لهذا النمو الهائل. ولذلك جرى تطوير الإصدار السادس IPv6 الذي يوفر عددًا ضخمًا جدًا من العناوين، ويستمر التحول إليه تدريجيًا في الشبكات حول العالم.
انعكاسات النمو على البنية التحتية والمستخدمين
- توسعة الشبكات: اضطرت شركات الاتصالات إلى استثمارات كبيرة في الكوابل البحرية والأبراج ومراكز البيانات.
- استهلاك الطاقة: تحتاج مراكز البيانات إلى كميات كبيرة من الكهرباء للتشغيل والتبريد، ما دفع إلى البحث عن حلول أكثر كفاءة.
- الأمن السيبراني: كلما ازداد عدد الأجهزة المتصلة اتسعت فرص الاختراق، فبرزت الحاجة إلى حماية أفضل.
- الفجوة الرقمية: لم يكن النمو متساويًا بين الدول والمناطق، فبقي جزء من سكان العالم دون اتصال كاف.
- فرص اقتصادية: فتح الاتصال الواسع الباب أمام التجارة الإلكترونية والعمل عن بعد والتعليم الرقمي.
قراءة التوقعات بعين ناقدة
من المفيد عند الاطلاع على أي تقرير تنبؤي أن نتذكر أن الأرقام المستقبلية تقديرات مبنية على افتراضات، وأن الجهات التي تصدرها قد تكون لها مصلحة تجارية في تأكيد الحاجة إلى مزيد من المعدات والاستثمارات. ومع ذلك فإن الاتجاه العام الذي رسمته تلك التوقعات، وهو النمو السريع للمستخدمين والبيانات، تحقق على نطاق واسع، إذ تشير تقديرات الاتحاد الدولي للاتصالات إلى أن عدد مستخدمي الإنترنت تجاوز ثلاثة مليارات في منتصف العقد الثاني من القرن الحالي، واستمر في الارتفاع بعد ذلك.
لماذا تخطئ بعض التوقعات
تتأثر دقة التنبؤات التقنية بعوامل يصعب التحكم فيها، مثل ظهور تقنيات جديدة لم تكن في الحسبان، أو تغير سلوك المستخدمين، أو الأزمات الاقتصادية التي تبطئ الاستثمار، أو التطورات في تقنيات ضغط البيانات التي تقلل الحجم المطلوب لنقل المحتوى نفسه. فعلى سبيل المثال، تسمح تقنيات الضغط الحديثة بعرض فيديو عالي الجودة بحجم بيانات أقل مما كان مطلوبًا سابقًا، وهو ما قد يغير الأرقام الفعلية مقارنة بالمتوقع.
الإنترنت في العالم العربي
شهدت الدول العربية بدورها توسعًا ملحوظًا في استخدام الشبكة خلال السنوات التي تلت تلك التوقعات، مع تفاوت واضح بين الدول. فقد حققت بعض دول الخليج نسب انتشار مرتفعة جدًا بفضل الاستثمار في البنية التحتية والألياف الضوئية وشبكات الجيل الخامس، بينما ما زالت دول أخرى تواجه تحديات تتعلق بالتكلفة والتغطية في المناطق الريفية. كما ازداد المحتوى العربي على الإنترنت تدريجيًا، وإن كان لا يزال أقل من حجم المتحدثين بالعربية مقارنة بلغات أخرى، وهو ما يفتح المجال أمام صناع المحتوى والمواقع المعرفية لسد هذه الفجوة.
نصائح لاستخدام أكثر كفاءة للبيانات
- ضبط جودة الفيديو تلقائيًا أو يدويًا بما يناسب حجم الشاشة وسرعة الاتصال.
- تفعيل التحديثات التلقائية للتطبيقات عبر شبكة الواي فاي فقط.
- مراجعة التطبيقات التي تستهلك بيانات في الخلفية دون حاجة وإيقافها.
- تنزيل المحتوى المتكرر مسبقًا لمشاهدته دون اتصال عند السفر.
- متابعة إحصاءات الاستهلاك الشهرية في إعدادات الهاتف لتجنب تجاوز حدود الباقة.
أسئلة شائعة
ما هو الإكسابايت؟
هو وحدة لقياس البيانات تعادل نحو مليار غيغابايت، وتستخدم للتعبير عن أحجام البيانات الضخمة على مستوى الشبكات العالمية.
لماذا يستهلك الفيديو بيانات كثيرة؟
لأنه يتكون من عدد كبير من الصور المتتالية مع الصوت، وكلما ارتفعت جودته ازداد حجم البيانات اللازمة لعرضه.
هل تحققت توقعات وصول المستخدمين إلى ثلاثة مليارات؟
تشير تقديرات الهيئات الدولية المعنية بالاتصالات إلى أن عدد المستخدمين تجاوز هذا الرقم في منتصف العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين تقريبًا.
خلاصة
عكست توقعات سيسكو مرحلة مفصلية في تاريخ الإنترنت، حين بدأت الشبكة تتحول من خدمة يستخدمها جزء من سكان العالم إلى بنية أساسية للحياة اليومية. وقد كشفت تلك التقارير عن أثر الهواتف الذكية والفيديو والحوسبة السحابية وإنترنت الأشياء في تضخم حركة البيانات، وهي عوامل ما زالت ترسم ملامح العالم الرقمي حتى اليوم.
