ما هو الصحيح الاطالة في الدعاء ام التقصير؟

يكثر السؤال في ليالي رمضان عن الصحيح في الإطالة في الدعاء أم التقصير فيه، خاصة في دعاء القنوت الذي يقرؤه أئمة المساجد في صلاة التراويح والوتر، إذ يتفاوت الأئمة بين من يطيل حتى يشق على المصلين ومن يختصر اختصارًا شديدًا. وتبحث هذه المقالة في هذه المسألة من جوانبها المختلفة.

ستجد فيما يلي جواب أحد كبار العلماء عن السؤال، ثم عرضًا لمعنى القنوت ومكانته، وآداب الدعاء في الصلاة الجماعية، والضوابط التي ذكرها أهل العلم لتحقيق التوازن بين الخشوع ومراعاة أحوال الناس، مع إجابات عن أسئلة شائعة تتعلق بالموضوع.

جواب العلماء عن مسألة إطالة الدعاء


الإطالة أم التقصير في دعاء القنوت في رمضان

س: بعض أئمة المساجد في رمضان يطيلون في الدعاء ويعضهم يقصر ، فما هو الصحيح ؟

ج: الصحيح ألا يكون غلو ولا تقصير ، فالإطالة التي تشق على الناس منهي عنها ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه أن معاذ بن جبل أطال الصلاة في قومه غضب عليه غضباً شديداً لم يغضب في موعظة مثله قط ، وقال لمعاذ بن جبل : ( يا معاذ أفتان أنت ) رواه البخاري ومسلم ، فالذي ينبغي أن يقتصر على الكلمات الواردة أو يزيد . 
ولا شك في أن الإطالة شاقة على الناس وترهقهم ، ولاسيما الضعفاء منهم ، ومن الناس من يكون وراءه أعمال ، ولا يحب أن ينصرف قبل الإمام ويشق عليه أن يبقى مع الإمام ، فنصيحتي لإخواني الأئمة أن يكونوا بين بين ، كذلك ينبغي أن يترك الدعاء أحياناً حتى لا يظن العامة أن الدعاء واجب .
الشيخ ابن عثيمين
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

معنى القنوت ومكانته في الصلاة

يطلق القنوت في اللغة على معانٍ متعددة، منها الطاعة والخشوع ودوام العبادة والقيام الطويل، ويقصد به في اصطلاح الفقهاء الدعاء المخصوص الذي يقال في موضع معين من الصلاة، وأشهره ما يكون في صلاة الوتر. وقد اعتاد المسلمون في كثير من البلدان أن يجهر الإمام بهذا الدعاء في رمضان بعد الركوع من الركعة الأخيرة من الوتر، ويؤمّن المأمومون خلفه.

ويحتل هذا الدعاء مكانة خاصة في نفوس الناس، لأنه يأتي في ختام القيام بعد قراءة القرآن، فتجتمع فيه رقة القلوب وحضور الجماعة وبركة الشهر. ولهذا يحرص كثير من المصلين على شهوده، وتمتلئ المساجد في ليالي الوتر بالرجال والنساء والشيوخ والأطفال، وهو ما يجعل مسألة طوله وقصره ذات أثر مباشر على عدد كبير من الناس.

الفرق بين الدعاء المأثور والدعاء المنشأ

يقسم العلماء الأدعية إلى نوعين: نوع مأثور ورد في السنة النبوية أو عن الصحابة، ونوع ينشئه الداعي بألفاظه بحسب حاجته. وقد نص كثير من الفقهاء على أن الأفضل في الصلاة الجماعية الاعتماد على الألفاظ الواردة لأنها جامعة موجزة، مع جواز الزيادة عليها بما يناسب الحال من غير تكلف ولا إسراف في الألفاظ.

الدعاء الجامع وفضله

من صفات الدعاء النبوي أنه يجمع المعاني الكثيرة في عبارات قليلة، ويسمي العلماء ذلك جوامع الكلم. ويرى أهل العلم أن الإمام الذي يختار هذه الأدعية الجامعة يحقق المقصود من القنوت دون أن يطيل على الناس، ويجمع لهم خير الدنيا والآخرة في دقائق معدودة.

مقاصد الشريعة في مراعاة أحوال المصلين

تقوم الشريعة الإسلامية على التيسير ورفع الحرج، ومن مظاهر ذلك ما ورد في السنة من توجيه الأئمة إلى التخفيف لأن خلفهم الضعيف والكبير وذا الحاجة. وقد استنبط الفقهاء من هذه التوجيهات قاعدة عامة مفادها أن الإمام مؤتمن على صلاة الجماعة، وأن عليه أن يراعي أضعفهم لا أقواهم، وألا يجعل رغبته الشخصية مقياسًا لما يحتمله الناس.

ولا يعني التخفيف الإخلال بأركان الصلاة أو نقر الركوع والسجود، بل المقصود الاعتدال الذي يحفظ للصلاة طمأنينتها ويحفظ للناس طاقتهم. فالمصلي المرهق قد يفقد خشوعه أو ينصرف وفي نفسه ضيق، وقد يدفعه طول الدعاء المتكرر إلى ترك صلاة الجماعة أصلًا، وهذا خلاف ما يرجوه الإمام من دعوته.

فئات تحتاج إلى مراعاة خاصة

  • كبار السن والمرضى: يصعب عليهم الوقوف الطويل ورفع الأيدي مدة ممتدة.
  • أصحاب الأعمال والحاجات: كالطبيب المناوب والعامل المرتبط بموعد والأم التي تركت أطفالها في البيت.
  • الأطفال والناشئة: الذين يُراد تحبيبهم في المسجد لا تنفيرهم منه.
  • المسافرون والضعفاء: ومن كان في حال تعب أو صيام طويل في أيام الحر.

آداب دعاء القنوت كما يذكرها أهل العلم

ذكر العلماء جملة من الآداب التي ينبغي للإمام أن يراعيها عند الدعاء في الصلاة، وهي آداب تجمع بين حسن الأداء والإخلاص وحسن معاملة المأمومين. ومن أبرزها:

  1. البدء بالثناء على الله: فمن أدب الدعاء أن يُقدَّم بحمد الله والثناء عليه والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
  2. الاعتدال في الصوت: بحيث يسمع المصلين دون صراخ أو تكلف في التلحين.
  3. ترك السجع المتكلف: فقد كره بعض السلف التكلف في تنميق العبارات لأنه يصرف القلب عن معنى الطلب.
  4. الإيجاز والشمول: باختيار ألفاظ جامعة تشمل حاجات الناس العامة.
  5. تجنب الاعتداء في الدعاء: كالدعاء بإثم أو قطيعة رحم أو بما لا يليق.
  6. التنويع بين الليالي: فلا يلتزم صيغة طويلة واحدة كل ليلة حتى لا يملها الناس.

الحذر من تحويل القنوت إلى موعظة

يلاحظ بعض العلماء أن من الأئمة من يحول الدعاء إلى ما يشبه الخطبة أو الموعظة، فيسرد قصصًا وأوصافًا مطولة للموت والقبر والقيامة بأسلوب الخطاب، وهذا يخرج القنوت عن طبيعته، لأن الدعاء مناجاة وطلب من الله، لا وعظ موجه للناس. والأولى أن تكون الموعظة في وقتها المناسب، وأن يبقى الدعاء دعاءً.

لماذا ينصح العلماء بترك القنوت أحيانًا

من اللفتات المهمة في جواب الشيخ الوارد في المقالة الإشارة إلى ترك الدعاء أحيانًا حتى لا يظن العامة أنه واجب. وهذا مبني على قاعدة معروفة عند الفقهاء، وهي أن المداومة على المستحب بصورة دائمة قد توهم الناس وجوبه، فيُترك أحيانًا لبيان أنه سنة. وقد اختلف الفقهاء في مسألة القنوت في الوتر من حيث المداومة عليه أو فعله في بعض الليالي، ولكل مذهب اجتهاده المعتبر.

ويدل هذا التوجيه على عمق الفقه في التعامل مع العادات الدينية، فليس المقصود مجرد أداء العبادة، بل أيضًا حماية فهم الناس للأحكام، والتفريق بين الواجب والمستحب، حتى لا يُنكر على من تركه أو يُحمَّل الناس ما لم يُلزمهم الشرع به.

نصائح عملية للأئمة والمصلين

يمكن تلخيص التوجيهات المستفادة من كلام العلماء في هذه المسألة في نقاط عملية تساعد الإمام على تحقيق التوازن المطلوب، وتعين المأموم على فهم الحكمة من ذلك:

  • أن يحدد الإمام لنفسه مدة معتدلة للدعاء، ويراقب أحوال من خلفه.
  • أن يحفظ مجموعة من الأدعية المأثورة الجامعة، ويختار منها ما يناسب الليلة.
  • أن يخص ليالي معينة بشيء من الزيادة إذا علم رغبة الجماعة وقدرتها، كبعض ليالي العشر الأواخر، مع الاعتدال.
  • أن يتذكر المأموم أن الإمام اجتهد في مراعاة الجميع، فلا يشق عليه أن يخفف.
  • أن يكثر المصلي من الدعاء الخاص في سجوده وخلوته، فالدعاء غير محصور في القنوت.

أثر الاعتدال على الخشوع وحضور القلب

يرتبط الخشوع ارتباطًا وثيقًا بحالة الإنسان الجسدية والنفسية، فالمصلي الذي يقف وقتًا يناسب طاقته يستطيع أن يتدبر الكلمات ويؤمّن عليها بقلب حاضر، أما إذا امتد الوقوف حتى أثقل عليه فإن ذهنه ينشغل بالتعب والتفكير في انتهاء الصلاة. ولذلك يرى المربون والعلماء أن قِصر المناجاة مع صدقها أنفع من طولها مع شرود الذهن.

كما أن الاعتدال يحفظ للعبادة جمالها في نفوس الناس على المدى البعيد، فمن اعتاد صلاة مريحة متوازنة أحب المسجد وواظب على الحضور طوال الشهر، ومن أرهقته الليالي الأولى ربما انقطع في منتصف رمضان. ومن هنا تظهر حكمة التوسط التي دعا إليها العلماء، فهي ليست مجرد مسألة وقت، بل هي وسيلة لاستمرار الطاعة ودوامها، وقد عُرف في الشرع أن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل.

أسئلة شائعة

هل يجوز للمأموم أن ينصرف قبل انتهاء الإمام من الدعاء؟

الأصل أن يتابع المأموم إمامه حتى يسلم، والأفضل له أن يبقى معه لينال أجر القيام كاملًا، أما من له عذر خاص فيُرجع في حكم حالته إلى أهل العلم الموثوقين في بلده.

هل الأفضل أن يدعو الإمام بالمأثور فقط؟

يرى كثير من العلماء أن المأثور هو الأكمل، مع جواز الزيادة بما يناسب حاجات الناس بشرط ألا تشق الإطالة على المصلين وأن تخلو الألفاظ من التكلف.

ما الحكمة من ترك القنوت في بعض الليالي؟

الحكمة كما بيّن العلماء أن يعلم الناس أن هذا الدعاء سنة وليس واجبًا، فلا يعتقدون بطلان الصلاة أو نقصها إذا لم يقنت الإمام.

هل رفع الصوت والبكاء المتكلف من آداب الدعاء؟

البكاء الصادق من خشية الله محمود، أما التكلف في الصوت والتلحين المبالغ فيه فقد نبه العلماء إلى أنه يخالف روح الدعاء القائمة على الخضوع والسكينة.

خلاصة

يتضح أن الصواب في مسألة إطالة الدعاء أو تقصيره هو التوسط بين الأمرين، بحيث يأتي الإمام بالأدعية الجامعة دون إطالة ترهق المصلين أو اختصار يفوّت المقصود، مع مراعاة الضعفاء وذوي الحاجات، وترك القنوت أحيانًا لبيان سنيته. وبهذا التوازن تتحقق مقاصد الشريعة في التيسير، ويبقى المسجد مكانًا محببًا لجميع الناس.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !