أم ذر هي امرأة أبي ذر الغفاري رضي الله عنهما

تحفل السيرة النبوية بنساء صحابيات كان لهن حضور مؤثر إلى جانب أزواجهن في الثبات على الإيمان، ومن هؤلاء أم ذر امرأة الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري رضي الله عنهما. وفي هذا المقال نعرض ما ورد في أخبار أم ذر ومواقفها، ثم نتعرف على زوجها الصحابي الغفاري وقبيلته وقصة إسلامه وزهده، ونتناول الربذة التي شهدت أيامه الأخيرة، ودور المرأة في المجتمع الإسلامي الأول، والدروس المستفادة من سيرة هذين الزوجين.

أخبار زوجة أبي ذر ومواقفها


أم ذر زوجة الصحابي أبي ذر الغفاري رضي الله عنهما

قصة إسلام أم ذر :
أسلمت مع أبي ذر في أول الإسلام . فعن أبي الصباح الكوفي بإسناد له يصل به إلى النبي كان إذا أراد أن يتبسم قال لأبي ذر : " يا أبا ذر حدثني بيدء إسلامك " , قال : كان لنا صنم يقال له : نهم , فأتيته فصببت له لبنًا ووليت, فحانت مني التفاتة فإذا كلب يشرب ذلك اللبن , فلما فرغ رفع رجله فبال على الصنم فأنشأت أقول :

ألا يا نهم إني قد بدا لـي *** مدى شرفٍ يبعد منـك قربـا

رأيت الكلب سامك خط خسفٍ *** فلم يمنع قفاك اليوم كلبا

فسمعتني أم ذر فقالت : لقد أتيت جرمًا , وأصبت عظمًا حين هجوت نهمًا ، فخبرتها الخبر فقالت :

ألا فابغـنا ربـًّا كريمـًا *** جوادًا في الفضائل يا بن وهب

فما من سامه كلب حقير *** فلم يمنـع يداه لنـا برب

فما عبد الحجارة غير غاوٍ *** ركيك العقل ليس بذي لب

قال فقال : " صدقت أم ذر فما عبد الحجارة غير غاو " .

موقف أم ذر مع السيدة عائشة :
عن أيوب أن أم ذر دخلت على عائشة تسلم عليها وذلك في رمضان فقالت لها عائشة : أتسافرين في رمضان ، ما أحب أن أسافر في رمضان ، ولو أدركني وأنا مسافرة لأقمت.

عن محمد بن واسع أن رجلاً من البصرة ركب إلى أم ذر بعد وفاة أبي ذر يسألها عن عبادة أبي ذر، فأتاها فقال : جئتك لتخبريني عن عبادة أبي ذر ، قالت : كان النهار أجمع خاليًا يتفكر .

من كلمات أم ذر :
قالت أم ذر : والله ما سير عثمان أبا ذر, ولكن رسول الله قال : " إذا بلغ البناء سلعًا فاخرج منها " ، فلما بلغ البناء سلعًا وجاوز خرج أبو ذر إلى الشام .

موقف أم ذر يوم وفاة زوجها :
روى الإمام أحمد بسنده عن أم ذر قالت : لما حضرت أبا ذر الوفاة بكيت، فقال : ما يبكيك ؟ قالت : وما لي لا أبكي وأنت تموت بفلاة من الأرض ولا يد لي بدفنك ، وليس عندي ثوب يسعك فأكفنك فيه ؟ قال : فلا تبكي و أبشري ، فإني سمعت رسول الله يقول : " لا يموت بين امرأين مسلمين ولدان أو ثلاثة فيصبران أو يحتسبان فيردان النار أبدًا " ، وإني سمعت رسول الله يقول : " ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض يشهده عصابة من المؤمنين " ، وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد مات في قرية أو جماعة ، وإني أنا الذي أموت بفلاة والله ما كَذَبْتُ وَلا كُذِبْتُ .

قال أبو نعيم في الحلية : فقال لها : فانظري الطريق . فقالت : أنّى وقد انقطع الحاج ، فكانت تشتد إلى كثيب تقوم عليه تنظر ثم ترجع إليه فتمرضه ، ثم ترجع إلى الكثيب ، فبينما هي كذلك إذا بنفر تخب بهم رواحلهم كأنهم الرخم على رحالهم ، فألاحت بثوبها فأقبلوا حتى وقفوا عليها ، قالوا : ما لك ؟ قالت : امرؤ من المسلمين تكفنونه يموت . قالوا : من هو ؟ قالت : أبو ذر فغدوه بإبلهم ووضعوا السياط في نحورها يستبقون إليه حتى جاءُوه .

وقال : أبشروا فحدثهم ، وقال : إني سمعت رسول الله يقول : " لنفر أنا فيهم ليموتن منكم رجل بفلاة من الأرض فتشهده عصابة من المؤمنين " ، وليس منهم أحد إلا وقد هلك في قرية وجماعة ، وأنا الذي أموت بالفلاة ، أنتم تسمعون إنه لو كان عندي ثوب يسعني كفنًا لي أو لامرأتي لم أكفن إلا في ثوب لي أو لها ، أنتم تسمعون إني أنشدكم الله والإسلام أن لا يكفنني رجل منكم كان أميرًا أو عريفًا أو نقيبًا أو بريدًا ، فليس أحد من القوم إلا قارف بعض ما قال ، إلا فتى من الأنصار، قال: يا عم أنا أكفنك لم أصب مما ذكرت شيئًا أكفنك في ردائي هذا الذي علي, وفي ثوبين في عيبتي من غزل أمي حاكتهما لي .

قال: أنت فكَفني ، فكفنه الأنصاري في النفر الذي شهدوه منهم حجر بن الأدبر ومالك بن الأشتر في نفر كلهم يمان .


المراجع :

 الإصابة في تمييز الصحابة ابن حجر .

حلية الأولياء أبو نعيم .

تاريخ دمشق ابن عساكر .

من هو أبو ذر الغفاري؟

هو جندب بن جنادة الغفاري، من قبيلة غفار التي كانت تسكن في منطقة بين مكة والمدينة. ويُعد من السابقين إلى الإسلام، إذ تذكر كتب السيرة أنه جاء إلى مكة في أوائل البعثة يبحث عن النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم، وأعلن إسلامه في المسجد الحرام فتعرض للأذى، ثم عاد إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام، فأسلم كثير منهم.

صفاته وزهده

اشتهر جندب بالصدق والجرأة في قول الحق والزهد الشديد في الدنيا، وكان يرى أن على المسلم ألا يكنز من المال إلا ما يحتاج إليه. وقد أثنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم بصدق اللهجة، وكان من أكثر الصحابة تمسكاً بحياة البساطة والتقشف.

هجرته ومشاهده

هاجر الصحابي الغفاري إلى المدينة بعد غزوة الخندق بحسب كثير من المؤرخين، ولازم النبي صلى الله عليه وسلم وروى عنه أحاديث كثيرة. وبعد وفاة النبي خرج إلى الشام، ثم عاد إلى المدينة، واستقر في آخر حياته في الربذة.

الربذة والأيام الأخيرة

الربذة موضع في الطريق بين المدينة المنورة والعراق، اختارها للإقامة في سنواته الأخيرة في عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه. وقد اختلفت الروايات في سبب انتقاله إليها، وجاء في كلام زوجته المذكور في المقال تفسير لذلك. وتوفي هناك، وكانت زوجته إلى جانبه، وتروي كتب السيرة تفاصيل مؤثرة عن وفاته في ذلك المكان المنعزل، ومرور جماعة من المسلمين تولوا تجهيزه ودفنه.

زوجته نموذج للمرأة المؤمنة

تكشف الأخبار القليلة التي وصلتنا عنها صورة امرأة شاركت زوجها رحلة الإيمان منذ بدايتها، وصبرت معه على حياة الزهد والتقشف، ولازمته حتى آخر لحظاته في الربذة. كما تُظهر روايتها عن عبادة زوجها وتفكره أنها كانت قريبة من حياته الروحية، وأن الناس كانوا يقصدونها بعد وفاته لمعرفة أحواله.

الشراكة في الإيمان

يمثل موقفها من الصنم في قصة إسلام زوجها، كما ورد في المقال، صورة لامرأة استخدمت عقلها في التمييز بين الحق والباطل، وهو ما يعكس دور المرأة في المجتمع العربي حين وصلته دعوة الإسلام.

مكانة المرأة في المجتمع الإسلامي الأول

شاركت النساء في المجتمع الإسلامي الأول في مجالات متعددة؛ فكان منهن السابقات إلى الإسلام، والمهاجرات، والراويات للحديث، والمعلمات، ومن شاركن في مداواة الجرحى. وتحفظ كتب التراجم أسماء مئات الصحابيات وأخبارهن، وقد خصص العلماء لهن أبواباً في كتب الطبقات والتراجم.

مصادر أخبار الصحابيات

من أبرز المصادر التي جمعت أخبار الصحابة والصحابيات كتاب الطبقات الكبرى لابن سعد، والاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر، وأسد الغابة لابن الأثير، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني. ويُنصح القارئ بالرجوع إليها مع مراعاة أن بعض الروايات تحتاج إلى تحقق من صحتها.

دروس من سيرة الزوجين

  • الثبات على المبدأ والصدق في القول مهما كانت العواقب.
  • الزهد في الدنيا والقناعة بالقليل.
  • وفاء الزوجة ومشاركتها زوجها في الشدة والرخاء.
  • استخدام العقل في التمييز بين الحق والباطل.
  • حفظ سيرة الصالحين ونقلها للأجيال.

قبيلة غفار ودورها

كانت قبيلة غفار من قبائل كنانة، واشتهرت قبل الإسلام بأنها تقيم على طريق القوافل التجارية بين مكة والشام، وكان لها في الجاهلية صيت لا يخلو من الشدة. فلما أسلم جندب ودعا قومه، دخل كثير منهم في الإسلام، ثم أسلم سائرهم بعد الهجرة، وصارت القبيلة من القبائل المسلمة التي ورد في السنة الدعاء لها. وتعكس هذه القصة أثر الداعية الصادق في تغيير قومه، وكيف يمكن لفرد واحد مخلص أن يكون سبباً في هداية جماعة كاملة.

الزهد بين الفهم الفردي والتشريع العام

عُرف عن الصحابي الغفاري رأي متشدد في جمع المال وادخاره، وقد ناقش العلماء موقفه هذا، وبينوا أن الإسلام أباح الكسب الحلال والادخار مع أداء الزكاة والحقوق، وأن ما ذهب إليه كان اجتهاداً نابعاً من ورعه الشخصي وشدة زهده. ويبقى موقفه مع ذلك تذكيراً قوياً بخطورة التعلق بالدنيا ونسيان حق الفقراء.

أسئلة شائعة

من هي أم ذر؟

هي زوجة الصحابي جندب بن جنادة الغفاري، أسلمت معه في أول الإسلام، ولازمته حتى وفاته في الربذة، وروت بعض أخباره.

أين توفي أبو ذر الغفاري؟

توفي في الربذة، وهي موضع بين المدينة والعراق، في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه.

بماذا اشتهر هذا الصحابي؟

اشتهر بالسبق إلى الإسلام والصدق والزهد والجرأة في قول الحق.

خلاصة

تقدم سيرة هذين الزوجين الغفاريين نموذجاً لأسرة مؤمنة صبرت على الحق وآثرت الزهد، وجسدت الوفاء والشراكة في رحلة الإيمان. ومعرفة أخبار الصحابيات تذكرنا بالدور الكبير الذي أدته المرأة في بناء المجتمع الإسلامي الأول.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !