يحفظ التراث الشعبي العراقي حكايات كثيرة تمجد النخوة والغيرة على الحمى، ومن أطرفها وأبلغها حكاية دن ما ننطي وهد واوينا التي تروي كيف ثار شيخ عشيرة ورجاله من أجل حيوان بري صاده ضباط إنجليز من بساتينهم، لأن الأمر عندهم تعلق بالكرامة لا بقيمة الحيوان.
نتناول في هذا المقال السياق التاريخي للحكاية خلال الاحتلال البريطاني للعراق، ونعرف بفن الهوسة الشعبي الذي جاءت به الأبيات، وبثقافة المضيف العشائري، ثم نتحدث عن الواوي نفسه من الناحية العلمية، والقيم التي تعبر عنها القصة.
في الحقيقة قصة جميلة جداً عن شهامة وكرامة ابناء العراق ، قصة الشيخ كاصد وقتاله الانجليز ، بسبب واوي (حيوان من فصيلة الثعالب).
عندما دخل الأنكليز العراق عام 1918 بعد أن تم دحر العثمانيين من منطقة الفرات الأوسط قرروا أنشاء معسكر لهم في هذه المنطقة.
وبالفعل نفذوا ذلك وكان مكان المعسكر يقع ضمن مناطق نفوذ أحد مشايخ الفرات الأوسط آنذاك وهو الشيخ كاصد.
ولم يكن لهذا المعسكر واجب يذكر فكل شيء هادئ جدا" في المنطقة والعثمانيون غادروا العراق نهائيا”. ولم يكن لدى الضباط والجنود أي واجبات. وكان لديهم الكثير من الوقت فقرروا صيد الثعالب وهي هواية محببة لدى فئة كبار العسكريين البريطانيين.
وفي أحد المرات قامت مجموعة من ضباط هذا المعسكر بمطاردة ثعلب داخل عمق مناطق بساتين الشيخ كاصد. تمت محاصرة هذا الثعلب وكان جميل الشكل فقرروا أسره وشحنه إلى بريطانيا للمباهاة.
وتشاء الصدف أن يشهد الحادثة أحد الرعيان وكان قبيح المنظر أعورا" وأعرج وقصير القامة. ولم ينبس هذا الراعي بشفة في حينها لكنه أمتعض امتعاضا" شديدا". وحالما غادر البريطانيون البستان جمع الخراف على عجل وتوجه إلى مضيف الشيخ.
دخل الراعي المضيف وكان الشيخ جالس مع رجاله وربعة من العربان وقام برمي العقال على الحصيرة وهوس مايلي بالجلفي (مع الشرح بالفصيح):
واوينا ياكـــــــــاصد شنهو السبب كضة
(لماذا أسرو ثعلبنا)
تراجية ذهــــــــــب والطــوك من فضة
(معناها ثعلبنا عزيز وغالي)
جم صوجر بصـــــــــــوجر بالسدر عضة
(عض كثير من الجنود البريطانيين)
ميســــــــور إل لنـــــــــــدة يــــــودونة؟
(هل سنقبل بأن يرسل إلى لندن أسير)
عندئذ ساد المضيف الهرج والمرج من شدة هذا الكلام عليهم، شلون الواوي يروح أسير إلى لندن.
وزعق الشيخ كاصد على أتباعه: تفـــــككـــم أخوتي .........تفـــــككـــم أخوتي .........
وجمع الشيخ كاصد مجموعة كبيرة من المسلحين ببنادق الكجك جبلي القصيرة والتي تستخدم في الهجمات الالتحامية وتوجه والى المعسكر البريطاني. وفي هجوم خاطف دخلوا المعسكر الغير مستعد وفتكوا بكل الجنود البريطانيين الموجودين فيه. وبحثوا مطولا" عن الواوي ولكن بدون جدوى ولم يكن له أثر فعاد الشيخ كاصد مع رجاله إلى ديارهم وهو يرتعد من الغضب فقد تم شحن الواوي إلى لندن وكان هذا قدره.
أما ما كان من البريطانيين فقد صعقتهم المفاجأة فهذا عمل عسكري تكتيكي لا سابقة له في تاريخ الحرب العالمية الأولى وما قبلها. وربما أخذ الألمان من الشيخ كاصد فكرة الحرب الخاطفة. وبدأ البريطانيون تحقيقاتهم وتحرياتهم مستفيدين من ذوي النفوس الضعيفة وشخصوا قائد المقاتلين وتحسبوا لكل ما يمكن أن يكون أسوأ من ذلك واعتبروه اهانة لا يمكن غض النظر عنها لملكتهم المعظمة وللتاج البريطاني وتوصلوا إلى حل أوله قطع رأس الشيخ كاصد ولن ينتهي إلا باجتثاث رجولة كل رجاله الذين شاركوه في الهجوم لكي يكون عبرة لغيره.
وكعادة البريطانيين في الكيد و الخباثة طلبوا من الشيخ كاصد أن يتوجه لمقر المندوب السامي البريطاني في بغداد للتفاوض والغرض الحقيقي الإنفراد به وأسره لغرض تنفيذ الحكم بأعدامه.
رفض الشيخ كاصد هذا الطلب وقال ما معناه اللي يريد يحجي وياي يتفضل عندي بالمضيف وهو آمن على الرحب والسعة.
عندئذ توصل المندوب السامي إلى حل وسطي في الخباثة وأرسل له بطلب موافاته في القطار الذي سيتوقف في أقرب محطة من مقر الشيخ كاصد وفي ضميره أن يأسره في القطار ويتوجه به إلى بغداد حيث يعدمه هناك. وافق الشيخ كاصد وتوجه إلى المحطة.
وعندما وصل إلى المحطة كانت تحوط القطار من جميع الجهات جميع تفاكة العشاير والربحر من الرجال والعكل والسلاح من عشائر الفرات الأوسط . وكان القطار يبدو مثل القارب الصغير وسط بحر من الرجال المسلحين.
وطار قلب المندوب السامي البريطاني شعاعا" فقد ظن بأنه وقع في فخ الشيخ كاصد (كلمن يشوف الناس بعين طبعه) وأن الشيخ ينوي الفتك به كما فتك بجنوده.
ولكن الشيخ كاصد لم يكن يضمر الغدر وصعد إلى القطار وكان لبقا" ودبلوماسيا" في حديثه مع المندوب السامي وحاول بحلاوة المنطق إن يعيد الواوي إلى موطنه. وهنا ارتأى المندوب السامي طلب جزية لقاء الجنود الذين قتلوا في المعسكر البريطاني فلم يكن يصدق مطلقا" أن هذا العمل العسكري المرعب هو لإطلاق سراح الواوي. وحاول أن يكون حادا" مع الشيخ بكل عنجهية واستعلاء فكتوري على طلب مبلغ يكسر الظهر.
أدرك الشيخ كاصد أن لا جدوى من الكلام مع المندوب السامي البريطاني فقال له إنني لست صاحب القرار في ذلك ولكني سأنقل رغبتك بكل أمانة لأخوتي وأنا سأطيعهم في ما يقررون. وخرج الشيخ من القطار ولم يجرأ أحد على إيقافه.
خاطب الشيخ كاصد جموع المحاربين قائلا" بطريقة يفهمونها بقصد استفزازهم على البريطانيين:
- الصاحب يريد دن (جزية تعويضية) والواوي باقي يمهم شتكولون أخوتي؟؟؟؟؟؟؟
وهنا جن جنون المحاربين من هذا الطلب وظلوا يهوسون ببنادقهم ورافقتها أطلاقات نارية في الهواء:
- دن ما ننطي وهد واوينا
- دن ما ننطي وهد واوينا
- دن ما ننطي وهد واوينا
ارتعدت فرائص المندوب السامي ومن معه من المرافقين والحرس وظنوا أن الهلاك المحتم مصيرهم.
وأشار عليه أحد مرافقيه أن يغض النظر عن هذا موضوع الدن وأن يعد الشيخ بإطلاق سراح الواوي بأسرع وقت. فقال المندوب السامي ما معناه منين أجيب الواوي؟؟؟ فقال له من معه " جيب أي واوي منين ما جان وأعطه لهم وسد حلكهم.".
عندئذ أبرق إلى بغداد بإرسال أي واوي شلون ماكان بأسرع ما يمكن وكان له ما أراد.
وهكذا عاد الواوي الأغبر إلى دياره بزفة عظيمة من هوسات المقاتلين الذين أسعدتهم عودته ولم يسبق أن حظي بهذه الزفة أي واوي في تاريخ العالم القديم أو الحديث. كذلك عاد الشيخ كاصد فرحا" ومسرورا" بعودة الواوي العزيز والغالي والذي من أجله سقط العشرات من الجنود البريطانيين مضرجين برصاص العشاير فداء له.
من ناحية أخرى عاد المندوب السامي مع مرافقيه إلى بغداد غير مصدقين بنجاتهم من ناحية وكيف أن أرواحهم كانت على المحك وإنها توقفت على واوي أغبر واحد وما أكثر الواوية في العراق وبريطانيا العظمى.
دخلت القوات البريطانية العراق خلال الحرب العالمية الأولى، فبدأت من البصرة ثم تقدمت شمالاً حتى سيطرت على بغداد، ومع انهيار الحكم العثماني امتد وجودها إلى مناطق الفرات الأوسط. وقد شهدت تلك المرحلة احتكاكاً متزايداً بين القوات الأجنبية والعشائر التي اعتادت إدارة شؤونها بنفسها، وهو احتقان بلغ ذروته في ثورة العشرين التي شاركت فيها عشائر الفرات الأوسط بقوة.
الهوسة لون من الشعر الشعبي العراقي يُلقى بصوت جهوري، يبدأه شاعر يسمى المهوال، ثم يردد الجمع خلفه لازمة قصيرة مع حركات جماعية حماسية. وتُستخدم في مناسبات الحرب والفخر والأعراس والتشييع، وتعد وسيلة لتحريك المشاعر وإعلان المواقف. وكثير من الهوسات تحولت إلى أمثال سائرة لقوة إيقاعها وإيجاز عبارتها، كما حدث مع العبارة التي حملت اسم هذه الحكاية.
تعني العبارة باللهجة العراقية الجنوبية أننا لا نسلم ولا نترك ابن آوى الخاص بنا، أي أن ما يقع في حمى العشيرة مصون مهما صغر شأنه.
المضيف بناء تقليدي واسع يُشيد غالباً من القصب والبردي في مناطق الأهوار والجنوب، يستقبل فيه الشيخ ضيوفه ويعقد فيه المجالس ويفصل في النزاعات. وهو رمز للكرم والسلطة الاجتماعية، ولهذا كان من الطبيعي أن يتوجه الراعي في الحكاية إلى المضيف ليرفع شكواه أمام الشيخ ورجاله.
الواوي هو الاسم الشعبي لابن آوى الذهبي، وهو حيوان من فصيلة الكلبيات يشبه الثعلب والكلب في آن واحد، ينتشر في العراق وبلاد الشام وأجزاء من آسيا وأفريقيا. يتغذى على القوارض والطيور والفواكه والجيف، وينشط ليلاً، ويُعرف بعوائه الجماعي المميز.
يلفت النظر في الحكاية أن من حرك الموقف راعٍ بسيط، وهذا يعكس أن الإحساس بالكرامة الجماعية لم يكن حكراً على الوجهاء، بل كان مشتركاً بين أفراد العشيرة جميعاً.
هي من الحكايات الشعبية المتداولة شفاهياً، وقد تختلف تفاصيلها من راوٍ لآخر، لكنها تعبر بصدق عن روح تلك المرحلة.
ابن آوى أكبر حجماً وأطول قوائم، وذيله أقصر نسبياً، ويعيش غالباً في مجموعات أو أزواج.
تجمع هذه الحكاية بين الطرافة والعمق، فهي تبدو قصة عن حيوان صغير، لكنها في جوهرها تعبير عن الكرامة ورفض الإذلال. وقد خلدتها الهوسة الشعبية حتى صارت مثلاً يردده العراقيون حين يريدون التأكيد على التمسك بحقوقهم.