المساجد تناديكم

المساجد بيوت الله في الأرض ومنارات الهداية في المجتمعات الإسلامية، ومن رحابها يرتفع النداء خمس مرات كل يوم يدعو المؤمنين إلى الصلاة والفلاح. وفي هذا المقال نعرض كلمة مؤثرة للشيخ عائض القرني بعنوان المساجد تناديكم، يعاتب فيها المتخلفين عن صلاة الجماعة، ثم نتناول مكانة المسجد في الإسلام ووظائفه عبر التاريخ، وفضل صلاة الجماعة، وآداب ارتياد بيوت الله، وأسباب عزوف بعض الشباب عنها، وسبلاً عملية لإعادة ربطهم بها.

نص كلمة الشيخ عائض القرني


المساجد بيوت الله وصلاة الجماعة
الشيخ عائض القرني
بيوت الله في الأرض هي المساجد ، ودعاة الضيافة في بيوته هم المؤذنون ، وقد أوجب الله على عباده خمس صلوات في اليوم والليلة ، فمن تخلّف عنها بلا عذر شرعي استحق المقت ، ودلّ ذلك على مرض القلب وإعراض النفس والبُعد عن الخير .

ومساجدنا تشكو بلسان الحال إعراض الرّجال ، الذين ألهاهم المال والعيال ، بينما وصف الله الرّجال ، بقوله: (رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ) ، فأين شبابنا الذين يملؤون المدرّجات والمقاهي والاستراحات ؟
أين هم عن صلاة الفجر التي قاطعها الكثير من الجيل في المسجد جماعة وما صار يرتادها إلا كبار السن ؟
ماذا يدل عليه فراغ الصفوف من المصلين في المساجد والأحياء مكتظة بالسكان ؟
أليس هذا دليلاً على ضَعْف الإيمان ونقص الخشية وضحالة التربية والوهن في حَمْل الرسالة وتضييع الأمانة ؟
كيف يصلح مجتمع فيما بينه وهو لم يتصالح مع الله بأداء حقه سبحانه ، ومن أعظم حقوقه الصلاة المفروضة جماعة في بيت من بيوته ؟
إن المسلم يشعر بالإحباط حينما يجد المسجد الكبير الواسع لا يحضره في صلاة الفجر إلا صف أو صفان ؛ فأين ألوف المسلمين في الحي ؟
ماذا أقعدهم عن الصلاة ؟
ماذا ألهاهم عن ذكر الله ؟
ماذا أشغلهم عن الحضور إلى بيته وإجابة دعوته وقبول كرامته ؟
ماذا دهى الناس ؟
حضور كثيف في مناسبات اللهو واللعب وولائم الأكل والشرب وحفلات الأفراح ، ولهثٌ على دخول الأسواق وارتياد الاستاد الرياضي والشواطئ والمنتـزهات، في غفلة وتيه وضحك وشرود ..
فإذا رُفع صوت الأذان وارتجّ الكون بنداء الحق ودوّت المعمورة بصيحة "الله أكبر" رأيت الكسل والخمول والتّرهل والتّقاعس والتّأخر ..
وهذا أعظم دليل على أن الرسالة ما وصلت ، والدعوة ما قُبِلت ، والرحمة ما حلّت ، والبركة ما نزلت ، وإلا بالله عليكم هل هناك مسلم عاقل رشيد صحيح معافى يسمع الأذان في مسجده المجاور ثم يتأخر بلا عذر شرعي ؟
فأي أرضٍ تقلّه ؟
وأي سماء تظلّه ؟
وأي عظام تحمله ؟
وأي روح تسكنه ؟
وهو يعرض عن إجابة داعي الله ويصد عن بيت الله ويقاطع فريضة الله في المسجد جماعةً ، ثم يدّعي بعدها الإيمان الصحيح والغِيرة على الدّين والتّشدّق بحَمْل رسالة الإسلام والتّظاهر بنصرة المنهج الرّباني دجلاً وهراءً وتدليساً وتلبيساً ومكابرة وتزويراً ؟.. 
إن الإسلام ليس الثرثرة بالكلام والتّفوه بالدعاوى العريضة والمحاضرات الجوفاء والخطب الرعناء الحمقاء والتّمظهر بأسماء ديانة بالية وتخاشع مصطنع متكلّف ممقوت ، لقد حكم الصحابة على من تخلّف عن المسجد بلا عذر بالنفاق مباشرة ، قال ابن مسعود في صحيح مسلم: "ولقد رأيتنا وما يتخلّف عن الصلاة إلا منافق معلوم النفاق" .

أسفي على شباب الإسلام ؛ أبدانٌ سمينة ، وأجسام ثخينة ، وهياكل متينة ، لكنها للعب واللهو والتّنـزّه والفسحة وإزجاء الوقت وهدر العمر ..
وفي المقابل تأخّر عن الطاعة وصدود عن المسجد وهجر للقرآن وغفلة عن الذكر ، ثم لا يستحي الواحد أن ينشد في الطابور:
نحن أحفاد الصحابة للمعالي والمهابة
فأي أحفاد ؟
وأي معالٍ ؟
وأي مهابة ؟
بعد مقاطعة "حي على الصلاة ، حي على الفلاح" ، حينها يحق لشاعر الإسلام محمد إقبال أن يبكي
على الجيل وهو يشاهد المساجد خاويةً من المصلين إذ يقول:
وجلجلة الأذانِ بكل حيٍّ ولكن أين صوتٌ من بلالِ
منائركم علت في كل ساحٍ ومسجدكم من العبّاد خالِ
استيقظوا يا شباب الأمة ، أفيقوا رحمكم الله ، عودوا إلى الصواب عفا الله عنكم ، راجعوا إيمانكم ، تعالوا إلى المسجد ، إلى مهد الانطلاقة الكبرى ، إلى مصدر النور ، إلى روضة الرحمة وحضرة القداسة ورحال السكينة وجنة الله في أرضه ، تعالوا إلى الصلوات الخمس كل يوم ، كفى شروداً ، كفى تخلّفاً ، كفى إعراضاً ، كفى وهناً في الديانة وإضاعةً للأمانة ، نعوذ بالله أن نكون ممن قال فيهم:
(وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً) .

مكانة المسجد في الإسلام

كان بناء المسجد من أول الأعمال التي قام بها النبي صلى الله عليه وسلم عند هجرته، فأسس مسجد قباء ثم المسجد النبوي في المدينة المنورة، ليكون مركز المجتمع الإسلامي الناشئ. ومنذ ذلك الحين ارتبط المسجد بحياة المسلمين ارتباطاً وثيقاً، فلا تكاد تخلو مدينة أو قرية إسلامية من مسجد يتوسط أحياءها.

وظائف المسجد عبر التاريخ

لم يكن المسجد في التاريخ الإسلامي مكاناً للصلاة فحسب، بل أدى وظائف متعددة:

  • العبادة: وهي الوظيفة الأساسية من صلاة وذكر وتلاوة واعتكاف.
  • التعليم: فقد كانت حلقات العلم تعقد في المساجد، وتخرج منها العلماء، ونشأت جامعات عريقة في رحاب مساجد كبرى كالأزهر في القاهرة والقرويين في فاس والزيتونة في تونس.
  • التشاور والتوجيه: إذ كان المسجد مكاناً لاجتماع المسلمين في أمورهم العامة.
  • التكافل الاجتماعي: فمن خلاله يتعارف أهل الحي ويتفقدون أحوال بعضهم ويعينون المحتاج.

فضل صلاة الجماعة

حث الإسلام على أداء الصلوات المفروضة جماعة في المساجد، وقد ثبت في الصحيحين أن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة. كما وردت أحاديث في فضل المشي إلى المساجد، وأن كل خطوة يخطوها المسلم إليها ترفع له درجة وتحط عنه خطيئة، وفي فضل انتظار الصلاة بعد الصلاة.

صلاة الفجر خاصة

تحظى صلاة الفجر في الجماعة بمكانة خاصة لما فيها من مجاهدة النفس وترك الفراش، وقد وردت نصوص في فضل شهودها، وأن من صلاها في جماعة كان في ذمة الله. ولهذا يشير الشيخ في كلمته إلى قلة الحاضرين لصلاة الفجر بوصفها مؤشراً على حال الإيمان في المجتمع.

حكم صلاة الجماعة عند الفقهاء

اختلف الفقهاء في حكم صلاة الجماعة بين من يرى وجوبها على الرجال القادرين، ومن يرى أنها سنة مؤكدة، مع اتفاقهم على عظيم فضلها وكراهة التهاون فيها دون عذر. ويُرجع في تفاصيل ذلك إلى أهل العلم.

آداب ارتياد المساجد

  1. الطهارة والتجمل ولبس الثياب النظيفة.
  2. تجنب الروائح الكريهة التي تؤذي المصلين.
  3. المشي إلى المسجد بسكينة ووقار.
  4. صلاة تحية المسجد عند الدخول.
  5. عدم تخطي رقاب الناس أو المرور بين يدي المصلي.
  6. إغلاق الهاتف أو كتم صوته احتراماً للمكان.
  7. المحافظة على نظافة المسجد ومرافقه.

لماذا يعزف بعض الشباب عن المساجد؟

يرى المهتمون بالشأن الدعوي والتربوي أن أسباب ضعف حضور الشباب متعددة، منها:

  • السهر الطويل الذي يجعل الاستيقاظ لصلاة الفجر صعباً.
  • الانشغال بالأجهزة الإلكترونية ووسائل الترفيه.
  • ضعف التربية الإيمانية في البيت وغياب القدوة.
  • شعور بعض الشباب بأن المسجد لا يخاطب اهتماماتهم.
  • أسلوب بعض الناس الجاف في التعامل مع الصغار والشباب داخل المسجد.

سبل إعادة ربط الشباب بالمسجد

دور الأسرة

يبدأ ارتباط الطفل بالمسجد من البيت، حين يصحبه أبوه إلى الصلاة منذ الصغر، ويرى والديه يحافظان على أوقاتها. كما أن تنظيم مواعيد النوم في الأسرة يساعد على الاستيقاظ لصلاة الفجر.

دور القائمين على المساجد

يمكن للأئمة ولجان المساجد أن يجعلوا المسجد بيئة جاذبة، من خلال حلقات تحفيظ القرآن، والدروس القصيرة المناسبة لاهتمامات الشباب، والأنشطة التربوية والرياضية والتطوعية، والتعامل اللطيف مع الأطفال والناشئة وتشجيعهم.

دور الشباب أنفسهم

يستطيع الشاب أن يبدأ بخطوات صغيرة، كالالتزام بصلاة واحدة في المسجد يومياً ثم الزيادة تدريجياً، واصطحاب صديق معه، وضبط المنبه، والدعاء بالثبات.

الأذان نداء يومي متجدد

الأذان شعيرة من أظهر شعائر الإسلام، وهو إعلام بدخول وقت الصلاة ودعوة إليها بكلمات تجمع أصول العقيدة من تكبير وتوحيد وشهادة بالرسالة ودعوة إلى الفلاح. وقد شُرع في السنة الأولى من الهجرة في المدينة، وكان بلال بن رباح رضي الله عنه أول من رفعه. ويرى العلماء أن من حق هذا النداء أن يجيبه المسلم بترديد ألفاظه والدعاء بعده، ثم السعي إلى الصلاة.

المسجد ملاذ نفسي

يجد كثير من المصلين في المسجد هدوءاً وسكينة تخفف عنهم ضغوط الحياة، فالخروج من صخب العمل والأسواق إلى مكان مخصص للذكر والصلاة يمنح النفس استراحة قصيرة متكررة خلال اليوم، ويقوي الروابط الاجتماعية بين أهل الحي الذين يلتقون في الصفوف نفسها.

أسئلة شائعة

من هو الشيخ عائض القرني؟

داعية وكاتب سعودي معروف، اشتهر بمحاضراته ومؤلفاته، ومن أشهرها كتاب لا تحزن الذي لقي انتشاراً واسعاً.

ما فضل المشي إلى المسجد؟

وردت أحاديث تبين أن خطوات المسلم إلى المسجد ترفع درجاته وتكفر سيئاته.

كيف أحافظ على صلاة الفجر في المسجد؟

بالنوم المبكر، وضبط المنبه، وتجنب السهر، والاستعانة بالدعاء والصحبة الصالحة.

خلاصة

تذكّر كلمة المساجد تناديكم بمكانة بيوت الله وفضل عمارتها بالصلاة والذكر، وتنبه إلى خطر التهاون في صلاة الجماعة. وإعادة الحياة إلى المساجد مسؤولية مشتركة بين الأسرة والقائمين عليها والشباب أنفسهم، ليبقى المسجد كما كان دائماً قلب المجتمع الإسلامي ومصدر نوره.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !