تحتل مكانة العلماء في الثقافة الإسلامية موقعاً رفيعاً، فهم حملة العلم الشرعي والمرجع الذي يُرجع إليه في معرفة الأحكام وفهم النصوص. ومن هنا يتكرر السؤال عن حكم الطعن في فتاوى كبار العلماء والتقليل من شأنهم، خاصة في أوقات الخلاف بين التيارات والجماعات، وانتشار النقاشات على المنابر الإعلامية ومنصات التواصل.
نورد في هذا المقال جواب أحد أهل العلم عن هذه المسألة، ثم نعرض خلفية عن منزلة العلماء ووظيفة الفتوى، والفرق بين النقد العلمي المنضبط والطعن المذموم، وآداب الخلاف التي قررها أهل العلم.
نص السؤال وجواب الشيخ
منزلة العلماء في الإسلام
أولى الإسلام العلم وأهله عناية كبيرة، وتكثر في القرآن الكريم والسنة النبوية النصوص التي ترفع شأن العلم وتحث على طلبه، وتجعل أهله في مقدمة من يُرجع إليهم عند الإشكال. ويذكر العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم وصف أهل العلم بأنهم ورثة الأنبياء، بمعنى أنهم يحملون ميراث النبوة وهو العلم بالشريعة وتبليغها للناس.
وقد استقر في التراث الإسلامي احترام العلماء والتأدب معهم، وظهر ذلك في كتب الآداب التي ألفها المتقدمون في أدب العالم والمتعلم، وفي سير السلف التي تحكي توقير التلاميذ لشيوخهم والتماسهم الأعذار لهم. ولم يكن ذلك تقديساً لأشخاصهم، بل احتراماً لما يحملونه من علم ولما بذلوه في تحصيله ونشره.
من هم كبار العلماء؟
يقصد بكبار العلماء في الاستعمال الشائع أهل العلم الراسخون الذين عُرفوا بسعة الاطلاع على نصوص الشريعة وأقوال الفقهاء، وطول الممارسة في التعليم والإفتاء، والورع والاستقامة، وشهد لهم أقرانهم بالأهلية. وغالباً ما تكون لهم مكانة في المجامع والهيئات العلمية، ويرجع إليهم الناس في النوازل والقضايا الكبرى التي تحتاج إلى نظر جماعي متأن.
التعريف بصاحب الجواب
الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد من العلماء المعروفين بالمدينة المنورة، واشتهر بالتدريس في المسجد النبوي وبشروحه لكتب الحديث، ومنها شرحه لسنن أبي داود الذي نُقلت منه هذه الفتوى. وقد استشهد في جوابه بكلام الإمام أبي جعفر الطحاوي، صاحب العقيدة الطحاوية، وهي متن مختصر في أصول الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة، تلقاه العلماء بالقبول وتعددت شروحه.
الفتوى وشروط المفتي
الفتوى في الاصطلاح بيان الحكم الشرعي لمن سأل عنه، وهي مسؤولية عظيمة لأن المفتي يخبر عن حكم الله في المسألة بحسب اجتهاده. ولذلك وضع العلماء شروطاً لمن يتصدى لها، من أبرزها:
- العلم بالأدلة: أي معرفة نصوص الكتاب والسنة المتعلقة بالمسألة ودلالاتها.
- معرفة مواضع الإجماع والخلاف: حتى لا يخالف ما اتفق عليه أهل العلم.
- الإلمام بأصول الفقه: التي تضبط طرق الاستنباط من النصوص.
- فهم الواقع: أي إدراك ملابسات المسألة وأحوال السائل وظروف الزمان والمكان.
- العدالة والورع: فلا يفتي بالهوى ولا يتساهل في الأحكام.
خطورة التصدر بغير علم
حذر العلماء قديماً وحديثاً من تصدر غير المؤهلين للفتوى، لما في ذلك من إضلال للناس وتشويه للأحكام. ويكثر هذا الخطر في زمن الإعلام المفتوح، حيث يستطيع أي شخص أن يتحدث في المسائل الشرعية أمام جمهور واسع دون أن يملك الأدوات العلمية اللازمة. ومن هنا جاءت الدعوة إلى الرجوع إلى أهل الاختصاص والجهات العلمية المعتمدة في كل بلد.
الفرق بين النقد العلمي والطعن المذموم
لا يعني احترام العلماء القول بعصمتهم، فقد قرر أهل العلم أن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم، وأن العالم المجتهد قد يصيب وقد يخطئ، وله في الحالين أجر بحسب اجتهاده. وقد امتلأت كتب الفقه بمناقشات العلماء لأقوال بعضهم ورد بعضهم على بعض، دون أن يكون ذلك طعناً في الأشخاص أو انتقاصاً لهم.
والفرق الجوهري بين الأمرين أن النقد العلمي يتوجه إلى القول لا إلى القائل، ويقوم على الدليل والحجة، ويصدر من أهل الاختصاص، ويلتزم الأدب والإنصاف. أما الطعن المذموم فيتوجه إلى شخص العالم ونيته ودينه، ويقوم على الاتهام والسخرية والتعميم، وكثيراً ما يصدر عن غير المتخصصين بدافع التعصب لجماعة أو رأي.
علامات النقد المنضبط
- أن يكون الناقد من أهل العلم بالمسألة المطروحة.
- أن يعرض قول العالم بأمانة دون تحريف أو اقتطاع.
- أن يبين وجه المخالفة بالدليل لا بمجرد الرأي.
- أن يحفظ للعالم مكانته ويلتمس له العذر في اجتهاده.
- أن يكون مقصده بيان الحق لا الانتصار للنفس أو الجماعة.
آداب الخلاف في التراث الإسلامي
عرفت الحضارة الإسلامية مذاهب فقهية متعددة، واختلف أئمتها في مسائل كثيرة، ومع ذلك حفظت الكتب صوراً مشرقة من الاحترام المتبادل بينهم، إذ كان بعضهم يثني على بعض ويصلي خلفه ويتعلم منه رغم الاختلاف في الاجتهاد. وقد ألف العلماء في آداب الخلاف وأسبابه، وبينوا أن كثيراً من الاختلافات تعود إلى تفاوت في فهم النصوص أو بلوغها أو ترجيح الأدلة، لا إلى سوء نية.
من آداب الخلاف
- حسن الظن بالمخالف وحمل كلامه على أحسن المحامل.
- التفريق بين المسائل القطعية التي لا مجال للاجتهاد فيها، والمسائل الاجتهادية التي يسع فيها الخلاف.
- اجتناب السب والتجريح والسخرية في الحوار.
- الرجوع إلى الحق متى ظهر، وعدم التعصب للرأي.
- الحرص على وحدة الصف وتجنب ما يؤدي إلى الفرقة والعداوة.
أثر الطعن في العلماء على المجتمع
يرى كثير من أهل العلم أن التطاول على العلماء الراسخين يؤدي إلى فراغ في المرجعية، فإذا سقطت ثقة الناس بأهل العلم المعتبرين اتجهوا إلى من لا يحسن، فتكثر الفتاوى الشاذة ويضطرب فهم الدين. كما أن هذا الطعن يزرع الشقاق بين المسلمين، ويشغلهم بالخصومات عن العمل النافع، ويمنح الخصوم فرصة لتشويه صورة الدين وأهله، ويضعف ثقة الأجيال الناشئة بالمؤسسات العلمية الموثوقة.
العلماء والجماعات الإسلامية
جاء السؤال الذي أجاب عنه الشيخ في سياق الحديث عن التعاون مع الجماعات الإسلامية، وهي مسألة كثر فيها النقاش في العقود الأخيرة، وتباينت فيها اجتهادات العلماء بحسب تقديرهم للمصالح والمفاسد وأحوال الجماعات ومناهجها. وفي مثل هذه القضايا العامة التي تمس مصالح الأمة، يرى كثير من أهل العلم أن النظر الجماعي المتأني من الراسخين أولى من الآراء الفردية المتعجلة، لأن الخطأ فيها يتعدى أثره إلى المجتمع كله.
ويحذر العلماء من أن يتحول الانتماء إلى جماعة أو تيار إلى معيار يقاس به الحق، فيُقبل قول العالم إذا وافق الجماعة ويُرد ويُطعن فيه إذا خالفها. فهذا من التعصب الذي يفسد القلوب ويصرف عن طلب الحق، والواجب أن يُعرض كل قول على الدليل، وأن تبقى الأخوة الإيمانية فوق الانتماءات الحزبية.
دور طلبة العلم في حفظ المرجعية
يتحمل طلبة العلم مسؤولية خاصة في هذا الباب، فهم الواسطة بين العلماء والعامة، وبأدبهم مع شيوخهم وأمانتهم في نقل أقوالهم يتعلم الناس احترام أهل العلم. كما يُنتظر منهم أن يبينوا للناس الفرق بين مسائل الاجتهاد ومسائل الإجماع، وأن يمتنعوا عن إثارة الخلافات أمام العامة بأسلوب يفرق ولا يجمع.
أسئلة شائعة
هل يجوز مخالفة العالم في مسألة اجتهادية؟
قرر أهل العلم أن المسائل الاجتهادية يسع فيها الخلاف لمن كان من أهل النظر وبُني رأيه على دليل، مع حفظ الأدب مع المخالف، والأولى بغير المتخصص أن يسأل أهل العلم الموثوقين.
كيف يختار المسلم من يستفتيه؟
ينصح العلماء بالرجوع إلى من عُرف بالعلم والورع، وإلى الهيئات والمؤسسات الشرعية المعتمدة، وتجنب أخذ الأحكام من مصادر مجهولة على الإنترنت.
هل النقد العلمي للعالم يعد طعناً فيه؟
لا يعد كذلك إذا التزم الأدب وتوجه إلى القول بالدليل وصدر من أهله، أما التجريح في الأشخاص ونياتهم فهو الذي ذمه أهل العلم.
خلاصة
تؤكد هذه الفتوى أهمية حفظ مكانة العلماء الراسخين بوصفهم مرجعاً للناس في دينهم، وتحذر من الطعن فيهم لما يجره ذلك من ضلال وفرقة. وفي الوقت نفسه يبقى باب النقاش العلمي المؤدب مفتوحاً لأهله، ضمن آداب الخلاف التي رسخها التراث الإسلامي، حتى يجتمع احترام العلماء مع طلب الحق واتباع الدليل.
.png)
