انتشر الإسلام في بقاع الأرض المختلفة حتى وصلت المساجد إلى مناطق لم يكن يتوقعها كثير من الناس، ومنها المدن الواقعة شمال الدائرة القطبية. في هذا المقال نتعرف على أول مسجد في القطب الشمالي، وهو مسجد نورد كمال في مدينة نوريلسك الروسية، ثم نتحدث عن تاريخ الإسلام في روسيا ودور التتار في نشره، وعن طبيعة الحياة في المدن القطبية، وكيف تعامل العلماء مع مسائل مواقيت الصلاة والصيام في المناطق التي يطول فيها الليل أو النهار.
قصة مسجد نورد كمال
نوريلسك: مدينة في أقصى الشمال
تقع مدينة نوريلسك في شمال سيبيريا داخل روسيا الاتحادية، شمال الدائرة القطبية الشمالية، وتعد من أكبر المدن الواقعة في هذا النطاق الجغرافي القاسي. وقد نشأت المدينة وتطورت في القرن العشرين حول مناجم المعادن ومصانع التعدين، إذ تحتوي المنطقة على ثروات كبيرة من النيكل والنحاس ومعادن أخرى، مما جعلها مركزاً صناعياً مهماً.
ويعيش سكان نوريلسك في ظروف مناخية صعبة، فالشتاء فيها طويل وشديد البرودة، وتنخفض الحرارة إلى مستويات قاسية كما ورد في المقال، وتهب العواصف الثلجية بقوة. كما تشهد المدينة ظاهرة الليل القطبي في الشتاء حين تغيب الشمس عن الأفق لأسابيع، وظاهرة النهار القطبي في الصيف حين تبقى الشمس ظاهرة طوال اليوم تقريباً.
لماذا يوجد مسلمون في نوريلسك؟
جذبت فرص العمل في المناجم والمصانع عمالاً ومهندسين من مختلف أنحاء الاتحاد السوفييتي السابق، ومن بينهم أعداد من المسلمين القادمين من مناطق مثل تتارستان وباشكيريا وشمال القوقاز وآسيا الوسطى. ومع مرور الوقت تكونت في المدينة جالية مسلمة تحتاج إلى مكان للعبادة والاجتماع، فكان بناء المسجد استجابة لهذه الحاجة.
الإسلام في روسيا: لمحة تاريخية
للإسلام في الأراضي الروسية تاريخ طويل يمتد لأكثر من ألف عام، فقد دخل منطقة حوض نهر الفولغا مبكراً، ويذكر المؤرخون أن دولة بلغار الفولغا اعتنقت الإسلام في القرن العاشر الميلادي، وكانت لها صلات بالخلافة العباسية في بغداد. كما وصل الإسلام إلى منطقة داغستان في شمال القوقاز في وقت مبكر جداً من التاريخ الإسلامي.
دور التتار في نشر الإسلام
يعد التتار من أبرز الشعوب المسلمة في روسيا، ومركزهم الرئيسي جمهورية تتارستان وعاصمتها قازان. وقد عُرف التتار بنشاطهم التجاري والثقافي، وانتشروا في مدن روسية كثيرة، وكان لهم دور في تأسيس المساجد والمدارس الدينية في مناطق مختلفة. ولذلك ليس غريباً أن يكون من بنى مسجد نوريلسك من أصول تترية، فقد اعتاد التتار حمل هويتهم الدينية معهم أينما ذهبوا.
المسلمون في روسيا المعاصرة
يشكل المسلمون اليوم واحدة من أكبر المجموعات الدينية في روسيا، ويتركز وجودهم التاريخي في منطقة الفولغا والأورال وشمال القوقاز، إضافة إلى المدن الكبرى مثل موسكو وسانت بطرسبرغ. وقد شهدت العقود الأخيرة بعد تفكك الاتحاد السوفييتي حركة واسعة لإعادة بناء المساجد وترميمها، بعد فترة تراجع فيها النشاط الديني بسبب السياسات الرسمية في الحقبة السوفييتية.
عمارة المساجد في البيئات الباردة
يتطلب بناء مسجد في منطقة قطبية حلولاً هندسية خاصة، فالتربة في كثير من مناطق أقصى الشمال متجمدة بشكل دائم، وتحتاج المباني إلى أساسات مناسبة تمنع ذوبان التربة تحت المبنى بفعل الحرارة الداخلية. كما يجب أن تكون الجدران معزولة جيداً، والنوافذ مصممة لتقليل فقدان الحرارة، ونظام التدفئة قوياً بما يكفي لفصل الشتاء الطويل.
ومن الناحية الجمالية حافظ مسجد نورد كمال على العناصر المعروفة في عمارة المساجد، مثل القبة والمئذنة، مع اختيار ألوان زاهية كالفيروزي والذهبي، وهي ألوان تبرز بوضوح وسط البياض الثلجي الذي يغطي المدينة معظم العام. ويشبه ذلك تقاليد معمارية معروفة في مساجد آسيا الوسطى ومنطقة الفولغا التي تستخدم الألوان الزرقاء والخضراء بكثرة.
العبادات في المناطق القطبية
من المسائل التي تثيرها حياة المسلمين في المناطق القريبة من القطبين مسألة مواقيت الصلاة والصيام، إذ تعتمد هذه المواقيت على حركة الشمس، من الفجر إلى الشروق والزوال والغروب والعشاء. وفي المناطق التي يطول فيها النهار أو الليل لفترات طويلة، أو لا تغيب فيها علامات بعض الأوقات، يصعب تحديد المواقيت بالطريقة المعتادة.
كيف تناول العلماء هذه المسألة؟
بحث العلماء المعاصرون والمجامع الفقهية هذه القضية، وظهرت عدة آراء اجتهادية، منها تقدير المواقيت بحسب أقرب بلد تتميز فيه الأوقات بوضوح، ومنها التقدير بمواقيت بلد معتدل، إضافة إلى آراء أخرى تفصيلية. وتصدر المؤسسات الإسلامية المحلية في هذه البلدان عادة تقاويم تعتمد أحد هذه الاجتهادات، ويُنصح المسلم المقيم هناك بالرجوع إلى أهل العلم والمراكز الإسلامية الموثوقة في بلده لمعرفة ما يعتمدونه.
دور المسجد في حياة الجالية
لا يقتصر دور المسجد في المدن البعيدة على إقامة الصلوات، بل يصبح مركزاً اجتماعياً يجمع أبناء الجالية، ويقيم فيه الناس المناسبات الدينية كصلاة العيدين والتراويح في رمضان، ويتعلم فيه الأطفال مبادئ الدين واللغة العربية. كما يساعد على حفظ الهوية والتواصل بين الأجيال في بيئة بعيدة عن البلاد الأصلية للمهاجرين، ويمنح القادمين الجدد شعوراً بالانتماء والألفة.
الحياة اليومية للمسلمين في المدن القطبية
يواجه المسلمون المقيمون في المدن القطبية تحديات تتجاوز مسألة المواقيت، فالبرد الشديد يجعل الوصول إلى المسجد في أيام الشتاء أمراً شاقاً، ولذلك يحرص القائمون على المساجد هناك على توفير التدفئة والأماكن المخصصة لخلع الملابس الشتوية الثقيلة. كما قد يصعب أحياناً توفير بعض الاحتياجات الخاصة كالأطعمة الحلال في المدن البعيدة عن مراكز التجمعات الإسلامية الكبرى، فتتعاون الجالية في تأمينها.
رمضان في أقصى الشمال
يختلف شكل شهر رمضان في هذه المناطق بحسب الفصل الذي يأتي فيه، لأن التقويم الهجري قمري ويتنقل عبر فصول السنة. فإذا جاء في الشتاء قصرت ساعات النهار كثيراً، وإذا جاء في الصيف طالت جداً أو امتدت الشمس طوال اليوم. ولهذا تعتمد المساجد والمراكز الإسلامية في هذه المدن تقاويم خاصة للإمساك والإفطار وفق الاجتهاد الفقهي الذي تتبناه، ويجتمع أفراد الجالية في المسجد للإفطار الجماعي وصلاة التراويح، فيتحول الشهر إلى مناسبة لتقوية الروابط بينهم.
المسجد معلماً من معالم المدينة
بسبب موقعه البارز وألوانه اللافتة أصبح المسجد معلماً معروفاً في المدينة، يتحدث عنه الزوار ووسائل الإعلام بوصفه أحد أبعد المساجد شمالاً في العالم. ويعكس ذلك كيف يمكن لدور العبادة أن تتحول إلى جزء من الهوية البصرية للمدن، وأن تكون جسراً للتعارف بين المسلمين وجيرانهم من أتباع الديانات والثقافات الأخرى، فيسأل الزائر عن المسجد وتاريخه وعن الجالية التي تعمره.
مساجد في أماكن غير متوقعة
ليس مسجد نورد كمال المثال الوحيد على وصول المساجد إلى أماكن بعيدة، فهناك مساجد في مدن شمالية أخرى في روسيا والدول الإسكندنافية وكندا، أنشأتها جاليات مسلمة هاجرت للعمل أو الدراسة. وتكشف هذه المساجد عن قدرة المجتمعات المسلمة على التكيف مع البيئات المختلفة، وعن حرصها على إقامة مكان للعبادة مهما كانت الظروف المناخية والجغرافية.
وغالباً ما تبدأ هذه المساجد بمصلى صغير في شقة أو قاعة مستأجرة، ثم تتطور مع نمو الجالية وتبرعات أفرادها إلى مبنى مستقل له قبة ومئذنة. وتحتاج هذه المشاريع عادة إلى الحصول على التراخيص الرسمية والتعاون مع السلطات المحلية، وإلى صبر طويل حتى ترى النور، ولذلك يعد افتتاح مسجد في مدينة نائية حدثاً مهماً في حياة الجالية بأكملها.
- البعد الإنساني: تمثل هذه المساجد قصص أفراد وعائلات بنوا حياتهم في مناطق صعبة.
- البعد الثقافي: تجمع بين الطراز الإسلامي التقليدي وخصائص البيئة المحلية.
- البعد الاجتماعي: تعزز التعارف بين المسلمين وغيرهم من سكان المدينة.
أسئلة شائعة
أين يقع أول مسجد في القطب الشمالي؟
يقع مسجد نورد كمال في مدينة نوريلسك شمال سيبيريا في روسيا، وهي مدينة تقع شمال الدائرة القطبية الشمالية.
لماذا سمي المسجد بهذا الاسم؟
بحسب ما ورد في المقال، أطلق المتبرع الذي بنى المسجد عليه اسم والديه تكريماً لهما.
كيف يصلي المسلمون في المناطق التي لا تغيب فيها الشمس؟
توجد اجتهادات فقهية معاصرة لتقدير المواقيت في هذه المناطق، ويُنصح بالرجوع إلى المراكز الإسلامية وأهل العلم في البلد لمعرفة التقويم المعتمد.
خلاصة
مسجد نورد كمال في نوريلسك شاهد على انتشار الإسلام في أقصى بقاع الأرض، وعلى حرص الجاليات المسلمة على إقامة دور العبادة حتى في أقسى الظروف المناخية. وقد ارتبط بناؤه بتاريخ طويل للإسلام في روسيا وبدور التتار في حمل هذا الدين إلى مناطق مختلفة، كما يطرح وجوده مسائل فقهية تتعلق بالعبادات في المناطق القطبية تناولها العلماء باجتهادات متعددة.
.png)







