يحتل كهف هانج سون دونج في فيتنام مكانة فريدة بين عجائب الطبيعة، إذ يعد من أكبر الممرات الكهفية المعروفة في العالم، ويضم داخله غابة ونهراً ومناخاً خاصاً تتشكل فيه السحب. وقد تحول منذ استكشافه إلى وجهة يحلم بها محبو المغامرة والتصوير والجيولوجيا.
بعد عرض المعلومات الأصلية عن الكهف، نتناول في هذا المقال قصة اكتشافه، وكيف تتكون الكهوف الكلسية، وسر وجود الغابة داخله، والمعالم الجيولوجية التي يضمها، والحديقة الوطنية التي ينتمي إليها، وطبيعة الرحلات السياحية إليه، وجهود الحفاظ عليه.
معلومات أساسية عن الكهف











قصة الاكتشاف
يرتبط اكتشاف الكهف باسم رجل محلي من سكان المنطقة يدعى هو خانه، كان يبحث في الغابة عن الأخشاب وموارد الرزق في أوائل التسعينيات من القرن العشرين، فعثر على فتحة الكهف وسمع صوت نهر يجري في داخله، وشعر بتيار هواء قوي يخرج منها. غير أنه لم يتمكن من العثور على المدخل مرة أخرى إلا بعد سنوات طويلة، لأن الغابة الكثيفة تخفي المداخل بشكل كبير، وهو ما يفسر قول المستكشفين إنك لا تنتبه إلى هذه الكهوف إلا إن كنت أمامها مباشرة.
وفي عام 2009 قاد هو خانه فريقاً من جمعية بريطانية متخصصة في أبحاث الكهوف إلى المدخل، فقام الفريق بأول استكشاف علمي منظم للكهف وقياس أبعاده، وأعلن عنه بوصفه أحد أكبر الكهوف في العالم، ثم توالت البعثات العلمية والإعلامية لتوثيقه وتصويره، ومنها البعثة التي شارك فيها المصور الألماني المذكور في النص.
معنى الاسم
يعني اسم هانج سون دونج في اللغة الفيتنامية تقريباً كهف نهر الجبل، وهو اسم يصف بدقة طبيعة المكان، فالكهف محفور في جبل كلسي، ويجري في داخله نهر جوفي كان له الدور الأكبر في تشكيله عبر ملايين السنين.
كيف تتكون الكهوف الكلسية؟
تتكون معظم الكهوف الكبيرة في العالم في صخور الحجر الجيري، أو الحجر الكلسي، وهي صخور تتكون أساساً من كربونات الكالسيوم. وعندما يتسرب ماء المطر عبر التربة يمتص قدراً من ثاني أكسيد الكربون فيصبح حمضاً ضعيفاً، يذيب الصخر الكلسي ببطء شديد عبر الشقوق والفواصل. ومع مرور زمن جيولوجي طويل تتسع هذه الشقوق لتصبح ممرات، ثم تجري فيها الأنهار الجوفية فتزيد من حفرها وتوسيعها.
الطبيعة الكارستية
يطلق الجيولوجيون اسم الكارست على المناطق التي تتشكل فيها هذه الظواهر، وتتميز بالكهوف والحفر الانهدامية والأنهار التي تختفي تحت الأرض ثم تظهر من جديد. وتعد منطقة فونج نها كه بانج من أبرز المناطق الكارستية في جنوب شرق آسيا، وتتميز بقدم صخورها وتنوع تكويناتها.
الهوابط والصواعد
تتكون داخل الكهوف أشكال بديعة تعرف بالهوابط، وهي التي تتدلى من السقف، والصواعد، وهي التي ترتفع من الأرض، وتنشأ من ترسب كربونات الكالسيوم من قطرات الماء المتساقطة. ويضم هانج سون دونج صواعد ضخمة جداً يبلغ ارتفاع بعضها عشرات الأمتار، إضافة إلى ما يسمى لآلئ الكهوف، وهي كرات صغيرة من الكالسيت تتكون في البرك الضحلة.
سر الغابة داخل الكهف
من أغرب ما يميز هذا الكهف وجود غابة حقيقية في داخله، والسبب في ذلك أن أجزاء من سقفه انهارت في الماضي، فتكونت فتحات ضخمة تسمى الحفر الانهدامية، يدخل منها ضوء الشمس ومياه الأمطار. وبفضل هذا الضوء نمت الأشجار والنباتات في قاع الكهف، حتى أصبحت غابات صغيرة تعيش فيها كائنات متنوعة. وقد أطلق المستكشفون على إحدى هذه المناطق اسماً يشير إلى جدار عظيم في نهاية الكهف، وعلى أخرى أسماء مستوحاة من مشهد الغابة المضاءة.
المناخ الخاص بالكهف
يؤدي اتساع الكهف وفرق الحرارة بين داخله وخارجه، مع وجود النهر والرطوبة العالية، إلى تكون الضباب والسحب في أجزاء منه، كما ذكر النص الأصلي. ويصف الزوار هذا المشهد بأنه من أكثر المشاهد إثارة للدهشة، إذ يشعرون كأنهم في عالم مستقل له طقسه الخاص.
حديقة فونج نها كه بانج الوطنية
تقع الحديقة في مقاطعة كوانغ بينه في وسط فيتنام قرب الحدود مع لاوس، وقد أدرجتها منظمة اليونسكو في قائمة التراث العالمي لقيمتها الجيولوجية الاستثنائية، ثم وسعت تصنيفها لاحقاً تقديراً لتنوعها الحيوي. وتضم الحديقة مئات الكهوف والمغارات، بعضها مفتوح للسياحة منذ زمن مثل كهف فونج نها الذي يزار بالقوارب، وكهف الجنة المعروف بتكويناته الكلسية البديعة.
وتحتضن غابات الحديقة أنواعاً متعددة من الثدييات والطيور والزواحف، بعضها نادر ومهدد بالانقراض، مما يمنحها أهمية بيئية تتجاوز الكهوف وحدها.
السياحة إلى هانج سون دونج
لا يُسمح بزيارة الكهف بحرية، بل تنظم إليه رحلات استكشافية محدودة العدد تديرها جهة مرخصة، وتستغرق عدة أيام من المشي في الغابة وعبور الأنهار والتخييم داخل الكهف. وتتطلب هذه الرحلات لياقة بدنية جيدة وتدريباً مسبقاً، وتكون تكلفتها مرتفعة، ويُحجز عليها قبل فترة طويلة بسبب محدودية الأعداد المسموح بها سنوياً. والهدف من هذا التنظيم الحفاظ على البيئة الهشة للكهف ومنع الضرر الناتج عن السياحة الكثيفة.
نصائح لمن يخطط للزيارة
- التحقق من مواسم الرحلات، إذ تتوقف عادة في موسم الأمطار بسبب ارتفاع منسوب الأنهار.
- الاستعداد البدني بالمشي لمسافات طويلة قبل الرحلة بأسابيع.
- اتباع تعليمات المرشدين بدقة وعدم لمس التكوينات الكلسية.
- اختيار ملابس وأحذية مناسبة للرطوبة والطين وعبور المياه.
- زيارة الكهوف الأخرى في الحديقة لمن لا يستطيع الرحلة الطويلة، فهي تقدم تجربة جميلة بجهد أقل.
مقارنة مع كهوف شهيرة أخرى
يتنوع عالم الكهوف تنوعاً كبيراً، ولكل كهف شهير ميزة تجعله متفرداً في جانب معين، ومن أبرز الأمثلة:
- كهف الماموث في الولايات المتحدة: يعرف بأنه أطول نظام كهفي معروف في العالم، إذ تمتد ممراته المكتشفة مئات الكيلومترات.
- قاعة ساراواك في ماليزيا: تعد من أكبر القاعات الكهفية المنفردة من حيث المساحة، وتقع في حديقة غونونغ مولو الوطنية.
- الكهوف العميقة في جورجيا: تضم منطقة جبال القوقاز كهوفاً تعد من أعمق الكهوف المعروفة في العالم، ويتنافس المستكشفون على بلوغ أعماقها.
- مغارة جعيتا في لبنان: من أشهر المغارات في العالم العربي، وتتميز بتكويناتها الكلسية وبحيرتها الجوفية التي تزار بالقوارب.
ويتميز هانج سون دونج عن هذه الكهوف باجتماع الاتساع الهائل للممر الرئيسي مع الغابات الداخلية والسحب، وهو مزيج نادر يجعل منه مشهداً لا يتكرر كثيراً في عالم الكهوف المعروفة حتى الآن.
الجدل حول التنمية والحفاظ على الكهف
أثارت شهرة الكهف نقاشاً بين من يرون في السياحة فرصة لتنمية المنطقة وتوفير فرص عمل لسكانها، ومن يخشون أن تؤدي المشاريع الكبيرة كالتلفريك والمنشآت السياحية إلى الإضرار بهذا الموقع الفريد. وقد عبرت جهات بيئية ومهتمون عن معارضتهم لأي مشاريع قد تغير طبيعة المكان، وظل التوازن بين التنمية والحماية من القضايا المطروحة باستمرار. ويرى كثير من خبراء السياحة البيئية أن النموذج القائم على الرحلات الصغيرة المنظمة، التي يشارك فيها السكان المحليون كمرشدين وحمالين، يحقق فائدة اقتصادية للمنطقة مع أقل قدر من الضرر، وأنه قد يكون مثالاً يحتذى في مواقع طبيعية حساسة أخرى حول العالم.
أسئلة شائعة
هل هانج سون دونج أكبر كهف في العالم؟
يعد من أكبر الممرات الكهفية المعروفة من حيث الحجم والاتساع، وكثيراً ما يوصف بأنه الأكبر، مع أن المقارنة بين الكهوف تختلف بحسب المعيار المستخدم كالطول أو العمق أو الحجم.
هل يمكن زيارته في يوم واحد؟
لا، فالرحلة إليه منظمة وتستغرق عدة أيام، وتحتاج إلى حجز مسبق ولياقة بدنية جيدة.
لماذا توجد أشجار داخل الكهف؟
بسبب انهيار أجزاء من السقف وتكوّن فتحات يدخل منها الضوء والمطر، مما سمح بنمو غابة داخلية.
خلاصة
كهف هانج سون دونج شاهد حي على قدرة الماء والزمن على نحت أعجب المعالم الطبيعية، فقد صنع النهر الجوفي عبر ملايين السنين ممراً هائلاً يضم غابات وسحباً وتكوينات كلسية مذهلة. وتبقى قيمته في أنه موقع علمي وجمالي نادر، يحتاج إلى حماية دقيقة حتى تبقى أسراره متاحة للأجيال القادمة.
.png)