
في ليلة كان الناس يتوقعون أن تكون ليلة فرح، تحول حفل زفاف في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية إلى مأتم عام، بعد أن قضى عدد من الحاضرات والأطفال صعقاً بالتيار الكهربائي داخل خيمة الاحتفال وعند بابها. وقد وقعت الحادثة مساء الثلاثاء الموافق للثلاثين من تشرين الأول سنة ألفين واثنتي عشرة، ونقلت تفاصيلها الصحف السعودية في اليوم التالي.
ما حدث في تلك الليلة
أقيم الحفل في خيمة نُصبت داخل حوش في مركز عين دار التابع لمحافظة بقيق في المنطقة الشرقية، وكان داخلها نحو مائتي امرأة من المدعوات ومعهن أطفالهن. ووفق ما رواه مسؤولو الدفاع المدني، أطلق مجهولون أعيرة نارية ابتهاجاً بالمناسبة من رشاشات، فأصابت الطلقات كابلاً للتوتر العالي يمر فوق الموقع، فسقط على عقود الكهرباء التي كانت تُضيء المكان، فتحولت أسلاك الزينة وهيكل الخيمة إلى موصلات حاملة للتيار، وصُعق كل من لامس باب الخيمة أو تلك العقود.
أرقام الضحايا واختلاف المصادر
أكدت الجهات الرسمية ممثلة في مدير الدفاع المدني بالمنطقة الشرقية وفاة خمسة وعشرين شخصاً أغلبهم من النساء والأطفال، وإصابة سبعة وثلاثين آخرين. وذكرت إحدى الصحف المحلية رقماً أعلى بلغ ثمانية وعشرين من أسرة واحدة. ومن أمانة النقل أن يُقال: إن اختلاف الأرقام في الساعات الأولى من أي حادثة أمر معتاد، لأن بعض المصابين يتوفون لاحقاً في المستشفيات، ولأن الإحصاء في الموقع يختلف عن الإحصاء الطبي. والأولى عند التعارض الاعتماد على ما تعلنه الجهة المختصة رسمياً.
تصحيح لفطة وردت في التغطية
ورد في بعض النقول أن التحقيقات تناولت «ملابسات الحريق»، وهو وصف لا ينطبق على ما جرى، فالوفايات هنا ناجمة عن الصعق الكهربائي لا عن الاحتراق، ولعل مردّ اللفطة أن الدفاع المدني يسمي مثل هذه الحوادث بالبلاغات، أو أن ملامسة التيار أحرقت أجزاء من الخيمة فاختلط الأمر عند بعض المراسلين. والدقة في مثل هذا مقصودة، لأن سبب الوفاة يحدد طريقة الوقاية لاحقاً.
لماذا كانت الخسائر بهذا الحجم؟
لم تكن ضخامة الخسارة محض قدر مفاجئ، بل اجتمعت أسباب يعرفها أهل الاختصاص في السلامة:
الازدحام في مكان مغلق: مائتا شخص داخل خيمة لها مخرج واحد رئيسي، فإذا صار المخرج نفسه مكهرباً أغلق الطريق على الجميع.
مرور خط توتر عالٍ فوق الموقع: وهو ما تمنعه الاشتراطات الفنية عند إقامة المناسبات ونصب الخيام.
أسلاك زينة ممدودة بغير عزل كافٍ: فأدنى تلامس مع مصدر قوي يجعلها شبكة ناقلة للتيار في كل اتجاه.
غياب الترخيص والمعاينة: فقد أفادت الجهة الرسمية أن الحفل أقيم دون ترخيص، فلم تسبقه معاينة تكشف هذه المخاطر.
الإطلاق الناري الاحتفالي: وهو السبب المباشر الذي أسقط الكابل.
كيف يقتل التيار الكهربائي؟
من المفيد أن يعرف القارئ أن القاتل في الصعق ليس الجهد وحده بل مقدار التيار المار في الجسم ومساره ومدة مروره. فالتيار المتردد المنزلي إذا مر من يد إلى يد أو من يد إلى قدم عبر القلب قد يوقفه عن النبض المنتظم، ويكفي في ذلك تيار ضعيف جداً لا يتجاوز جزءاً من الأمبير. وأما خطوط التوتر العالي فأمرها أشد، لأنها قادرة على دفع التيار عبر الجلد الجاف والملابس، وتسبب حروقاً عميقة داخلية مع توقف القلب والتنفس. ولهذا يموت في حوادث التوتر العالي جماعات دفعة واحدة إذا تلامسوا أو اتصلوا بجسم معدني مكهرب واحد.
مواجهة الحادثة والتحقيق فيها
نُقل المصابون إلى مستشفيات المنطقة القريبة، ومنها مستشفيات الشركة العاملة في المنطقة ومستشفى المحافظة، وباشر الدفاع المدني عمله في المكان. وأعلن ناطق الدفاع المدني بالمنطقة الشرقية أن التحقيقات جارية في ملابسات الحادثة، كما أمر أمير المنطقة الشرقية في ذلك الوقت بتشكيل لجنة عاجلة تجمع الجهات ذات العلاقة للتحقيق فيما جرى وتحديد المسؤوليات.
ما تنظر فيه لجان التحقيق عادة
مثل هذه اللجان لا تقتصر على البحث عن المخطئ، بل تفحص سلسلة كاملة من العوامل: هل كان موقع الخيمة مطابقاً لمسافة الأمان الواجبة عن خطوط الضغط العالي؟ ومن أذن بإقامة الحفل في ذلك الموضع؟ وما نوع التمديدات الكهربائية التي استخدمت للإضاءة ومن نفّذها؟ وهل وُجد قاطع تفريق أرضي يفصل التيار عند حدوث تسرب؟ وهل كانت للخيمة مخارج بديلة ووسائل إطفاء وإخلاء؟ ثم تخرج بتوصيات تحمي غيرها من المناسبات.
سابقة مؤلمة في المنطقة نفسها
يعيد هذا الحادث إلى الأذهان مصيبة أخرى وقعت في بلدة القديح بمحافظة القطيف في تموز سنة ألف وتسعمائة وتسع وتسعين، حين اشتعلت النار في خيمة زفاف مكتظة بالنساء والأطفال، فقضى فيها نحو ست وسبعين، وأصيب مئات آخرون. والقاسم المشترك بين الحادثتين واحد: عدد كبير من الناس في مكان مؤقت غير مهيأ للسلامة، ومخرج واحد لا يكفي، وتمديدات أو مصادر خطر قريبة من الحاضرين. وقد أعقب حادثة القديح تشديد في أنظمة صالات المناسبات، لكن الخيام المنصوبة في الأحواش والساحات بقيت أضعف حلقة في المنظومة لأنها غالباً تخرج عن الرقابة.
الإطلاق الناري في المناسبات: عادة تجني على أهلها
ما جرى في تلك الليلة يضع أمام الناس سؤالاً عن عادة إطلاق الرصاص فرحاً. فهذه العادة تُعد في كثير من الأنظمة جريمة يعاقب عليها، لا لأنها إسراف في المال فقط، بل لأن الرصاصة إذا صعدت في الهواء عادت بسرعة تكفي لأن تقتل من تسقط عليه، وقد وقعت من ذلك حوادث كثيرة قُتل فيها أطفال في أسطح البيوت والشوارع. وهنا زادت المصيبة بأن الرصاص أصاب كابل التوتر العالي فأسقطه على الحاضرات. فالفرح لا يُحتاج فيه إلى سلاح، والشرع يقرر أن ما أفضى إلى إتلاف النفوس ممنوع وإن كان أصله مباحاً في نظر فاعله.
المسؤولية الشرعية والقانونية
من أطلق الرصاص فأدى فعله إلى موت هذا العدد لا يُعد بريئاً بحجة أنه لم يقصد القتل، إذ يبقى فعله متعدياً وتترتب عليه المسؤولية عند القضاء، وهو في الاصطلاح الفقهي قريب من القتل الخطأ أو شبه العمد على تفصيل يرجع فيه إلى أهل العلم والقضاء. ويشترك معه في اللوم من هيّأ الموقع تحت خط الضغط العالي، ومن مدّ الإضاءة بغير عزل، ومن أقام المناسبة بلا ترخيص، فالمسؤولية في مثل هذه الحوادث موزّعة لا فردية.
دروس عملية لكل من يقيم مناسبة
لا تكفي الحادثة أن تُروى، بل ينبغي أن يُنتفع بها، وهذه أهم ما يُوصى به عند إقامة الأعراس والمناسبات في الخيام والساحات:
اختيار موضع خالٍ تماماً من خطوط الكهرباء الهوائية فوقه أو بجانبه، والتزام مسافة الأمان التي تحددها شركة الكهرباء.
أخذ الترخيص من الجهة المختصة وطلب معاينة الموقع قبل المناسبة، فهذه المعاينة تكشف ما لا يراه غير المتخصص.
إسناد التمديدات الكهربائية إلى فني معتمد، وتركيب قاطع تفريق أرضي يفصل التيار في أجزاء من الثانية عند أي تسرب.
الاستغناء عن أسلاك الزينة الطويلة الممدودة على هياكل معدنية، والاعتماد على وحدات إضاءة مغلقة تعمل بجهد منخفض.
توفير أكثر من مخرج للخيمة، وإبقاء الممرات خالية، وتحديد المخارج بإضاءة مستقلة تعمل عند انقطاع التيار.
وجود طفايات صالحة، ومعرفة عدد من الحاضرين بموقعها وطريقة استعمالها، ورقم الطوارئ ظاهر للجميع.
منع إطلاق العيارات النارية منعاً باتاً، والاتفاق على ذلك مع أهل العروسين قبل الليلة.
ماذا يُفعل عند وقوع الصعق؟
القاعدة الأولى التي تُنسى في لحظة الفوضى هي أن المنقذ لا يقترب من المصعوق قبل فصل التيار، فكثير من الضحايا في هذه الحوادث هم من اندفعوا لإنقاذ غيرهم فصاروا حلقة في السلسلة نفسها. فالواجب فصل مصدر الكهرباء من القاطع الرئيسي إن أمكن، والبعد عن أي شيء ملامس للسلك، وطلب الإسعاف والدفاع المدني فوراً، وعدم استعمال الماء قريباً من موضع التيار. وإذا فُصل التيار وكان المصاب لا يتنفس ولا نبض له، فالإنعاش القلبي بالضغط على الصدر يفيد كثيراً حتى وصول المسعفين، لأن كثيراً من حالات الصعق يكون فيها القلب قد اضطرب لا توقف نهائياً.
خاتمة
حادثة عين دار بمحافظة بقيق واحدة من تلك المصائب التي لا يكون سببها قدراً غامضاً، بل تراكم أخطاء صغيرة يمكن تجنّبها: خيمة نُصبت تحت خط توتر عالٍ، وإضاءة مُدّت بغير عزل، وحفل أقيم بلا ترخيص، ورصاص أُطلق ابتهاجاً. رحم الله من مات فيها، وعافى من نجا، وحقّ على من بعدهم أن يجعلوا من هذا الخبر تنبيهاً دائماً كلما أرادوا أن يجمعوا الناس في مكان مؤقت: أن السلامة ليست تشديداً على الفرح، بل هي الشرط الذي يبقى الفرح به فرحاً.
