أضخم سلاحف أفريقيا تضع 45 صغيراً في مرة واحدة
لو رُزقت أمٌّ بتوأم فإن رعايتهما وتلبية احتياجاتهما معاً أمر شاقّ ومرهق، فما بالك بأمٍّ رُزقت بخمسة وأربعين صغيراً في مرة واحدة؟ هذا ما حدث فعلاً، لكن الأم هنا لم تكن إنساناً بل سلحفاة أفريقية ضخمة اسمها كالي، ومع ذلك يبقى المشهد لافتاً ومثيراً للدهشة والشفقة في الوقت نفسه.
ما هي سلحفاة سلكاتا الأفريقية؟
سلحفاة سلكاتا أو السلحفاة الأفريقية ذات المهاميز (الاسم العلمي: Centrochelys sulcata) نوع من السلاحف البرية يعيش على الحدود الجنوبية للصحراء الكبرى وفي حزام الساحل الأفريقي، وهي منطقة انتقالية شبه قاحلة من الأعشاب الطويلة والسافانا والشجيرات الشوكية. وقد وُصف هذا النوع علمياً عام 1779 على يد الرسّام الإنجليزي جون فريدريك ميلر، ويعود الاسم اللاتيني sulcata إلى كلمة sulcus أي "الأخدود"، إشارةً إلى الأخاديد العميقة التي تزيّن حُرَيشفات درعها.
تُعدّ هذه السلحفاة أكبر أنواع السلاحف في أفريقيا، وأكبر سلحفاة برية تعيش على اليابسة القارية في العالم، وهي ثالث أضخم سلحفاة على وجه الأرض بعد سلحفاة غالاباغوس العملاقة وسلحفاة ألدابرا العملاقة. وهي النوع الحيّ الوحيد المتبقّي في جنسها Centrochelys.
أماكن انتشارها
تنتشر سلاحف سلكاتا في عدد من الدول الأفريقية والعربية، منها:
- السودان وإريتريا وإثيوبيا وتشاد.
- مالي والسنغال وموريتانيا وبوركينا فاسو ونيجيريا وجمهورية أفريقيا الوسطى.
- اليمن والمملكة العربية السعودية.
- وربما الصومال والجزائر وبنين والكاميرون، مع احتمال انقراضها محلياً في جيبوتي وتوغو.
وتفضّل السلحفاة السكن على التلال والكثبان الرملية المستقرة والمساحات المنبسطة الغنية بالشجيرات والأعشاب العالية، كما تميل إلى الاستقرار قرب مسارات الجداول والأنهار المتقطّعة.
الحجم والوزن وطول العمر
تتفاوت أحجام سلاحف سلكاتا تفاوتاً كبيراً بين الذكور والإناث وبين مواطنها المختلفة، فالسلاحف التي تعيش في النطاق السوداني تبلغ أحجاماً أكبر بكثير من غيرها. وفيما يلي أرقامها المسجّلة:
- وزن الذكور: يبلغ في المتوسط نحو 81 كيلوغراماً، وسُجّل ذكور تجاوزت 100 كيلوغرام، وأحدها زاد وزنه على 120 كيلوغراماً.
- طول الدرع: نحو 86 سنتيمتراً بالقياس المستقيم في الذكور، ونحو 58 سنتيمتراً في الإناث. أما بالقياس المنحني فيبلغ 101 سنتيمتر في الذكور و67 سنتيمتراً في الإناث.
- حجم الصغار: لا يتجاوز طول السلحفاة حديثة الفقس 44 ملّيمتراً ووزنها نحو 40 إلى 50 غراماً فقط، وهي مفارقة عجيبة لأكبر سلاحف أفريقيا.
- سرعة النمو: تنمو الصغار سريعاً فتصل إلى 15–25 سنتيمتراً خلال سنواتها الأولى، ويزداد النمو مع زيادة الأمطار ويتباطأ بشحّها.
- العمر: تصل إلى النضج الجنسي بعد 10 إلى 15 سنة، ويبلغ متوسط عمرها في الأسر نحو 54 عاماً، أما في البرية فيُعتقد أنه يتجاوز 75 عاماً، وتشير بعض التقديرات إلى 70 عاماً أو أكثر.
سلاحف تعيش قروناً
والسلاحف بصفة عامة من أطول الحيوانات عمراً على الأرض. ويحمل لقب أقدم حيوان برّي حيّ في العالم اليوم سلحفاة تُدعى جوناثان تعيش في جزيرة سانت هيلانة، ويُقدَّر عمرها بأكثر من 190 عاماً إذ وُلدت قبل عام 1832، وقد وثّقت موسوعة غينيس للأرقام القياسية هذا الرقم. وقبله كان الرقم مسجّلاً باسم سلحفاة توئي ماليلا التي عاشت نحو 188 عاماً ونفقت في تونغا.
قصة كالي: 45 بيضة و45 صغيراً
في حديقة حيوان لينتون (Linton Zoo) بمقاطعة كامبريدجشير الإنجليزية، وضعت سلحفاة سلكاتا الضخمة "كالي" — وكان وزنها نحو 65 كيلوغراماً — دفعتين من البيض في شهر مارس، ليفقس منها في سبتمبر خمسة وأربعون صغيراً، في واحدة من أنجح الولادات المسجّلة لهذا النوع في الأسر.
وقالت مديرة الحديقة كيم سيمونز إن الحديقة تُدير برنامج إكثار للسلاحف الأفريقية ذات المهاميز منذ خمسة عشر عاماً، وإن هذه المجموعة كانت الأنجح على الإطلاق، حتى وصفت الأمر بأنه "خطؤنا نحن، لأن البرنامج أصبح ناجحاً إلى هذا الحد".
لماذا تولّى البشر رعاية البيض؟
لم يُترك البيض في عهدة أمّه، بل جمعه القائمون على الحديقة وحضنوه صناعياً، ولذلك سببان:
- المناخ: أجواء بريطانيا أبرد بكثير من أن يفقس فيها بيض سلحفاة صحراوية، فالحضن يحتاج حرارة تقارب 30 إلى 31 درجة مئوية لمدة تتراوح بين 90 و120 يوماً.
- سلامة الصغار: سلاحف سلكاتا لا تمتلك أي غريزة أمومية بعد وضع البيض؛ فالكبار لا يعبأون بالصغار ويمكن أن يسحقوهم بأقدامهم أثناء تحرّكهم في الحوض. ولهذا احتُفظ بالصغار في بيئة داخلية دافئة بمعزل عن الكبار، ولم يُجمعوا مع أمهم إلا لدقائق معدودة لأخذ الصور تحت مراقبة دقيقة.
وأضافت سيمونز أن الصغار كان لا بدّ من حمايتهم أيضاً من السناجب التي قد ترى في السلحفاة الصغيرة "فطيرة لحم مقرمشة". وعند بلوغهم عاماً واحداً وُزّع عدد منهم على برامج إكثار أخرى في أوروبا، مع الحرص على تنويع الخط الوراثي وتجنّب تزاوج الأشقّاء الذي يؤدي إلى ضعف السلالة.
كيف تبني سلاحف سلكاتا أعشاشها؟
يحدث التزاوج عند سلاحف سلكاتا عقب موسم الأمطار، في الفترة من سبتمبر إلى نوفمبر وغالباً في ساعات الصباح. والذكور شديدة التمسّك بمناطق نفوذها، وتتقاتل فيما بينها على حقّ التزاوج، وعادةً ما ينتصر الأكبر حجماً.
وبعد نحو ستين يوماً من التزاوج تبدأ الأنثى في التجوال بحثاً عن موقع مناسب للتعشيش، وقد تحفر أربعة أو خمسة أعشاش على مدى خمسة إلى خمسة عشر يوماً قبل أن تختار المكان الأمثل. وتمرّ عملية التعشيش بالمراحل التالية:
- تحفر الأنثى منخفضاً يبلغ قطره نحو 60 سنتيمتراً وعمقه 8 إلى 15 سنتيمتراً، وترفس التراب المفكّك خارجه وقد تتبوّل فيه لتليينه.
- تحفر في مؤخّرة هذا المنخفض حفرة أعمق يبلغ عرضها وعمقها نحو 20 سنتيمتراً، وهي التي يوضع فيها البيض.
- قد يستغرق الحفر حتى خمس ساعات حسب صلابة الأرض، ولا يبدأ عادةً إلا إذا كانت حرارة الجو 26 درجة مئوية على الأقل.
- تضع الأنثى بيضة كل ثلاث دقائق تقريباً، ويتراوح عدد البيض في الدفعة الواحدة بين 15 و30 بيضة، وقد يصل إلى 40، والأنثى تضع دفعتين أو ثلاثاً في الموسم — وهذا ما يفسّر بلوغ رقم كالي خمسة وأربعين.
- بعد الانتهاء تعيد الأنثى ردم العشّ في عملية قد تستغرق ساعة أو أكثر، ثم تمضي في طريقها ولا تعود إليه.
حياة السلحفاة في الصحراء
الجحور العميقة
تمتلك سلاحف سلكاتا قدرة استثنائية على الحفر، فهي تشقّ جحوراً في الأرض للوصول إلى طبقات أكثر رطوبة، وتقضي فيها أشدّ ساعات النهار حرارة في حالة سكون صيفي تُعرف بـالخُمود الصيفي. وقد سُجّلت في البرية جحور يصل عمقها إلى 15 متراً وطولها إلى 30 متراً. والمثير أن هذه الجحور تتحوّل إلى بؤر حياة، فتنمو حولها الأعشاب والنباتات العُصارية إذا بقيت التربة رطبة، وتتغذّى السلحفاة عليها بدورها فيتجدّد الغطاء النباتي بفضل فضلاتها.
الغذاء
سلاحف سلكاتا عاشبة في معظم غذائها، وتتكوّن وجباتها أساساً من الأعشاب والنباتات العُصارية والتبن وأوراق الخضراوات الورقية الداكنة وألواح الصبّار والأزهار. والقاعدة الغذائية لها عالية الألياف منخفضة البروتين جداً، لأن زيادة البروتين تجعلها تنمو أسرع من اللازم فتُصاب بـمرض العظام الأيضي الذي يشوّه الهيكل ويُضعف بنية العظم ويقصّر العمر. ومع كونها عاشبة فقد لوحظ أنها تأكل أحياناً جِيَف الحيوانات النافقة التي يجرفها السيل، كالماعز والحمير الوحشية، كما ترعى الطحالب من سطح الماء.
الأعداء الطبيعيون
لا يكاد يكون لسلحفاة سلكاتا البالغة أعداء طبيعيون، ويُعتقد أنها تصبح محصّنة من الافتراس تقريباً إذا زاد وزنها على 30 كيلوغراماً. أما بيضها فمطلوب لدى كثير من الحيوانات كالسحالي وحيوان النمس. والغريب أن السبب الأول للنفوق في البرية ليس الافتراس، بل عجز السلحفاة عن الاعتدال بعد أن تنقلب على ظهرها، وهو ما يحدث غالباً نتيجة قتال الذكور البالغة فيما بينها.
نوع مهدَّد بالانقراض
على الرغم من ضخامتها وقوّتها، تُصنّف سلحفاة سلكاتا اليوم على القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة ضمن الأنواع المهدَّدة بالانقراض، بعد أن كانت مصنّفة سابقاً في خانة "القابلة للتأثّر". وتشير الدراسات إلى أنها لم تبقَ إلا في نحو 16.7% من المناطق التي كانت تُرصد فيها سابقاً، وأن متوسّط ما يُشاهد لا يزيد على سلحفاة إلى خمس سلاحف في الموقع الواحد، وهو مؤشّر على تراجع سريع. وأبرز ما يهدّدها:
- منافسة المواشي: الأبقار خصوصاً تزاحمها على المراعي العشبية نفسها.
- حرائق المراعي: تُدمّر مساحات واسعة من الأعشاب وتقضي على غذائها ومأواها.
- تجارة الحيوانات الأليفة: بحسب قاعدة بيانات اتفاقية سايتس، أُخذت 9132 سلحفاة من البرية بين عامي 1990 و2010، والرقم الحقيقي أعلى من ذلك على الأرجح. والمشكلة أشدّ خطراً لأن هذا النوع يتأخّر نضجه الجنسي، فإذا اقتُنص الصغار قبل بلوغهم لم يسهموا أبداً في تكاثر النوع في بيئته.
- فقدان الموطن بسبب التغيّر المناخي والتصحّر.
جهود الحماية
يعتمد حفظ النوع في المقام الأول على برامج إعادة الإطلاق في البيئة الطبيعية، وقد نُفّذت هذه البرامج في السنغال ومنطقة فيرلو وحقّقت نسبة بقاء تقارب 80%، وهو ما يعني أن السلاحف تتكيّف بسهولة مع العودة من الأسر إلى بيئة السافانا الأصلية. كما توجد مستعمرات إكثار في الأسر في عدد من الدول، معظمها داخل حدائق وطنية ومحميات للحياة الفطرية. وهناك آمال بتوسيع هذه البرامج بإشراك مالكي السلاحف أنفسهم، لأن عدد سلاحف سلكاتا في الأسر يتجاوز عددها في البرية، بحيث يُعاد إطلاق كل الصغار المولودين في العالم الطبيعي.
سلوكها في الأسر
سلاحف سلكاتا هادئة ومسالمة، ولا تكاد تُظهر عدوانية أو سلوكاً دفاعياً عن منطقتها في الأسر. لكن هذه الهيئة الوديعة لا تعني أنها تحتمل الملامسة المتكرّرة؛ فرفعها عن الأرض وحملها المستمرّ يسبّب لها إجهاداً قد يؤدّي إلى مشكلات صحّية ونفوق مبكر. ومن علامات توتّرها أن تتبوّل أو تتغوّط أو تحاول الفرار أو تتوارى في درعها أو تُصدر هسهسة. وهي فضولية بطبعها فتنقلب أحياناً على ظهرها وتحتاج من يعيدها إلى وضعها الصحيح. ومع عمر يقارب سبعين عاماً، فإن اقتناء واحدة منها التزام يمتدّ مدى الحياة وأكثر.
الخلاصة
قصة كالي وصغارها الخمسة والأربعين ليست مجرّد صورة طريفة تتناقلها الشبكات، بل نافذة على نوع مذهل من مخلوقات الله: سلحفاة تحفر جحوراً بطول ثلاثين متراً، وتتحمّل قسوة الصحراء الكبرى، وتعيش نحو قرن من الزمان، وتبلغ من الضخامة ما يجعلها في مأمن من كل مفترس، ثم يبدأ صغيرها حياته بحجم لا يكاد يبلغ أربعة سنتيمترات. والمملكة الحيوانية مليئة بمثل هذا الجمال والروعة، وقد سخّر الله لهذه المخلوقات من يرحم ضعفها، سواء كانوا قائمين على برنامج إكثار يحرسون بيضاً في حاضنة دافئة، أو عازفاً حمل آلاته إلى سفح جبل ليعزف للأفيال الضريرة.
