
علم الاتحاد الأوروبي، ويُسمى أيضاً علم أوروبا، من أشهر الرموز السياسية في العالم المعاصر. هو راية زرقاء داكنة تتوسطها اثنتا عشرة نجمة ذهبية خماسية الأطراف مرتبة في دائرة كاملة، لا يمس بعضها بعضاً. ويُرفع هذا العلم فوق مقار المؤسسات الأوروبية وجانب أعلام الدول الأعضاء، ويطبع على جوازات السفر ولوحات المركبات والأوراق الرسمية، حتى صار أكثر ما يُعرف به المشروع الأوروبي المشترك.
وصف العلم ومقاساته
ليس تصميم العلم متروكاً للذوق، بل له مواصفات دقيقة تلتزم بها الجهات الرسمية:
نسبة الطول إلى العرض ثلاثة إلى اثنين، أي أن الراية أطول من عرضها بمقدار النصف.
النجوم تقع على محيط دائرة وهمية يساوي نصف قطرها ثلث عرض العلم.
كل نجمة خماسية تقف معتدلة برأس متجه إلى أعلى، وليست مائلة نحو المركز.
توزّع النجوم بالتساوي تماماً كمواقع الساعات على وجه الساعة.
لللونين مرجع محدد: أزرق داكن للخلفية، وأصفر ذهبي للنجوم، لا يجوز الخروج عنه.
تاريخ العلم ونشأته
يرجع ميلاد العلم إلى سنة ألف وتسعمائة وخمس وخمسين، وقد أُقرّ في ذلك العام رمزاً لمنطمة أوروبية تُعرف بمجلس أوروبا، وهي منطمة أُنشئت سنة ألف وتسعمائة وتسع وأربعين للعناية بـحقوق الإنسان والثقافة وسيادة القانون في أوروبا. وقد دار قبل إقراره نقاش طويل وطُرحت تصاميم كثيرة، حتى استقر الرأي على دائرة النجوم الاثنتي عشرة على أرضية زرقاء.
توضيح لما ورد من خلط في الأسماء
يكرر كثير من المنقول العربي خلطاً يحسن تصحيحه بلطف. فالجهة التي تبنت العلم أول مرة هي «مجلس أوروبا»، وليست «القنصلية الأوروبية» كما ورد في بعض الترجمات؛ فالقنصلية بعثة دبلوماسية وليست منطمة دولية. ويجب كذلك التفريق بين ثلاثة أسماء يقع فيها الالتباس كثيراً: مجلس أوروبا وهو منطمة مستقلة تماماً عن الاتحاد وتشمل دولاً أكثر، والمجلس الأوروبي وهو اجتماع قادة دول الاتحاد، ومجلس الاتحاد الأوروبي وهو مجلس وزراء الدول الأعضاء. ومما يُصحح أيضاً أن الجماعة الأوروبية للفحم والفولاد لم تكن جمعية، إنما كانت منطمة اقتصادية تأسست سنة ألف وتسعمائة وإحدى وخمسين بست دول، وهي أحد الأصول التي نما عنها الاتحاد الأوروبي لاحقاً.
من صمم العلم؟
تنسب المصادر الفكرة إلى موظف ورسام في المنطمة اسمه أرسين هايتز مع مساهمة موظف آخر من أمانة المنطمة، وتُروى عن هايتز رواية متأخرة أنه استوحى النجوم الاثنتي عشرة من رمز ديني مسيحي. ولكن الوثائق الرسمية لا تذكر للعلم أي معنى ديني، وتقرّر أن الرقم اثنا عشر رمز للكمال والتمام، وأن الدائرة رمز للوحدة والتضامن بين شعوب أوروبا. فالرواية الأولى تبقى قولاً منسوباً إلى صاحبه لا تفسيراً معتمداً.
دلالات الألوان والنجوم
يذكر بعض من كتب في العربية أن اللون الأزرق يمثل الغرب، وهذا تفسير غير معتمد رسمياً. والأقرب في الوصف الرسمي أن الأزرق يرمز إلى لون السماء الصافية التي تظل القارة، وأن النجوم الذهبية هي شعوب أوروبا، واصطفافها في دائرة يدل على الوحدة والوفاق. ومن ألطف ما يُذكر في تفسير الرقم أنه عدد أشهر السنة وعدد ساعات وجه الساعة وعدد بروج السماء، فصار في الأذهان رقم التمام والدورة الكاملة.
هل يتغير عدد النجوم بعدد الدول؟
هذا هو السؤال الأكثر شيوعاً عن هذا العلم، والجواب: لا. فعدد النجوم ثابت عند اثنتي عشرة نجمة، لا يزيد بانضمام دولة ولا ينقص بخروج أخرى. وقد التبس الأمر على كثيرين لأن عدد الدول الأعضاء في الاتحاد كان قريباً من هذا الرقم في مرحلة من مراحل التوسع، فظن الناس أن كل نجمة تمثل دولة. والحقيقة أن الرقم اختير لدلالته الرمزية قبل أن يبلغ عدد الأعضاء ذلك الحد بسنوات طويلة. والدليل العملي أن الاتحاد صار يشمل نحو ثمانية وعشرين دولة في أوسع مراحله، ثم صار سبعاً وعشرين بعد خروج بريطانيا، والعلم لم يتغير في الحالين.
مراحل تبني العلم رسمياً
سار العلم في طريقه إلى الرسمية على مراحل متتابعة:
سنة ألف وتسعمائة وخمس وخمسين: أقرّه مجلس أوروبا رمزاً له، وشجّع سائر المؤسسات الأوروبية على استعماله.
سنة ألف وتسعمائة وثلاث وثمانين: تبناه البرلمان الأوروبي بعد سنوات من الاقتراحات.
سنة ألف وتسعمائة وخمس وثمانين: أقرّه رؤساء الدول والحكومات في القمة الأوروبية شعاراً رسمياً للمشروع الأوروبي المشترك.
مع مطلع سنة ألف وتسعمائة وست وثمانين: بدأت المؤسسات الأوروبية جميعاً استعماله في مقارها ووثائقها.
موقع العلم في الوثائق التأسيسية
من التفاصيل التي تفوت كثيراً من القراء أن هذا العلم، على شهرته، لا يوجد له نص في المعاهدات الأساسية الحالية للاتحاد بوصفه رمزاً دستورياً. فقد كان مقرراً إدراج الأعلام والنشيد والشعار في مشروع الدستور الأوروبي الذي طُرح مطلع القرن الحالي، لكن ذلك المشروع رُفض في استفتاءات، وأُسقطت مواد الرموز من المعاهدة التي حلت مكانه. ومع ذلك بقي العلم مستعملاً بحكم العرف والقرارات المؤسسية، وأعلنت دول أعضاء كثيرة أنها تعتبره رمزاً لانتمائها الأوروبي. فالعلم إذن قوي في الواقع أكثر مما هو مثبت في النصوص.
أدب التعامل مع العلم
للعلم قواعد في الرفع تشبه قواعد أعلام الدول، فيُرفع مع علم الدولة المضيفة لا فوقه، ويوضع على سارية مستقلة بارتفاع مماثل، ويُنزل إلى منتصف السارية في أيام الحداد الرسمي. ومن الخطأ المنتشر في الطباعة قلب النجوم أو إمالتها أو تغيير عددها لأجل التناسب مع تصميم ما، وهو مما تحرص الجهات الرسمية على منعه لأن الرمز يفقد معناه إذا اختلفت صورته من موضع إلى موضع.
حضور العلم في الحياة اليومية
لا يقتصر العلم على مباني بروكسل ولوكسمبورغ وستراسبورغ، بل يظهر في مواضع كثيرة يلمسها المواطن الأوروبي كل يوم: على غلاف جواز السفر، وعلى جانب لوحة السيارة، وعلى المشاريع التي يسهم الاتحاد في تمويلها من طرق وجسور ومراكز أبحاث، وفي المطارات عند بوابات مواطني الاتحاد. وهذا الحضور المتكرر مقصود في الأصل، لأن الاتحاد كيان لا يشبه الدولة ولا المنظمة العادية، فاحتاج إلى رمز بسيط يُذكّر الناس به ويصنع لهم إحساساً بانتماء مشترك فوق انتماءاتهم الوطنية.
علم اليورو وعلم الاتحاد
يُستعمل العلم أيضاً في الإشارة إلى منطقة العملة الموحدة، ويوضع على الأوراق النقدية والمنشورات المصرفية، حتى ظن بعض الناس أنه علم خاص باليورو. والصواب أن منطقة اليورو ليست لها راية مستقلة، وإنما استُعير علم الاتحاد للدلالة عليها، وليست كل دولة في الاتحاد عضواً في منطقة اليورو، فمنها من أبقى عملته الوطنية.
خاتمة
علم الاتحاد الأوروبي مثال على كيف تصنع الرموز البسيطة معنى كبيراً: لونان فقط، وشكل هندسي واحد، ورقم اختير لدلالته على التمام. صُمّم قبل نحو سبعين عاماً لمنظمة غير التي يمثلها اليوم، ثم انتقل من مؤسسة إلى أخرى حتى صار عنوان مشروع سياسي واقتصادي يشمل قارة. ويكفي في بيان قوة هذا التصميم أن عدد نجومه لم يتغير مع كل ما جرى على الاتحاد من توسع وانسحاب، فبقيت الدائرة كاملة كما رُسمت أول مرة.