الربيان، ويُسمى الجمبري في مصر والقريدس في بلاد الشام، من أكثر ما يجمع بين طيب الطعم وخفة السعرات. وهو موضوع جدل قديم عند أصحاب الحميات بسبب ما فيه من كولسترول، وقد أجابت الدراسات عن هذا السؤال بما يريح الكثيرين. وفي هذه الصفحة نراجع فوائده ونضبط بعض الأرقام التي تتكرر في الصفحات بصيغة غير دقيقة.
ما في الربيان من غذاء
بروتين عالي وسعرات قليلة
مائة غرام من الربيان المطهو تعطي نحو عشرين إلى أربعة وعشرين غراماً من البروتين عالي الجودة، مع نحو مائة وعشرين وحدة حرارية فقط، ودهون لا تتجاوز غرامًا أو غرامين أكثرها غير مشبعة. وهنا يجب تصحيح رقم يتكرر كثيراً، وهو أن الأوقية الواحدة تعطي نحو أربعة وعشرين غراماً من البروتين؛ وهذا غير ممكن لأن الأوقية نفسها لا تزيد عن ثمانية وعشرين غراماً، ومن المستحيل أن يكون أكثرها بروتيناً خالصاً. والمقصود في الأصل أن حصة مقدارها نحو مائة وخمسة عشر غراماً هي التي تعطي هذا المقدار، أي نحو نصف الحاجة اليومية للبروتين تقريباً.
فيتامينات ومعادن
الربيان من أغنى الأطعمة بفيتامين بـثناعشر، وفيه فيتامين د، ومن المعادن: السيلينيوم بوفرة واليود والزنك والنحاس والفوسفور والمغنيسيوم والحديد. واليود تحديداً من أميز ما تقدمه الأغذية البحرية للغدة الدرقية، ولا يكاد يوجد في اللحوم البرية بمثل هذا القدر. وفيه كذلك صبغة طبيعية هي ما يمنحه لونه الوردي بعد الطهي، وهي من مضادات الأكسدة القوية التي تدخل في صناعة المكملات.
مسألة الكوليسترول: الحقيقة كاملة
الربيان مرتفع الكوليسترول فعلاً، فمئة غرام منه تحتوي نحو مئة وخمسين إلى مئتي ملليغرام. ولذلك ظل سنوات ممنوعاً على مرضى القلب. لكن الدراسة التي يُشار إليها في هذه المقالة كشفت صورة أدق: فمن أكل الربيان فترة ارتفع عنده الكوليسترول النافع بنحو اثني عشر في المئة وانخفضت الدهون الثلاثية بنحو ثلاثة عشر في المئة، وهذا هو ما وردت الإشارة إليه. ومن الأمانة أن يُضاف أن الدراسة نفسها وجدت ارتفاعاً طفيفاً في الكوليسترول الضار كذلك، إلا أن النسبة الكلية بين النافع والضار تحسّنت، وهي المقياس الأهم.
والسبب في ذلك أن الربيان يكاد يخلو من الدهون المشبعة، وهي المؤثر الأكبر في الكوليسترول لا الكوليسترول الغذائي نفسه. ولهذا خفّفت الإرشادات الغذائية الحديثة من التحذير من الأطعمة عالية الكوليسترول، وصار التركيز على الدهون المشبعة والمتحولة. والخلاصة العملية: الربيان المشوي أو المطبوخ لا يضر القلب، أما الربيان المقلي بالبقسماط والزيت أو المغمور بصلصة الزبدة والكريمة فهذا شيء آخر تماماً.
فيتامين ب اثناعشر وصحة الأوعية
الحمض الذي أشار إليه النص دون تسمية هو الهوموسيستين؛ وهو حمض أميني يرتفع في الدم عند نقص فيتامين ب اثناعشر وحمض الفوليك، وارتفاعه يُلحق ضرراً بجدران الأوعية ويرتبط بزيادة خطر تصلب الشرايين والجلطات. والربيان مصدر جيد لهذا الفيتامين، وحصة منه تغطي جزءاً معتبراً من الحاجة اليومية. ومن الإنصاف أن يُقال إن العلاقة بين خفض الهوموسيستين وانخفاض الحوادث القلبية ليست مؤكدة تماماً في الدراسات، لكن كفاية هذا الفيتامين مهمة على كل حال للأعصاب وتكوين الدم، وخاصة لكبار السن ومن يتجنبون اللحوم.
القلب والإشارات الكهربية
ما ذُكر عن الفاصل الزمني في دورة القلب الكهربية صحيح في جوهره؛ فالدراسات وجدت أن من يأكل الأسماك والأغذية البحرية بانتظام يميل هذا الفاصل عنده إلى الاعتدال، وطوله المفرط يرتبط باضطرابات نظم خطيرة وبالسكتة القلبية المفاجئة. والفضل في ذلك يُنسب في الأساس إلى أحماض أوميغا الثلاث التي تدخل في أغشية خلايا عضلة القلب فتنظم مرور الشوارد عبرها.
ويحتاج رقمٌ في النص القديم إلى تصحيح: قيل إن التوقف المفاجئ لعضلة القلب سبب لنصف النوبات القلبية، والصحيح أن السكتة القلبية المفاجئة تمثل نحو نصف الوفيات القلبية لا نصف النوبات؛ فالنوبة القلبية والسكتة المفاجئة حالتان مختلفتان، الأولى انسداد شريان والثانية توقف كهربي قد ينتج عن الأولى أو عن غيرها. والفرق مهم لأن التعامل معهما يختلف.
فوائد أخرى للربيان
هو غذاء مناسب لمن يخفف وزنه لأنه يجمع بروتيناً مشبعاً بسعرات قليلة. والسيلينيوم فيه يدعم المناعة والغدة الدرقية. والزنك يعين على شفاء الجراح وصحة الشعر. وفيه فوسفور يفيد العظام. ولأنه سهل الهضم سريع الطهي فهو خيار عملي لمن يعاني ثقلاً من اللحوم الحمراء. وأما الزئبق فمحتواه فيه منخفض بخلاف الأسماك الكبيرة كالتونة والقرش، ولذلك يُعدّ من الخيارات الآمنة نسبياً للحوامل والأطفال بشرط أن يكون مطهواً تماماً.
وماذا عن أوميغا الثلاث؟
مقدار أوميغا الثلاث في الربيان أقل مما في الأسماك الدهنية كالسلمون والسردين والماكريل، لكنه موجود بقدر يُعتد به مع قلة الدهون الكلية. فمن أراد أوميغا لقلبه فلا يجعل الربيان مصدره الوحيد، بل ينوّع بينه وبين السمك مرتين في الأسبوع كما توصي الجمعيات القلبية.
تنبيهات قبل أن تُكثر منه
الحساسية
حساسية القشريات من أشهر أنواع حساسية الطعام وأخطرها، وقد تسبب تورم الوجه وضيق التنفس وهبوط الضغط، وأعراضها قد تظهر في أول مرة أو بعد سنوات من تناوله. ومن أصابه بعده حكة أو تورم فلا يُعيد التجربة إلا بتقييم طبي، ومن ثبتت عنده الحساسية فليجتنب القشريات كلها ومرقها وزيت قليها.
الملح والنقرس
الربيان المجمّد المعالَج يُضاف إليه غالباً محلول ملحي أو فوسفات لحفظ الشكل والوزن، فيرتفع صوديومه ارتفاعاً كبيراً، وهذا مهم لمرضى الضغط والقلب. وهو أيضاً من الأطعمة المتوسطة إلى العالية في مركبات البيورين، فمن يعاني النقرس أو حصى حمض البوليك ينبغي أن يعتدل في كميته وألا يجعله وجبته اليومية.
الطهي الجيد
الأغذية البحرية النيئة أو غير المكتملة الطهي قد تحمل بكتيريا الضمّات وغيرها، وأعراضها إسهال وقيء شديدان. ويُعرف نضج الربيان بتحول لونه إلى وردي معتم وانحنائه شكل حرف قوسي، ولا يُطبخ فوق ذلك لأنه يتحول إلى قوام مطاطي.
لمن يخفف وزنه
من أراد أن يستفيد منه في تخفيف الوزن فليجعله في وجبة مع سلطة خضراء وحبوب كاملة، فالبروتين يُشبع والألياف تطيل الشبع. والخطأ الشائع أن يُقدم مقلياً مع صلصة كريمة، فتنقلب وجبة خفيفة إلى أثقل من طبق لحم أحمر.
كيف تطبخه على أفضل وجه؟
أفضل طرقه الشوي أو التقليب السريع مع الثوم وزيت الزيتون وقليل من الليمون والفلفل، كما في الصورة أعلاه، فهي طريقة تحتفظ بالطعم دون سعرات إضافية. ويُنقّى خط أسود يمتد على ظهره قبل الطهي لأنه جهازه الهضمي. ويحسن ألا يُترك في الماء المغلي طويلاً بل دقيقتين أو ثلاثاً حتى ينضج. ويُحفظ في أبرد رفوف الثلاجة ويُستهلك في يوم أو يومين، وإذا كان مجمّداً فيُفكّ تجميده في الثلاجة لا على الطاولة.
وخلاصة الأمر أن الربيان طعام نافع لا يستحق سمعته السيئة القديمة؛ بروتين وفير ويود وسيلينيوم وأوميغا بسعرات قليلة، مع تحفظات واضحة على الحساسية والملح المضاف والنقرس، وشرط أن يكون مشوياً لا مغموراً في الزيت.
