اللوز من أقدم ما عرفه الإنسان من المكسرات، وله في موائدنا وجهان: وجهٌ أخضر طازج يطل مع أول الربيع فيُأكل بقشرته المخملية مع رشة ملح، ووجهٌ جاف يبقى طوال السنة في المخلوطات والحلوى. ولأن الفرق بينهما كبير في التركيب والفوائد، كان من المفيد أن نفصّل الحديث في كل منهما، وأن نضبط ما يُتداول عنهما من أرقام ودعاوى.
القيمة الغذائية بأرقام مضبوطة
تدور في المواقع جداول متناقلة لنسب اللوز تحمل أخطاء مطبعية واضحة، حتى إن مجموع النسب في بعضها يتجاوز المائة بأضعاف، وفي بعضها يُذكر الماء مرتين برقمين مختلفين. وإليك الأرقام التي توردها جداول التركيب الغذائي المعتمدة لكل مائة غرام من اللوز الجاف النيء: ماء نحو أربعة غرامات فقط، وبروتين نحو واحد وعشرين غراماً، ودهون نحو خمسين غراماً أكثرها دهون أحادية غير مشبعة مفيدة للقلب، وألياف غذائية نحو اثني عشر غراماً، وسكريات قليلة دون خمسة غرامات، ورماد نحو ثلاثة غرامات.
السعرات الحرارية
الرقم المعتمد للوز الجاف النيء نحو خمسمئة وثمانين وحدة حرارية لكل مائة غرام، ويرتفع قليلاً في المحمّص لفقدانه بعض الماء. فرقم ستمئة وعشرين المتداول قريب لكنه مرتفع قليلاً. والمهم عملياً أن حفنة اليد الواحدة، وهي نحو ثلاثين غراماً أو نحو ثلاث وعشرين حبة، تعطي نحو مائة وسبعين وحدة حرارية؛ وهذا هو المقدار اليومي المعتدل.
واللوز الأخضر
أما اللوز الأخضر فهو الثمرة قبل أن تكتمل، وماؤه مرتفع جداً يقترب من ثمانين إلى تسعين في المائة، ولذلك فسعراته قليلة جداً لا تكاد تذكر، ودهونه قليلة لأنها لم تتراكم بعد. فمن يحسب وزنه يأكل الأخضر مرتاحاً، ومن يريد الطاقة والبروتين والمعادن ففي الجاف مطلوبه.
الفيتامينات والمعادن: تصحيح للقائمة الشائعة
يُقال إن اللوز غني بفيتامينات أ وب وج وهـ وك، والصحيح أن أبرز ما فيه فيتامين هـ، حتى إن حفنة واحدة تغطي نحو نصف الحاجة اليومية منه، وهو مضاد أكسدة يحمي الخلايا ويفيد الجلد. ويحتوي كذلك على مجموعة فيتامينات ب وخاصة الريبوفلافين والنياسين. أما فيتامين ج فمقداره ضئيل لا يُعتد به، وفيتامين أ يكاد يكون معدوماً في اللوز، وفيتامين ك موجود بمقدار قليل. ومن الأمانة أن يُقال هذا حتى لا يعتمد أحد على اللوز في تعويض نقص فيتامين لا يوجد فيه.
وأما المعادن فاللوز غني بها فعلاً: المغنيسيوم في المقام الأول وهو من أهم ما يميزه، ثم الفوسفور والكالسيوم والبوتاسيوم والمنغنيز والنحاس، مع نسبة طيبة من الحديد. والمغنيسيوم تحديداً هو ما يفسر كثيراً من فوائده المتعلقة بالأعصاب والعضلات وضغط الدم، وهو من العناصر التي يقلّ تناولها في الأنظمة الغذائية الحديثة.
فوائد ثابتة أو مرجّحة
القلب والدهون في الدم
هذه أقوى فوائد اللوز سنداً؛ فقد أظهرت دراسات متعددة أن إضافة حفنة يومية من اللوز إلى الطعام تخفض الكوليسترول الضار خفضاً بسيطاً لكنه واضح، دون أن تزيد الوزن في الغالب. والسبب مركّب: دهون أحادية غير مشبعة، وألياف، وفيتامين هـ، وستيرولات نباتية.
السكر في الدم والشبع
اللوز قليل السكر وعالي الألياف والبروتين، فهو يبطئ ارتفاع السكر بعد الوجبة، وإذا أُكل مع فاكهة أو خبز خفّف من أثرهما في السكر. وهو مشبع بدرجة عالية، ولهذا يُنصح به بديلاً عن المقرمشات بين الوجبات؛ وهذا يوضح كلمة «يسمّن» الواردة في النص القديم: فاللوز عالي السعرات فعلاً ويصلح لمن يريد الزيادة، لكنه في المقابل يستخدم في أنظمة تخفيف الوزن لأنه يقلل الشهية، والفرق كله في المقدار.
الأمعاء والهضم
الألياف في اللوز تنشط حركة الأمعاء وتغذّي البكتيريا النافعة، فهو مليّن معتدل ومفيد للإمساك. أما وصفه بأنه «مطهّر للأمعاء» فتعبير قديم يُفهم على هذا المعنى، ولا يعني أنه يقتل جراثيم أو يزيل سموماً كما يُوهم كثير من الإعلانات.
الأعصاب والنوم
ما فيه من مغنيسيوم يسهم في استرخاء العضلات وانتظام النوم، ولذلك كانت نصيحة تناوله للمرضعات ومن يعاني الأرق نصيحة معقولة لا مبالغة فيها. لكنه ليس دواءً للأرق ولا لخفقان القلب، ومن يعاني خفقاناً متكرراً فحاجته إلى تشخيص لا إلى مكسرات.
الحمل والرضاعة
اللوز خيار جيد للحامل والمرضع لما فيه من كالسيوم ومغنيسيوم وحديد وبروتين ودهون نافعة، وهو وجبة خفيفة عملية تُغني عن الحلوى. وينبغي فقط الاعتدال في الكمية، وسؤال الطبيب المتابع عند وجود سكري حمل أو حساسية عائلية معروفة.
دعاوى تحتاج تحفظاً
ما ورد في النص القديم من أن اللوز «ينقّي الصدر» و«يُصلح الكلى ويزيل حرقة البول» و«يكافح التهاب الرحم والرئتين والحلقوم» فهذه تعبيرات من كتب الطب الشعبي القديم، ولا يوجد دليل سريري يدعمها. بل إن مسألة الكلى تحتاج تنبيهاً معاكساً: اللوز يحتوي أوكسالات بنسبة ملحوظة، ومن سبق أن تكوّنت عنده حصى أوكسالات الكالسيوم فينبغي أن يعتدل في كميته ويستشير طبيبه. وأما حرقة البول فهي في الغالب عرض التهاب بولي يحتاج علاجاً، وتأخير مراجعة الطبيب اعتماداً على وصفة غذائية قد يسمح للالتهاب بالصعود إلى الكلى.
تحذير لا بد منه: اللوز المرّ
هناك صنفان من اللوز: الحلو وهو المأكول المعروف، والمرّ الذي يشبهه في الشكل ويختلف في الطعم. واللوز المرّ يحتوي مركب الأميغدالين الذي يتحول في الجسم إلى مادة سامة هي السيانيد، وقد سُجّلت حالات تسمم خطيرة عند الأطفال بعد تناول حبات قليلة منه. فلا يُؤكل اللوز المرّ نيئاً بحال، ولا يُقدَّم للأطفال، وينبغي التنبه إلى ما يُبَاع من مساحيق أو زيوت تُنسب إليه. وينطبق التنبيه على بذور المشمش المرة لتشابه المكوّن.
الحساسية
حساسية المكسرات وخاصة اللوز من الحساسيات الشائعة والخطيرة، وأعراضها قد تصل إلى ضيق التنفس وهبوط الضغط. ومن أُصيب بحكة في الفم أو تورم في الشفتين بعد أكله فلا يعاود التجربة إلا بعد تقييم طبي.
كيف تختار اللوز وتحفظه؟
يُفضّل النيء أو المحمّص جفافاً بلا زيت وبلا ملح كثير، فالملح يُذهب ميزته في ضغط الدم. ويُختار الأخضر صلباً ثقيلاً غير مجعّد ويُغسل جيداً قبل الأكل لأنه يُقطف من الشجر مباشرة. وأما الجاف فيُحفظ في وعاء محكم في مكان بارد أو في الثلاجة، لأن دهونه تتزنّخ مع الحرارة والضوء فتفسد رائحته وطعمه. وقشرته البنية الرقيقة تحتوي كثيراً من مضادات الأكسدة، فلا حاجة إلى نزعها إلا لمن يجد صعوبة في هضمها. ومن نافع العادات نقعه ليلة في الماء لمن يشكو ثقلاً بعده.
أفكار لإدخاله في الطعام
حفنة مع فنجان الشاي بدلاً من البسكويت، أو مفروماً فوق اللبن والفاكهة في الفطور، أو مقطّعاً في السلطة ليعطيها قرمشة، أو مطحوناً دقيقاً يدخل في المخبوزات لمن يتجنب القمح. وأما الأخضر فأطيب ما يكون في موسمه مغسولاً بارداً مع قليل من الملح، ومن الناس من يضيفه إلى المخللات أو يطبخه مع اللحم في أطباق ريفية معروفة في بلاد الشام.
.png)