قلبي في الأرض المحتلة | وجع الفراق والحنين

Unknown
جندي مسلح يجثو موجّهاً بندقيته نحو امرأة فلسطينية تمسك بيد طفلتين في شارع محاصر بحواجز معدنية

قليلةٌ هي القصائد التي تخرج من صفحات الدواوين إلى ألسنة الناس، فتُحفظ وتُردد في المدارس والإذاعات حتى ينسى الناس من قالها ويبقى النص وحده حياً. وقصيدة «أطفال الحجارة» التي تُعرف بين القراء بمطلعها «قلبي في الأرض المحتلة» واحدة من هذه القلة. وهي من شعر الشاعر المصري عبد العزيز جويدة، وكثيراً ما تُنشر دون اسم قائلها أو تُنسب خطأً إلى شعراء آخرين كتبوا في الموضوع نفسه، ومن الأمانة أن يُردّ القول إلى صاحبه.

والصورة المرفقة تقول ما تقوله القصيدة دون كلمة واحدة: سلاحٌ موجّه إلى امرأة تمسك بيدي طفلتيها في شارع مغلق بالحواجز. هذا التفاوت الهائل بين ما في يد الطرفين هو محرّك النص ومصدر تأثيره الباقي.

نص القصيدة

قَلبي في الأرْضِ المُحتَلَّةْ
أَضْحَى حَجَرًا ..
بينَ الأحجارِ المُبتَلَّةْ
بِدِماءِ الأطفالِ العُزَّلْ
بِدموعِ نِساءٍ يَصرُخنَ،
يَذرِفنَ دموعًا تتجمَّدْ
تُصبِحُ أحجارًا ..
تَقْذِفُها أيدي الثُّوَّارْ
تُصبِحُ طَلْقاتٍ من نارْ
إخواني ..
لم نَعرفْ أبدًا
حَرْبَ الأحجارْ
لم نَعرفْ يَومًا أطْفالاً
أخَذوا الأقمارْ
زَرعَوها دَاخِلَ أعْيُنِهِم
شَتَلاتِ نَهارْ
أطفَالَ القُدسِ المُحتلَّةْ ..
يا أجملَ خَبرٍ يَأتينا
بينَ الأخبارْ

٢

إخْواني .. مَنْ يَعرفُ «أيمن» ؟
أيمَنُ طِفلٌ
والعُمرُ أقلُّ أيا سَادةْ
مِن سَبْعِ سِنينْ
مَرسومٌ دَاخلَ عينيهِ
أرضُ فَلسطينْ
مِئذَنَةُ الأقصى تَسكُنُهُ
والقُدسُ ،
وصلاحُ الدينْ
يَجمعُ أحجارًا ..
يَغسِلُها
بِدموعِ القهْرِ فتَشْتدُّ
وتَصيرُ أَحَدَّ مِنَ السِّكِّينْ

٣

«أيمنُ» عُصفورٌ يَتَنقَّلْ
ما بَينَ رَصاصٍ وقَنابِلْ
أيمَنُ يَلتَقِطُ الأحجارَ
ويَظلُّ يُبادِلْ
طَلَقاتُ الأعداءِ عليهِ ..
تَتوالى كالبَرْقِ الخَاطِفْ
وتُدَوِّي كالرَّعْدِ القاصِفْ
يَجرونَ إليهِ ولا يَجري
أيمَنُ واقِفْ
مُرتَجِفٌ ؟
لا
بَلْ مُبتَسِمٌ ..
مُبتَسِمٌ للجُرحِ النَّازِفْ
تَعْلو الأصْواتُ تُحذِّرُهُ
أيمَنْ ..! سَتَموتْ !
يَضْحكْ ..
ويقولُ :
«أنا عارِفْ»

٤

أيمَنْ ..
أخَذوهُ إلى السِّجنِ
كي يُجرُوا معَهُ التحْقيقْ
ضَربوهْ ،
سَحَلُوهْ ،
طَعَنوهُ ..
في الجُرْحِ النَّازِفْ
والجُرْحُ عَميقْ
سألوهُ .. مَنْ حرَّضَهُ
لَمَعَتْ عَيناهُ كنَهْرِ بَريقْ :
حرَّضني «أحمدْ»
مَنْ أحمدْ ؟
فأجابَ : أخي

٥

بعَثُوا عَشَراتٍ كي تَبحَثْ
عَن هذا الثَّوريِّ الأكبَرْ
ضُبَّاطًا تَحمِلُ أسلِحةً ،
عَرَباتٍ ، ومِئاتِ العسكَرْ
البيتُ مُحاصَرُ يا أحمدْ
البيتُ مُحاصَرُ فاستَسلِمْ
البيتُ مُحاصَرُ
فَلْتَخْرُجْ
أحمَدْ ..
يَخرُجْ ..
كالشَّمسِ ضِياءً ، وحَنينْ
في يَدِهِ يَحملُ أحجارًا
في الأُخرى عَلَمُ فَلسطينْ
أحمدُ طِفلٌ
والعُمرُ أقلُّ أيا سَادَةْ
مِن خَمْسِ سِنينْ

الحجر الذي صار قلباً

يبدأ النص بجملة تبدو مستحيلة: القلب يصبح حجراً. وفي العادة تكون هذه الصورة ذمّاً؛ فقساوة القلب مذمومة في كل الثقافات. لكن الشاعر يقلب المعنى تماماً، فالحجر هنا ليس ضدّ الرحمة بل هو أداة العاجز الوحيدة، ومن يتحول قلبه إلى حجر في أرض محتلة فهو يتحول إلى مشاركة في الدفاع لا إلى فقدان للإنسانية. وهكذا تُكتسب الكلمة معنىً جديداً من سياقها.

من الدمعة إلى الحجر

ثم يمضي في سلسلة تحولات مذهلة: الدموع تتجمد فتصير أحجاراً، والأحجار تُقذف فتصير طلقات نار. وهذا المسار الشعري يشرح فكرة عميقة؛ أن الحزن المكتوم إذا لم يجد له مخرجاً تحوّل إلى صلابة، وأن اليائس من العدل لا يبقى ساكناً إلى الأبد. وفي بيت لاحق يعيد الصورة نفسها بصيغة أخرى: أيمن يغسل الأحجار بدموع القهر فتشتدّ وتصير أحدّ من السكين.

الأقمار وشتلات النهار

وفي مقابل هذه الصور القاسية يضع الشاعر صوراً غضّة: أطفالٌ أخذوا الأقمار وزرعوها في أعينهم شتلات نهار. وهي من أجمل ما في القصيدة، لأنها تذكّر القارئ بأن هؤلاء أطفال قبل أن يكونوا رمزاً؛ في عيونهم نورٌ لم تُطفئه المدافع، وأحلامٌ تنمو كما ينمو النبات مهما ضاقت الأرض.

أيمن وأحمد: طفولةٌ في مواجهة السلاح

ينتقل النص من العموم إلى شخصين بالاسم، وهذه حيلة أدبية بالغة الأثر؛ فالأرقام الكبيرة تُخدّر المشاعر أما الاسم الواحد فيوقظها. أيمن طفلٌ لم يتمّ السابعة، وأحمد أخوه أصغر منه، لم يبلغ الخامسة. وبمجرد أن يعرف القارئ العمر تنهار كل المقارنات: عشرات الضباط والعربات ومئات العسكر في جهة، وطفلٌ في يده حجر وعلم في الجهة الأخرى.

«أنا عارف»

ذروة القصيدة كلمتان يقولهما طفل. حين يُحذّرونه بأنه سيموت يضحك ويقول: أنا عارف. وليست هذه الجملة تمجيداً للموت بقدر ما هي كشفٌ عن حجم القهر الذي جعل طفلاً يفهم معنى النهاية قبل أن يتعلم القراءة. وهنا يكمن الوجع الحقيقي في النص: ليس أن الطفل قُتل أو ضُرب، بل أنه لم يعش طفولة أصلاً.

مفارقة الخاتمة

ينتهي النص بضربة ساخرة موجعة: تُجنَّد قوةٌ كاملة للبحث عن «الثوري الأكبر» المحرّض، فيخرج طفلٌ في الخامسة. والمفارقة هنا هي التي تحمل الحكم؛ إذ تكشف بلا خطابة أن من يخاف من طفلٍ في الخامسة إنما يعلن ضعفه هو، لا قوته.

لماذا بقيت قصائد الحجارة في الذاكرة؟

كُتب هذا اللون من الشعر في زمن الانتفاضة الأولى التي بدأت في أواخر عام ألف وتسعمئة وسبعة وثمانين، حين صارت صور الفتيان الحاملين للحجارة أمام الآليات المدرّعة تتكرر على شاشات العالم يومياً. وقد شغلت هذه الصورة الشعراء العرب جميعاً، فكتب فيها نزار قباني ومحمود درويش وآخرون، وصارت لغة الحجر رمزاً للمقاومة بأبسط ما يمكن أن يملكه إنسان.

البلاغة البسيطة أطول عمراً

وسرّ بقاء هذه القصيدة تحديداً أنها كُتبت بلغة يفهمها طالب في المرحلة الابتدائية؛ جملٌ قصيرة، وقوافٍ متقاربة، وحوارٌ يشبه المسرح. ولذلك حُفظت وأُنشدت في الحفلات المدرسية، بينما بقيت قصائد أعقد منها حبيسة الكتب. وهذا درسٌ لكل كاتب: التأثير لا يأتي من صعوبة العبارة بل من صدق الصورة.

كيف نقرأ مثل هذه النصوص مع الأطفال؟

القصيدة تصلح للإنشاد المدرسي، لكنها تحتاج تقديماً واعياً. من المفيد التوقف عند معنى العدل ورفض الظلم بدلاً من التوقف عند مشاهد الدم والتعذيب، وأن يُفتح للطفل مجالٌ للأسئلة بدلاً من تركه أمام صور تخيفه. والأنفع تربوياً أن يُربط النصّ بأعمال يستطيع الطفل فعلها اليوم: التعاطف مع المظلوم، والدفاع عن الضعيف في مدرسته، ومساعدة المحتاج بما يقدر عليه.

ملاحظة في نسبة القصيدة

يجدر التنبيه إلى أن هذا النص يُتداول في كثير من المواقع ومجموعات التواصل بكلمة «منقول» دون ذكر قائله، أو يُنسب إلى شعراء مشهورين لمجرد أنهم كتبوا في الموضوع ذاته. والمعروف في المصادر الأدبية أنها من قصيدة «أطفال الحجارة» للشاعر عبد العزيز جويدة، ومن حق القارئ أن يعرف صاحب الكلمات التي حفِظها، كما من حق الشاعر أن يُذكر اسمه مع نصه.

خاتمة

تبقى «أطفال الحجارة» شهادةً أدبية على مرحلة كاملة، وتذكيراً بأن الشعر أحياناً يحفظ ما تنساه التقارير. وهي في جوهرها ليست دعوة إلى الكراهية، بل صرخة إنسان يرى أطفالاً حُمّلوا ما لا يُحمّل، فيسأل بلغة الشعر سؤالاً لا يزال معلقاً: إلى متى؟

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !