اصفرار الأسنان من أكثر الشكاوى التي تصل إلى عيادات الأسنان، وليس لأنه يوجع أو يعوق الأكل، بل لأنه يُحرج صاحبه في الضحك والكلام والصور. والخبر الطيب أن جزءاً كبيراً من هذا الاصفرار قابلٌ للإزالة أو التخفيف بعادات بسيطة لا تكلف كثيراً؛ لكن الشرط أن نفرّق أولاً بين نوعي الاصفرار، وأن نتجنب الوصفات المنتشرة التي تُفقد الأسنان طبقتها الواقية من حيث تريد أن تبيّضها.
لماذا تصفرّ الأسنان؟
الاصفرار السطحي
وهو طبقة من الصبغات تتراكم على مينا السن من الخارج، وأشهر أسبابه التبغ والقهوة والشاي الثقيل والمشروبات الغازية الداكنة والكركم وعصير العنب والرمان. ويُضاف إلى ذلك أمر يغفل عنه كثيرون: تراكم الجير واللويحة السنية نتيجة تفريش ناقص، فيبدو السن مائلاً إلى الأصفر وهو في الحقيقة مغطّى لا متغير اللون. وهذا النوع هو الأسهل علاجاً.
الاصفرار الداخلي
وهذا يأتي من داخل السن نفسه، وله أسباب مختلفة: تقدم العمر الذي يرقّق المينا فتبدو طبقة العاج المائلة للصُفرة من تحتها، والرضوض والإصابات التي تقتل عصب السن فيدكنّ لونه، وبعض المضادات الحيوية إذا أُعطيت في مراحل تكوّن الأسنان، وكذلك الفلورايد إذا زادت كميته في الطفولة فيترك بقعاً بيضاء أو بُنية يُعرف بتنمّر المينا. وهذا النوع لا تنفع معه الوصفات المنزلية، وموضعه عيادة الأسنان.
لون طبيعي ليس عيباً
ومما ينبغي أن يُقال بوضوح: الأسنان السليمة ليست بيضاء ناصعة كالورق، فلونها الطبيعي يميل قليلاً إلى العاجي لأن طبقة العاج تحتها لونها كذلك. والبياض المبالغ فيه الذي نراه في الإعلانات ليس معياراً للصحة، والسعي إليه بأي وسيلة قد يكلف المرء ميناء أسنانه.
خطوات منزلية آمنة ومجرَّبة
التفريش الصحيح مرتين يومياً
أكثر ما يعيد للأسنان نضارتها ليس منتجاً خاصاً بل طريقة التفريش. يُنصح بفرشاة ناعمة الشعيرات، ومعجون يحتوي على الفلورايد، وحركة دائرية لطيفة على حدود اللثة لمدة دقيقتين، مرتين في اليوم. والضغط القوي أو الفرشاة الخشنة لا تنظف أكثر، بل تجرح اللثة وتُبلي المينا فتزيد الاصفرار بعد سنوات. ولا تُنسَ الوجوه الداخلية للأسنان فهي موضع تراكم الجير عادة.
تنظيف ما بين الأسنان
الفرشاة لا تصل إلى الأسطح الجانبية، وهي مواضع تتجمع فيها الصبغات والبقايا فتظهر خطوط داكنة بين الأسنان. لذلك فإن استخدام الخيط الطبي أو الفرش البينية مرة واحدة يومياً يحدث فرقاً واضحاً في لون الفم عمومًا وفي رائحته.
معجون بيكربونات الصوديوم بحذر
بيكربونات الصوديوم مادة مزيلة للبقع السطحية بفعالية معقولة، وتدخل فعلياً في تركيب كثير من معاجين التبييض. لكن استخدامها كمسحوق خالص بشكل يومي غير محبوب لأنها كاشطة، وتكرارها كثيراً يخدش سطح المينا فيصبح أكثر التقاطاً للصبغات. والوسط المعقول أن تُستخدم مرة أو مرتين في الأسبوع بمقدار قليل مخلوط بالماء حتى يصير كالمعجون، أو أن يُختار معجون تجاري يحتويها بتركيز مضبوط.
ماذا عن معاجين التبييض التجارية؟
هذه المعاجين تعمل غالباً بمواد كاشطة لطيفة تزيل البقع الخارجية، ولا تغير لون السن من داخله. وهي مفيدة لمن يشرب القهوة والشاي كثيراً، لكن النتيجة تعود للوراء إن عادت العادة نفسها دون مضمضة وتفريش. ومن الحكمة ألا تُستخدم طوال الوقت، بل يُتناوب بينها وبين معجون عادي بالفلورايد، خاصة لمن يشكو من حساسية في أسنانه أو تراجعٍ في اللثة.
الماء بعد المشروبات الملوِّنة
هذه من أنفع النصائح وأقلها كلفة: بعد القهوة أو الشاي أو أي شراب داكن، تُمضمض الأسنان بالماء لطرد الصبغة قبل أن تثبت. ومن المفيد كذلك شرب المشروبات الحمضية والملوّنة بشاليموه حتى تقل ملامستها للأسنان الأمامية.
تنبيه: لا تنظف أسنانك فوراً بعد الحمضيات
الحمضيات والمشروبات الغازية تُلين المينا مؤقتاً، فإذا فُرشت الأسنان مباشرة بعدها فُقد جزء منها. والصحيح أن تُمضمض بالماء ثم يُنتظر نحو ثلاثين دقيقة قبل التفريش.
وصفة يُنصح بالتخلي عنها: الليمون والملح
تتكرر في كثير من الصفحات نصيحةٌ بدعك الأسنان يومياً بقطنة مبللة بعصير الليمون والملح. وهذه النصيحة ينبغي التوقف عن اتباعها، لأنها تجمع بين ضررين في وقت واحد: حموضة عالية تُذيب معدن المينا، وجسيمات ملح خشنة تكشط ما تبقى منها. والنتيجة أن الأسنان تبدو أفتح في الأيام الأولى بسبب زوال طبقة رقيقة من السطح، ثم تعود أكثر اصفراراً وأشدّ حساسية للبرد والحرارة، لأن طبقة العاج الصفراء تصبح أقرب إلى السطح. والمينا نسيج لا يُعاد بناؤه إذا زال، بخلاف الجلد والعظم، ولذلك فإن كل ما يُنقص منها خسارة دائمة.
وينطبق التنبيه نفسه على وصفات شائعة أخرى مثل دعك الأسنان بالفحم الخشن أو الرمل أو خشب السواك المكسور بطريقة عنيفة أو خلّ التفاح الصافي. أما السواك المستخدم بالطريقة الصحيحة على شكل شعيرات لينة فهو أداة تنظيف طيبة وقد أوصى به بعض المتخصصين إلى جانب الفرشاة.
ماذا يقدّم طبيب الأسنان؟
إزالة الجير والتلميع
كثير من الحالات التي يظنها أصحابها اصفراراً هي في الحقيقة جير متراكم، وجلسة تنظيف واحدة تكفي لإعادة اللون الطبيعي دون أي مواد مبيضة. ويُنصح بها كل ستة أشهر إلى سنة، وهي أيضاً وقاية من التهاب اللثة وتراجعها.
التبييض الاحترافي والقوالب المنزلية
يعتمد التبييض الطبي على مركبات البيروكسيد بتركيز محسوب، وقد يُنفَّذ في العيادة في جلسة أو جلستين، أو عبر قوالب مخصّصة يستعملها المريض في بيته أسبوعين تحت إشراف. وهو نافع للاصفرار المتوسط والداخلي البسيط، لكن آثاره الجانبية المعروفة حساسية مؤقتة في الأسنان وتهيّج طفيف في اللثة. ومن المهم معرفة أن الحشوات والتلبيسات لا يتغير لونها بالتبييض، فقد تحتاج إلى تبديل بعده حتى يتناسب اللون.
القشور التجميلية
وتُستخدم في حالات التصبغ العميق الذي لا يستجيب للتبييض، وهي حلٌّ ثابت لكنه يقتضي في الغالب برد طبقة من السن، ولذلك لا يُقدَم عليه إلا بعد استنفاد ما هو أبسط منه.
عادات تحفظ بياض الأسنان طويلاً
الامتناع عن التبغ هو أعلى العوامل تأثيراً بلا منافس، فالنيكوتين والقطران يصبغان الأسنان صبغاً عنيداً يصعب إزالته بالوصفات. ويلي ذلك تقليل السكريات والمشروبات الغازية لأنها تبدأ التسوس الذي يظهر أولاً في شكل بقع داكنة. ومن المفيد إدخال الأطعمة القارضة كالتفاح والجزر والخيار فهي تنظف الأسنان ميكانيكياً أثناء المضغ وتحرّض إفراز اللعاب الذي يعدّل حموضة الفم. وشرب الماء بكثرة يؤدي الغرض نفسه بلا كلفة.
متى تراجع الطبيب فوراً؟
إذا صاحب الاصفرار ألمٌ أو حساسية شديدة، أو تغيّر لون سنّ واحد فقط إلى الرمادي أو الداكن، أو ظهر نزف من اللثة عند التفريش، أو بدت بقع بيضاء وبنية متناظرة على عدة أسنان؛ فهذه علامات تحتاج تشخيصاً لا وصفة منزلية. والفارق بين اصفرار جماليّ واصفرار مرضيّ لا يُحدّده الشكل وحده، ولذلك كانت زيارة العيادة أولى من التجريب.
وخلاصة الأمر أن الطريق إلى ابتسامة نظيفة يمر بالانتظام لا بالحدّة؛ تفريشٌ لطيف مرتين يومياً، وخيطٌ مرة، وماءٌ بعد الملوّنات، وتنظيف دوري في العيادة، وترك الليمون والملح لأصحاب المطبخ لا لأصحاب الأسنان.
