حاج شيشاني يقطع 5000 كم سيرًا للحج 2026

الحاج الشيشاني في طريقه إلى مكة المكرمة سيراً على الأقدام حاملاً راية خضراء وحقيبة ظهر عليها فراش للتخييم وسط طريق صحراوي تحيط به الجبال الصخرية

في رحلة إيمانية استثنائية شدّت انتباه الناس في مشرق الأرض ومغربها، قطع الحاج أبو بكر الشيشاني مسافة تُقدّر بنحو خمسة آلاف كيلومتر سيراً على الأقدام، خارجاً من بلاده الشيشان وقاصداً مكة المكرمة، تنفيذاً لنذر قطعه على نفسه بأن يؤدي فريضة الحج مشياً دون أن يستعين بأي وسيلة نقل. لم تكن الرحلة نزهة ولا مغامرة رياضية يبتغي منها رقماً قياسياً، بل كانت وفاءً بعهد بينه وبين ربه، حمل فيه حقيبته على ظهره ورايته في يده، وسار شهوراً في البرد والحرّ حتى بلغ البيت العتيق.

قصة النذر ودافعه

النذر في عرف الشرع أن يلزم المسلم نفسه بقربة لم تكن واجبة عليه، فإذا عقدها على لسانه صارت ديناً في عنقه يلزمه الوفاء به ما كان في طاقته. وهذا ما حدث مع الحاج الشيشاني، فقد نذر أن يبلغ مكة على قدميه، ثم لم يجد له مخرجاً من نذره إلا أن يمضي فيه إلى آخره. وقد روى في أحاديثه للصحافة أنه أراد بذلك أن يجعل من الطريق نفسه عبادة، لا مجرد مسافة تُطوى، وأن يذوق شيئاً من مشقة الأولين الذين كانوا يقصدون الحج على الرواحل والأقدام فيقطعون في سبيله السنة والسنتين.

الحج بين ماضي المشقة وحاضر اليسر

يذكّرنا هذا الخبر بأن قوافل الحج قبل قرن واحد فقط كانت تخرج من دمشق والقاهرة وبغداد وتستانبول فتقضي أسابيع طويلة في الصحراء، تحرسها الأدلاء وتحمل الماء والزاد على الإبل، وكان الحاج يوصي ويكتب وصيته قبل الخروج لأن احتمال ألا يعود كان حاضراً في الحساب. أما اليوم فقد صار الحاج يصل من أقصى الأرض في ساعات قليلة، فتوارت المشقة وبقي المعنى. ورحلة كهذه إنما تعيد إلى الأذهان تلك الصورة الأولى، لا لتدعو الناس إلى تكلّف العناء، فإن الله لا يريد بعباده العسر، بل لتذكّر بأن للسعي إلى البيت قيمة في ذاته.

مسار الرحلة

انطلق الحاج من الشيشان في القوقاز، وهي منطقة جبلية تفصلها عن جزيرة العرب سلاسل من الجبال وسهول واسعة وحدود عدة دول. وقد سلك في طريقه المسار البري المعتاد الذي تعرفه قوافل المنطقة منذ القديم:

  • تركيا، وفيها قطع مسافات طويلة عبر هضبة الأناضول وجبالها الباردة.

  • سوريا، فدخل من شمالها وسار جنوباً في سهولها وبواديها.

  • الأردن، وهو المعبر البري التاريخي لحجاج الشام إلى الحجاز.

  • ثم الحدود السعودية، التي يفصلها عن مكة المكرمة نحو ألف وخمس مئة كيلومتر إضافية من الطريق الصحراوي.

وهذا المسار هو نفسه في جملته درب الحج الشامي القديم الذي كانت تسير فيه المحامل، وتقوم على جانبيه البرك والقلاع والآبار لسقاية الحجيج، وما زالت بعض آثارها قائمة إلى اليوم في شمال الجزيرة العربية.

ما يحمله الماشي في طريق كهذا

تكشف صورة الحاج عن حقيبة ظهر كبيرة شُدّ عليها فراش للنوم، وراية خضراء يرفعها على سارية طويلة ليُعرف بها قصده ويُهتدى بها إليه في الطرق الخالية. وهذا هو زاد الماشي عادة: ماء يُجدّد عند كل قرية، وقليل من الطعام الجاف، وغطاء يتقي به برد الليل، وحذاء متين يتغير أكثر من مرة في مثل هذه المسافات، ودواء بسيط للجروح وتقرّحات القدمين التي لا يسلم منها أحد في السير الطويل.

عزيمة لا تلين

صرّح الحاج لصحيفة المدينة السعودية بأنه كان يقطع في اليوم مسافة كبيرة لا يتوقف فيها إلا لقضاء حاجته والصلاة والنوم، وذكرت الصحافة رقماً يقارب مئة كيلومتر في اليوم. وهنا يحسن التنبيه بلطف إلى أن هذا الرقم إما أن يكون تقديراً صحافياً غير مضبوط، أو محسوباً على أيام معينة، فإن الماشي المحمّل بحقيبة ثقيلة لا يستطيع في العادة أن يتجاوز أربعين إلى خمسين كيلومتراً في اليوم الواحد، ولا يقدر على إدامة ذلك أسابيع متصلة. ومهما كان الرقم الدقيق، فالمشهد لا يخسر شيئاً من قيمته؛ فقطع خمسة آلاف كيلومتر على القدمين إنجاز في نفسه، ويحتاج إلى أشهر من السير المتصل وإلى صبر لا ينقطع.

الزاد الروحي في الطريق

يذكر الحاج أن ما كان يعينه على وحشة الطريق هو تلاوة القرآن الكريم، فكان يمشي وهو يرتّل ما يحفظ، فتنقضي الساعات وهو في أنس. وهذا معنى يعرفه أهل الأسفار الطويلة: أن الجسد يتعب من المسافة، وأن الذي يحمل الجسد هو المعنى الذي يسير إليه. ومن ثبت له مقصد واضح خفّ عليه ما يلقاه في سبيله.

مشقّات الطريق ومخاطره

ليس السير في مثل هذه الرحلة أمراً هيناً، فالماشي يواجه تقلب الفصول، فيصعد الجبال في البرد ويعبر البوادي في القيظ، ويلقى الطرق السريعة التي لا رصيف فيها للماشي فتصبح السيارات خطراً قريباً منه، ويحتاج في كل حدّ من الحدود إلى ختم وتأشيرة وإجراءات قد تحتجزه أياماً. أضف إلى ذلك ما يصيب القدمين من تورّم وما يصيب الظهر من إجهاد بسبب الحمل، وما يعرض للماشي من انقطاع عن الماء في مناطق لا عمران فيها. فالوصول في مثل هذه الحال ليس نتيجة قوة الجسد وحدها، بل نتيجة تدبير وحسن اختيار للمسار ومعرفة بمواضع الاستراحة.

دعم الدول التي مرّ بها

أوضح الحاج أن جميع الدول التي مرّ بها قدّمت له العون وسهّلت طريقه، فكانت ترافقه سيارات رسمية تحرسه وتؤمّن سيره حتى يبلغ حدود الدولة التالية، من غير أن يركب فيها أو يقطع بها شيئاً من المسافة، إذ أصرّ على إتمام نذره والدخول إلى مكة المكرمة سيراً على الأقدام. وهذا النوع من المصاحبة الأمنية معتاد في مثل هذه الحالات، لأن سير رجل واحد على الطرق الدولية يحتاج إلى تنظيم كي لا يتعرض للخطر أو لسوء الفهم عند نقاط التفتيش.

حسن الاستقبال في الحجاز

وفي الجانب السعودي وجد الحاج، كما يذكر، عناية واهتماماً من الجهات المختصة وأهل الطريق، بين من يسقيه ومن يعرض عليه المبيت ومن يسأله الدعاء. وقد صارت حكايات الحجاج المشاة تتكرر في السنوات الأخيرة، فمنهم من خرج من البوسنة، ومنهم من خرج من بريطانيا وأوروبا الغربية، ومنهم من خرج من جنوب آسيا، وكلهم يجمعهم أنهم أرادوا أن يبلغوا البيت على أقدامهم، فيلقون في طريقهم من كرم الناس ما يخفف عنهم.

ما يستفاد من هذه الرحلة

أول ما يستفاد منها أن الوفاء بالعهد خُلق ثقيل يعرف قدره من جرّبه، وأن من عقد على نفسه أمراً في طاعة فأتمّه فقد صدق مع نفسه قبل أن يصدق مع غيره. وثانيها أن الهدف الواضح يهوّن المسافات، فما بلغ هذا الرجل مكة بقوة ساقيه بل بقوة قصده. وثالثها أن الشريعة مع تقديرها لمثل هذه العزائم لم تكلّف الناس شيئاً منها؛ فالحج فريضة على من استطاع إليه سبيلاً، والركوب فيه سنة الأولين والآخرين، ولا فضل لأحد على أحد بمجرد المشي. فمن نذر وفّى، ومن لم ينذر فليس عليه أن يتكلّف ما لا يطيق، ولا أن يعرّض نفسه للتلف طلباً للأجر.

تنبيه لمن يفكر في محاولة مشابهة

من راودته فكرة السير إلى مكة فينبغي له أن يعلم أن الأمر يحتاج إلى إعداد طويل: تدريب على المشي بأحمال متزايدة قبل الرحلة بأشهر، وترتيب للتأشيرات والأوراق مع سفارات الدول التي سيعبرها، وتأمين صحي، ومعرفة بالطرق التي يسمح فيها بالمشي، وإخبار أهله ومن يهمه أمره بموضعه في كل مرحلة، وأن يجعل لنفسه بديلاً إن عجز، فإن المسلم مأمور بحفظ نفسه، ومن غلبه المرض أو أدركه العجز فله أن يتحول إلى الركوب ولا حرج عليه، وإنما النذر في حدود الطاقة.

خاتمة

تبقى رحلة الحاج أبي بكر الشيشاني من الشيشان إلى مكة المكرمة صورة معبّرة عن معنى قديم في الحج: أن الطريق إلى البيت جزء من العبادة، وأن ما يبذله الحاج من نفسه ووقته وراحته هو من صميم نسكه. وهي إلى ذلك رسالة في الصبر ووفاء العهد، يقرأها القارئ فلا يخرج منها بدعوة إلى تقليد المشقة، بل بدعوة إلى أن يكون له في حياته مقصد يستحق أن يسير إليه.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !