
ورد في السنة النبوية جملة من صيغ الدعاء أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها مشتملة على اسم الله الأعظم، وهو الاسم الذي إذا سُئل الله به أعطى، وإذا دُعي به أجاب. وقد اعتنى العلماء بجمع هذه الأدعية وشرحها وبيان ما فيها من معاني التوحيد والثناء على الله عز وجل، لأن الدعاء بها من أرجى أسباب القبول. وفي هذا المقال نعرض أشهر هذه الأدعية بأسانيدها، ثم نبيّن معانيها، وأقوال أهل العلم في تعيين الاسم الأعظم، وآداب الدعاء التي تعين على استجابته.
معنى اسم الله الأعظم ومكانته
اسم الله الأعظم هو اسم من أسماء الله الحسنى له من الجلال والعظمة والدلالة على كمال الربوبية والإلهية ما ليس لغيره، فمن دعا الله به كان أحرى بالإجابة. وليس معنى وصفه بالأعظم أن في أسماء الله ما هو ناقص، فكلها حسنى كاملة، لكن بعضها أجمع لمعاني الكمال من بعض، وأدل على انفراد الله بالوحدانية والغنى المطلق، فصار الدعاء به أعظم أثراً.
وقد جاء في الحديث الذي رواه أصحاب السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن من الأدعية ما يشتمل على هذا الاسم، ولم يعيّنه تعييناً صريحاً في لفظ واحد مفرد، وإنما دلّ عليه من خلال صيغ دعائية جامعة. وهذا الأسلوب النبوي في التعليم مقصود، إذ يحمل المسلم على تدبر جملة الدعاء كاملة لا على ترديد لفظ مجرد بلا فهم.
لماذا لم يُحدَّد الاسم الأعظم بلفظ واحد؟
ذكر جماعة من أهل العلم أن الحكمة في ذلك أن يجتهد العبد في معرفة أسماء ربه كلها والثناء عليه بها، فلا يقصر عبادته على لفظ واحد يظن فيه سراً، ويترك ما وراءه من معاني الأسماء الحسنى. كما أن في عدم التعيين حماية من أن يتخذ الناس الاسم الأعظم تميمة لفظية تُقال بلا حضور قلب، والدعاء إنما ينفع بصدق التوجه وإخلاص القصد.
الدعاء الأول: حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه
روي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، فقال: لقد سألت الله بالاسم الأعظم الذي إذا سُئل به أعطى، وإذا دُعي به أجاب.
وهذا الحديث رواه أبو داود والترمذي وحسنه، ورواه ابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم، إلا أن الحاكم جاء في روايته: لقد سألت الله باسمه الأعظم، وقال: صحيح على شرطهما.
ما تضمنه هذا الدعاء من معاني التوحيد
يلاحظ المتأمل في هذا الدعاء أنه بدأ بالشهادة لله بالوحدانية والإلهية، ثم أثنى عليه بأربع صفات جامعة: الأحد، والصمد، ونفي الوالد والولد، ونفي المكافئ والنظير. وهذه المعاني هي عين ما تضمنته سورة الإخلاص التي هي أصل في باب التوحيد، فقد نزلت جواباً لمن سأل عن نسب الرب سبحانه، فبيّنت أنه واحد لا شريك له، صمد تصمد إليه الخلائق في حوائجها، لم يتولد عن شيء ولا تولد عنه شيء، ولا يماثله أحد في ذاته ولا صفاته.
فالدعاء إذاً توسل إلى الله بأجل ما يتوسل به، وهو توحيده والثناء عليه بما هو أهله. ومن هنا يفهم المسلم أن الاسم الأعظم مرتبط بكمال التوحيد قبل أن يكون مرتبطاً بلفظ معين، وأن حضور هذه المعاني في القلب هو ما يجعل الدعاء مقبولاً.
معنى الأحد والصمد
الأحد هو المنفرد بالوحدانية الذي لا يشاركه أحد في شيء من خصائص الربوبية والإلهية، فلا نظير له ولا مثيل. أما الصمد فقد ذكر المفسرون فيه أقوالاً متقاربة، منها أنه السيد الذي يُصمد إليه ويُقصد في الحوائج، ومنها أنه الكامل الذي لا نقص فيه، ومنها أنه الذي لا جوف له، أي المستغني عن كل شيء بذاته. وكل هذه المعاني تجتمع على أن الله سبحانه غني عن خلقه وهم فقراء إليه.
الدعاء الثاني: حديث أنس بن مالك
روى أصحاب السنن عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً، ورجل قائم يصلي، فلما ركع وسجد وتشهد دعا فقال في دعائه: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم إني أسألك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: تدرون بما دعا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: والذي نفسي بيده؛ لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سُئل به أعطى. قال الشيخ الألباني: صحيح.
الأسماء التي اجتمعت في هذا الدعاء
اجتمع في هذا الدعاء عدد من أسماء الله وصفاته العظيمة، فبدأ بالحمد وهو الثناء على الله بصفات كماله محبةً وتعظيماً، ثم ذكر كلمة التوحيد لا إله إلا أنت، ثم وصفه بالمنان أي كثير العطاء والإحسان الذي يبدأ عباده بالنعم قبل السؤال، ثم بديع السماوات والأرض أي مبدعهما ومنشئهما على غير مثال سابق، ثم ناداه بذي الجلال والإكرام، وهو الموصوف بالعظمة والكبرياء والمكرم لأوليائه، ثم ختم بالحي القيوم، وهما الاسمان اللذان ذهب كثير من العلماء إلى أنهما مظنة الاسم الأعظم.
ووجه اجتماع الكمال في الحي القيوم أن الحياة تجمع صفات الذات كلها، فمن كان حياً حياة كاملة كان له السمع والبصر والعلم والقدرة والإرادة، والقيوم تجمع صفات الفعل، فهو القائم بنفسه المقيم لغيره، الذي يدبر أمر السماوات والأرض ولا يغفل ولا ينام. ولهذا اقترن هذان الاسمان في أعظم آية في القرآن.
أقوال أهل العلم في تعيين الاسم الأعظم
تنوعت أقوال العلماء في تحديد الاسم الأعظم، وليس الاختلاف بينهم اختلاف تضاد في الغالب، بل هو اختلاف في تعيين ما دلت عليه الأحاديث.
القول بأنه لفظ الجلالة
ذهب فريق إلى أن الاسم الأعظم هو لفظ الجلالة، لأنه الاسم الجامع الذي تضاف إليه بقية الأسماء الحسنى ولا يضاف إلى غيره، وهو العلم على الذات المستحقة للعبادة. ويستدل هؤلاء بأن الأدعية التي وصفت باشتمالها على الاسم الأعظم لم تخل من هذا اللفظ.
القول بأنه الحي القيوم
ورجّح جماعة أنه الحي القيوم، لما ذكرناه من جمعهما لمعاني الكمال، ولورودهما في حديث أنس رضي الله عنه، ولاقترانهما في مواضع من القرآن جاء فيها ذكر التوحيد والقيام على أمر الخلق.
القول بأنه غير معيّن
وذهب آخرون إلى أن الله أخفاه في أسمائه الحسنى كما أخفى ليلة القدر في ليالي رمضان، وأخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة، ليجتهد العبد في العبادة كلها. وهذا القول له حظ من النظر، ويثمر عملاً نافعاً، وهو أن يدعو المسلم بأسماء الله كلها ولا يقصر على واحد منها.
آداب الدعاء التي تعين على الإجابة
لا يكفي في تحصيل الإجابة ترديد الألفاظ، بل ينبغي أن يقترن الدعاء بآداب دل عليها الشرع، وهي في مجملها ترجع إلى إخلاص القصد وحسن الظن بالله.
الإخلاص وحضور القلب
أول ما يعين على الإجابة أن يكون العبد مخلصاً في دعائه، مستحضراً معاني ما يقول، غير غافل ولا ساه. فمن دعا بلسانه وقلبه في وادٍ آخر لم يكن دعاؤه دعاء حقيقة، وإنما هو لفظ مجرد.
الثناء على الله والصلاة على النبي
من هدي الدعاء أن يبدأ العبد بالثناء على ربه بما هو أهله، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يسأل حاجته، ثم يختم بمثل ما بدأ. وهذا الترتيب ظاهر في الأدعية النبوية التي مرّ ذكرها، فقد افتُتحت بالشهادة والحمد والثناء قبل السؤال.
اليقين بالإجابة وترك الاستعجال
ينبغي للداعي أن يسأل وهو موقن بأن الله قادر على إجابته، عازم في مسألته، غير معلق دعاءه على مشيئة، ولا مستعجل للنتيجة. فقد يؤخر الله الإجابة لحكمة، وقد يعطي العبد خيراً من مسألته، وقد يدفع عنه بها بلاء، وكل ذلك من الإجابة في حقيقة الأمر.
طهارة المطعم واجتناب الحرام
من أعظم موانع الإجابة أكل الحرام والتعدي على حقوق الناس، فمن أراد أن يستجاب دعاؤه فليتحرّ الحلال في مكسبه ومطعمه ومشربه، وليتخلص من المظالم، فإن ذلك من أقوى أسباب القبول.
أوقات وأحوال ترجى فيها الإجابة
هناك مواطن دل الشرع على أنها مواضع رجاء للإجابة، ومنها جوف الليل الآخر، وحال السجود، وبين الأذان والإقامة، وآخر ساعة من يوم الجمعة، وعند نزول المطر، ودعاء المسافر والصائم والمظلوم، ودعاء الوالد لولده. فإذا اجتمع للعبد دعاء مأثور فيه اسم الله الأعظم مع وقت فاضل وحال خشوع فقد أخذ بأسباب القبول من وجوهها.
ويحسن بالمسلم أن يحفظ هذه الصيغ النبوية بلفظها، لأن ألفاظ النبي صلى الله عليه وسلم جوامع محكمة، ما فيها حرف زائد ولا معنى ناقص، فمن دعا بها فقد دعا بأفضل ما دعي به.
فوائد عملية في التعامل مع هذه الأدعية
أول فائدة أن يجعل المسلم لنفسه ورداً يومياً يقرأ فيه هذه الصيغ بتدبر، فتصير معاني التوحيد راسخة في قلبه لا مجرد كلمات على لسانه. والفائدة الثانية أن يتعلم معاني الأسماء الواردة فيها، فإن الدعاء بالأسماء الحسنى مع فهم معناها أرجى من الدعاء بها مع الجهل بها.
والفائدة الثالثة أن يتجنب ما شاع عند بعض الناس من نسبة أدعية وأسماء إلى الاسم الأعظم بغير دليل، أو تركيب أوراد مخصوصة بأعداد وكيفيات لم ترد في الشرع، فإن باب الدعاء باب توقيفي في أصله، والاتباع فيه أسلم وأنفع.
والفائدة الرابعة أن يوقن أن حقيقة النفع في هذه الأدعية إنما هي في صلة القلب بالله وإقراره بوحدانيته وافتقاره إليه، لا في خاصية مادية للحروف. فمن فهم هذا صحت عبادته ونجا من الغلو والخرافة.
خاتمة
خلاصة ما تقدم أن السنة دلت على أدعية مشتملة على اسم الله الأعظم، أشهرها دعاء عبد الله بن بريدة عن أبيه الذي جاء فيه التوسل بالشهادة لله بالوحدانية والأحدية والصمدية ونفي الولد والكفؤ، ودعاء أنس بن مالك الذي جاء فيه الحمد والتوحيد ووصف الله بالمنان وبديع السماوات والأرض وذي الجلال والإكرام والحي القيوم. وقد اختلف العلماء في تعيين الاسم الأعظم، والأقرب أن يجتهد المسلم في الدعاء بأسماء الله كلها مع حضور القلب وصدق الرجاء، ملازماً لآداب الدعاء ومجتنباً موانع الإجابة، فإن الله قريب مجيب لا يرد سائلاً دعاه بصدق.
.png)