الأصل في خلق الأحياء على وجه الأرض أن يكون من أب وأم، وهي السنة الجارية التي أقام الله عليها تكاثر الإنسان والحيوان. ولكن جاءت في كتاب الله إشارات إلى خلق خرج عن هذا المألوف، فكان وجوده بمحض الكلمة لا بواسطة الولادة، ليكون آية للناس ودليلاً على أن الأسباب المعتادة مخلوقة لله لا حاكمة عليه. وقد اشتهر بين الناس جمع خمسة من هؤلاء في سرد واحد، وفي هذه المقالة نعرضهم واحداً واحداً مع أدلتهم، ونميز ما ثبت منها في القرآن من التفاصيل المروية في كتب التفسير، ثم ننبه إلى ملاحظة مهمة على حصر العدد في خمسة.
.jpg)
أولاً: أبونا آدم عليه السلام
أولهم وأظهرهم آدم عليه السلام، فلم يكن له أب ولا أم لأنه أول الخلق من جنسه، خلقه الله من تراب الأرض ثم أمره أن يكون فكان. قال تعالى: إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون، وذلك في سورة آل عمران.
ومن لطائف هذه الآية أنها جاءت في سياق الرد على من جعل ميلاد عيسى عليه السلام من غير أب حجة لتأليهه، فكان الجواب أن خلق آدم أعجب من خلق عيسى، فإن عيسى خُلق من أم بلا أب، أما آدم فخُلق بلا أب ولا أم، ولم يقل أحد بإلهيته.
ثانياً: أمنا حواء عليها السلام
خُلقت حواء من آدم عليه السلام، فلم يكن لها أب ولا أم. قال تعالى: يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها، وهو مطلع سورة النساء. فالنفس الواحدة هي آدم، وزوجها حواء خُلقت منه.
مسألة الخلق من الضلع
القرآن أجمل فقال «وخلق منها زوجها» ولم يحدد موضعاً، أما تفصيل الضلع فمأخوذ من السنة وأقوال المفسرين، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في الوصية بالنساء إن المرأة خُلقت من ضلع. والتمييز بين ما نطق به القرآن وما جاء في غيره منهج ينفع في كل مسألة من هذا الباب، لأن إسناد التفصيل إلى موضعه أسلم من خلطه بالنص القرآني.
ثالثاً: كبش فداء إسماعيل عليه السلام
حين صدّق إبراهيم عليه السلام الرؤيا وأسلم ابنه للذبح، فداه الله بذبح عظيم، قال تعالى: وفديناه بذبح عظيم، في سورة الصافات. وهذا الذبح جاء في موضع الفداء لخليل الله وابنه، فكان آية على أن الله لا يريد إهلاك النفوس بل اختبار القلوب.
ما ثبت وما رُوي في شأن الكبش
نص القرآن يقرر الفداء ويصف الذبح بأنه عظيم، ولم يذكر كيف جاء الكبش ولا من أين. أما القول بأنه أُنزل من السماء فمن الروايات التفسيرية، ومن الروايات كذلك أنه كبش من الجنة، وأنه الكبش الذي قدّمه هابيل فتُقبّل منه. وهذه أقوال ذكرها المفسرون وليست من القطعيات، والوصف بأنه عظيم قد يكون عظمة قدر ومكانة لا عظمة جسم. وعلى هذا فإدخال هذا الكبش في قائمة المخلوقين بلا أب ولا أم مبني على الرواية لا على صريح النص.
رابعاً: عصا موسى حين صارت حية
ألقى موسى عليه السلام عصاه فصارت حية تسعى، قال تعالى: فألقاها فإذا هي حية تسعى، في سورة طه. وقد وردت في القرآن بأوصاف ثلاثة في مواضع مختلفة: الحية، والثعبان المبين، والجانّ، وليس بينها تناقض، فإنما هي وصف لحالها في مواقف متعددة أو باعتبار الشكل والحركة والسرعة.
وجه كونها آية
الآية هنا ليست في مجرد حياة الحية، بل في أن الجماد صار حياً متحركاً ثم رجع جماداً كما كان بأمر الله، وأن ذلك وقع في وجه سَحَرة فرعون وهم أعلم الناس بحيل السحر، فأدركوا أنه ليس من صنعتهم فسجدوا. ووصف الحية هنا حال طارئة على العصا، فهذا يميّزها عن آدم وحواء اللذين خُلقا خلقاً مبتدأً مستقراً.
خامساً: ناقة صالح عليه السلام
أرسل الله صالحاً عليه السلام إلى ثمود، فطلبوا آية، فأخرج الله لهم ناقة، قال تعالى: قال هذه ناقة لها شِرب ولكم شِرب يوم معلوم، في سورة الشعراء. وسماها الله في مواضع أخرى ناقة الله وقال: وآتينا ثمود الناقة مبصرة، أي آية بيّنة مكشوفة لا لبس فيها.
وجه الآية فيها وعاقبة قتلها
القرآن لم يذكر أنها خرجت من صخرة أو من جبل، وإنما هذا من الروايات التفسيرية المشهورة. والذي نص عليه القرآن آيتان فيها: قسمة الماء بينها وبين القوم يوماً بيوم، وتحريم مساسها بسوء. فلما عقروها أخذهم العذاب، ولذلك صار الأمر في شأنها أعظم من كونها خُلقت من غير أب وأم، لأنها كانت اختباراً لقوم أُعطوا الآية فكفروا بها.
ملاحظة مهمة على حصر العدد في خمسة
هذا الجمع مما يتناقله الناس، ولا مانع من الانتفاع به لتقريب المعنى، لكن حصر العدد في خمسة لا دليل عليه من كتاب ولا سنة، ولا يصح أن يُنسب إلى الشرع. وبيان ذلك من وجوه:
هناك من هو أحق بالذكر
أولها أن الملائكة والجن خلق لا يوصف بأنه من أب وأم على النحو المعروف في الإنسان، فهم أكثر عدداً من أن يُحصر بخمسة. وثانيها أن هؤلاء الخمسة ليسوا على درجة واحدة، فآدم وحواء خلق مبتدأ مستقر، أما العصا فقد تحولت هيئتها ثم عادت، والكبش والناقة جاءا في مقام الفداء والآية. فجمعها في سلك واحد يسوّي بين ما لا يستوي.
الحاجة إلى تمييز النص من الرواية
وثالثها أن التفاصيل التي بُنيت عليها القائمة، من نزول الكبش من السماء وخروج الناقة من الجبل، ليست من صريح القرآن بل من كلام المفسرين، وهو كلام له وجه ولكنه لا يُجعل عقيدة تُحصر بها الأعداد. ومن أدب طالب العلم أن يقول: هذا في القرآن، وهذا في السنة، وهذا في التفسير، فيعطي كل قول رتبته.
خطأ في العبارة الأولى
ورابعها أن العبارة الافتتاحية في صياغتها المتداولة تقول إن الله خلق مخلوقات الأرض كلها من أب وأم، وهذا غير مستقيم على العموم، فكثير من الأحياء يتكاثر بغير ذلك، كالنبات والكائنات الدقيقة، بل من الحيوان ما يتكاثر بالانقسام أو بغير تلقيح. والأدق أن يقال: جعل الله سنة التكاثر في الإنسان والحيوان بالزوجين.
خاتمة
مدار هذه المسألة كلها على قاعدة واحدة: أن الله خلق الأسباب وليس محكوماً بها، فهو يخلق من تراب ومن غير تراب، ومن أب وأم ومن غيرهما، وإنما جعل السنة المعتادة لينتظم الكون لا لتقيّده. وقصة آدم في القرآن جاءت حجة على من غلا في عيسى عليه السلام، وقصة العصا والناقة جاءتا آيتين لأقوام طلبوا الدليل. فالمقصود من هذا الباب زيادة اليقين بقدرة الله، لا جمع الأعداد وتحديدها. وأحسن ما يُقال في مثل هذه القوائم إنها وسيلة للتذكير، وما وراءها من التحديد فلا يُعتمد.
