منطقة اليورو | الاتحاد النقدي الأوروبي

Unknown

منطقة اليورو أوسع تجربة لتوحيد عملات دول مستقلة في التاريخ الحديث، فهي أمم متباينة اللغات والتاريخ والأحجام الاقتصادية تخلّت عن عملاتها الوطنية واحتكمت إلى عملة واحدة ومصرف مركزي واحد. وفي هذه المقالة نعرف ما هي هذه المنطقة، ومن ينتمي إليها، وكيف نشأت عملتها، وما مكانتها في الاقتصاد العالمي، وما مرّت به من أزمات، وما مواطن قوتها وضعفها.

رمز اليورو باللون الأصفر فوق خريطة أوروبا وخلفه النجوم الاثنتا عشرة الذهبية رمز الاتحاد الأوروبي

ما هي منطقة اليورو؟

منطقة اليورو، وتسمى أيضاً منطقة العملة الموحدة، هي مجموعة دول الاتحاد الأوروبي التي اعتمدت اليورو عملة رسمية لها بدلاً من عملاتها الوطنية، وفوّضت إدارة سياستها النقدية إلى المصرف المركزي الأوروبي في مدينة فرانكفورت. ومعنى ذلك أن هذه الدول لم تعد تملك أن تطبع نقداً أو تحدد سعر فائدة أو تخفف قيمة عملتها لتنشيط صادراتها، فقد تنازلت عن أداتها النقدية كلياً وأبقت لنفسها الأداة المالية من ضرائب وإنفاق.

ويحسن التمييز بين ثلاث دوائر يخلط الناس بينها: الاتحاد الأوروبي وهو الأوسع، ومنطقة اليورو وهي دائرة أضيق داخله، ومنطقة التنقل الحر المعروفة بمنطقة شنغن وهي دائرة مستقلة لا تتطابق مع الأوليين. فثمّة دول في الاتحاد وليست في منطقة اليورو، وثمّة دول تستخدم اليورو من غير أن تكون أعضاء في الاتحاد.

دول المنطقة ومن بقي خارجها

بدأت المنطقة بأحدى عشرة دولة، ثم توسعت تدريجياً حتى بلغت اليوم عشرين دولة، منها ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا وهولندا وبلجيكا والنمسا والبرتغال واليونان وأيرلندا وفنلندا ودول البلطيق الثلاث، وأحدثها انضماماً كرواتيا. وقد بقيت خارجها دول أوروبية موسرة بمحض الاختيار، منها الدانمارك والسويد وبولندا والمجر، وحرصت على إبقاء عملتها الوطنية لتحتفظ لنفسها بأدوات السياسة النقدية.

شروط الانضمام

لا تُقبل الدولة في منطقة اليورو لمجرد رغبتها، بل عليها استيفاء معايير اقتصادية اتُفق عليها في معاهدة ماستريخت، وهي ضبط التضخم قريباً من متوسط أفضل الدول أداءً، وضبط عجز الموازنة في حدود ثلاثة في المئة من الناتج المحلي، وحصر الدين العام في نحو ستين في المئة من الناتج، واستقرار سعر صرف عملتها مدة كافية قبل الانضمام، وتقارب أسعار الفائدة طويلة الأجل. والقصد من هذه المعايير أن تدخل الدول المنطقة وهي متقاربة الأحوال، لأن العملة الواحدة لا تحتمل تفاوتاً شديداً بين أعضائها.

ميلاد اليورو

أُطلق اليورو في مطلع عام ألف وتسعمئة وتسعة وتسعين عملةً حسابية تُستخدم في التحويلات المصرفية والأسواق المالية دون أن تكون في أيدي الناس، وبقيت العملات الوطنية متداولة إلى مطلع عام ألفين واثنين، حيث دخلت الأوراق والقطع النقدية للتداول اليومي وسُحبت العملات القديمة تدريجياً. وقد اقترن الحدث باحتفالات واسعة في ليلة رأس السنة، ووُصف بأنه أضخم عملية استبدال نقدي في التاريخ، إذ استُبدلت عملات مئات الملايين من البشر في وقت واحد.

سبب تحديد سعر صرفه الأول

لم يُطلق اليورو من فراغ، بل خُلف وحدة حسابية أوروبية سابقة كانت تُستخدم في الحسابات المشتركة، وحُدد سعر بدايته على أساسها، فبدأ عند نحو دولار وسبعة عشر سنتاً. ثم هبط في سنواته الأولى إلى ما دون الدولار الواحد، وهو أمر أزعج مؤيديه في حينه، قبل أن يرتفع ارتفاعاً قوياً في العقد التالي.

تقلبات سعره أمام الدولار

بلغ اليورو ذروته التاريخية في صيف عام ألفين وثمانية عند نحو دولار وستين سنتاً، ثم تراجع مع تفاقم الأزمة المالية. ويحسن التنبيه إلى أن نص المقالة الأصلي يقول إن اليورو هبط في نهاية عام ألفين وثمانية إلى نحو دولار وأربعة وعشرين سنتاً وأنه أدنى مستوى في عامين ونصف، وهذا كان صحيحاً في لحظة كتابة الخبر لا بعدها، فقد نزل اليورو في السنوات التالية إلى مستويات أدنى من ذلك بكثير، حتى بلغ التعادل التام مع الدولار في عام ألفين واثنين وعشرين ثم هبط قليلاً دونه، وهي أدنى مستوياته في عشرين سنة.

مكانة منطقة اليورو في الاقتصاد العالمي

تُعد منطقة اليورو من أكبر التجمعات الاقتصادية في العالم، وقد كانت توصف طويلاً بأنها ثانية الاقتصادات بعد الولايات المتحدة إذا حُسبت كوحدة واحدة. ويحسن التنبيه إلى أن هذا الوصف كان دقيقاً في زمن كتابة المقالة الأصلية، أما اليوم فقد تجاوزتها الصين في حجم الناتج، فصار الترتيب المعتاد: الولايات المتحدة، ثم الصين، ثم منطقة اليورو. أما القول بأنها لو كانت دولة واحدة لكانت أكبر اقتصاد في العالم فمبالغة لا يسندها الرقم، فناتج المنطقة أقل من الناتج الأمريكي لا أكبر منه.

اليورو عملة احتياط عالمية

أهم ما حققه اليورو أنه صار ثاني عملة احتياط في العالم بعد الدولار، تحتفظ به المصارف المركزية في احتياطاتها وتُقوَّم به عقود التجارة الدولية وسندات الدين. لكن حصته من احتياطات العالم تبقى نحو خُمس المجموع مقابل نحو ثلاثة أخماس للدولار، فهو منافس مقيم لا بديل قادم.

ملاحظة عن أسعار الفائدة الواردة في الأصل

ذكر النص الأصلي أن سعر الفائدة الأوروبي ثلاثة وربع في المئة والأمريكي واحد في المئة، وهذان رقمان يخصان خريف عام ألفين وثمانية في ذروة الأزمة المالية ولا يصلحان مرجعاً اليوم. فقد خُفضت أسعار الفائدة الأوروبية بعد ذلك إلى الصفر وتحت الصفر سنوات طويلة، ثم رُفعت رفعاً حاداً لمواجهة التضخم بعد عام ألفين وأحد وعشرين، ثم عُدّلت هبوطاً من جديد. والدرس هنا أن أسعار الفائدة رقم متحرك يُراجَع من مصدره لا يُثبَّت في مقالة.

الركود والأزمات التي مرت بها

أُعلن رسمياً دخول منطقة اليورو مرحلة الركود لأول مرة في تاريخها في خريف عام ألفين وثمانية، بعد انكماش الناتج فصلين متتاليين، وهو التعريف الفني للركود. وجاء الإعلان بعد بيانات أظهرت انكماش الاقتصاد الألماني وتراجعاً حاداً في نمو الاقتصاد الفرنسي. ويحسن التنبيه إلى أن ذكر الاقتصاد البريطاني في هذا السياق في غير موضعه، فبريطانيا لم تكن يوماً عضواً في منطقة اليورو وكانت تحتفظ بالجنيه الإسترليني، ودخولها الركود حينها حدث مستقل لا يدخل في حساب المنطقة.

أزمة الديون السيادية

أشد ما مرّ بالمنطقة لم يكن ركود عام ألفين وثمانية بل أزمة الديون السيادية التي انفجرت في اليونان عام ألفين وتسعة وامتدت إلى أيرلندا والبرتغال وإسبانيا وقبرص. وكشفت هذه الأزمة عيباً بنيوياً في تصميم المنطقة: عملة واحدة وسياسة نقدية واحدة، مع ميزانيات وسياسات مالية منفصلة لكل دولة. فحين تعثرت اليونان لم تستطع تخفيض عملتها لتنشيط اقتصادها لأنها لا تملك عملتها، ولم يكن ثمة خزينة مشتركة تتحمل عنها، فلم يبق إلا التقشف والقروض المشروطة. وقد أُنشئت بعد ذلك آليات جديدة، منها صندوق إنقاذ دائم ورقابة مصرفية مشتركة، تفادياً لتكرار ما جرى.

مزايا العملة الموحدة وعيوبها

مزاياها ظاهرة للناس والتجار: زوال كلفة تحويل العملات ومخاطر تغير أسعارها بين دول المنطقة، ووضوح المقارنة بين الأسعار عبر الحدود، وانخفاض تكاليف التمويل للدول التي كانت عملاتها ضعيفة، وثقل تفاوضي أكبر في الأسواق العالمية.

وعيوبها كذلك ظاهرة: فقدان كل دولة أداتها النقدية، وصعوبة أن يلائم سعر فائدة واحد اقتصاداً ألمانياً مزدهراً واقتصاداً يونانياً متعثراً في وقت واحد، ووقوع كلفة التصحيح على الأجور والوظائف بدلاً من سعر الصرف. ولهذا يقال إن منطقة اليورو اتحاد نقدي غير مكتمل، لأن الاتحاد المالي والسياسي لم يواكب الاتحاد النقدي.

خاتمة

منطقة اليورو تجربة قائمة لم تُقفل بعد، فقد ثبتت أمام أزمات كان يُتوقع أن تفتّتها، ولم تخرج منها دولة واحدة رغم كثرة ما قيل عن ذلك، وما زالت دول جديدة تنضم إليها. لكنها في المقابل لم تتحول إلى اتحاد مالي كامل، فبقيت في منزلة بين المنزلتين: أقوى من مجرد اتفاق تجاري، وأقل من دولة واحدة. وفهم هذا الوضع الوسط هو مفتاح فهم كل أزمة تعرض لها.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !