يعد الفسفور الأبيض من أخطر المواد الكيميائية التي عرفها الإنسان، فهو يشتعل تلقائياً بمجرد ملامسته الهواء، ويطلق حرارة شديدة ودخاناً أبيض كثيفاً، ويلتصق بالجلد مسبباً حروقاً عميقة يصعب علاجها. وقد ارتبط اسمه في أذهان كثيرين بالحروب والذخائر الحارقة، لكنه في الأصل عنصر كيميائي له تاريخ علمي وصناعي طويل.
نتناول في هذا المقال أصل هذه المادة وأشكالها المختلفة، واستخداماتها العسكرية والمدنية، وأضرارها الصحية والبيئية، والإسعافات الأولية الموصى بها عند التعرض لها، إضافة إلى الإطار القانوني الدولي الذي ينظم استخدام الأسلحة الحارقة.
ما هو الفسفور الأبيض وكيف يعمل؟
قنابل الفسفور الأبيض هي عبارة عن سلاح يعمل عبر امتزاج الفسفور فيه مع الأكسجين. والفسفور الأبيض عبارة عن مادة شمعية شفافة وبيضاء ومائلة للاصفرار، وله رائحة تشبه رائحة الثوم ويصنع من الفوسفات، وهو يتفاعل مع الأكسجين بسرعة كبيرة منتجا نارا ودخان أبيض كثيف، وفى حال تعرض منطقة ما بالتلوث بالفسفور الأبيض يترسب في التربة أو قاع الأنهار والبحار أو حتى على اجسام الاسماك، وعند تعرض جسم الإنسان للفسفور الأبيض يحترق الجلد واللحم فلا يتبقى الا العظم .مميزات الفوسفور الأبيض
لفهم آلية القنبلة الفوسفورية يجب على الأقل معرفة الطبيعة الكيميائية للفوسفور الأبيض والتفاعلات الكيميائية المختلفة لهذا العنصر ذي الصيغة P4. عند تواجد الفوسفور الأبيض في الهواء فهو يحترق تلقائيا مع الأكسجين لينتج بينتوكسيد الفوسفور حسب هته المعادلة: P4 +5 O2 → P4O10 وقد ينتج مواد أخرى حسب ظروف التفاعل.
و بخصوص بينتوكسيد الفوسفور فهو يعتبر مسترطبا قويا، لهذا فهو يتفاعل مع أي جزيئة ماء مجاورة له ونتيجة التفاعل تنتهي بإنتاج قطرات من حمض الفوسفوريك.
ويكون احتراق الفوسفور الأبيض مع الأكسجين بتواجد مواد أخرى، خصوصا المؤكسِدة كالكبريت مثلا، احتراقا قويا وانفجاريا.
بدأ استخدام الفسفور الأبيض لاول مرة بحسب "الاعتقادات" في القرن التاسع عشر، حيث كان على شكل محلول من الفسفور الأبيض مع مادة ثنائي كبريتيدات الكربون .
قامت أمريكا بإستخادم قنابل الهاون وبعض الصواريخ التي تحتوي على الفسفور الأبيض.
استخدمت في حرب فيتنام.
استخدمت القوات الأمريكية القنبلة الفسفورية في مدينة الفلوجة العراقية عام 2004م.
قامت إسرائيل باستخدام كرويات من هذا السلاح على قطاع غزة عام 2009م .
مدى الأذى التي تسببه هذه القذيفة
حروق في جسد الإنسان لدرجة أنها قد تصل إلى العظام، كما حدث في الفلوجة.
الفسفور الأبيض يترسب في التربة أو في قاع الأنهار والبحار، مما يؤدي إلى تلوثها الذي يسبب الضرر للإنسان.
القذيفة الواحدة تقتل كل كائن حي حولها بقطر 150م .
استنشاق هذا الغاز يؤدي إلى ذوبان: القصبة الهوائية، والرئتين.
دخان هذه القذيفة الفسفورية يصيب الاشخص المتواجدين في المنطقة بحروق لاذعة في الوجه والعينان والشفتان والوقاية تكون بالتنفس من خلال قطعة قماش مبلولة بالماء.

لون المادة بني مائل للاصفرار كما شوهد بغزة 2009.
دخان هذه القنبلة لا يتفاعل مع الملابس أو الأثاث، لكنه يتفاعل حين يلامس الجلد، أو أي مادة مطاطية.
دخان هذه القذيفة الفسفورية يصيب الاشخص المتواجدين في المنطقة بحروق لاذعة في الوجه والعينان والشفتان.
ينبعث من هذه القنبلة دخان الأبيض.
صمم ليقاوم الكمامات الغازية المعدة للحروب الكيمياوية.
يحترق الفسفور الأبيض بمجرد ملامسته للأوكسجين منتجا ضياء ساطعا وكميات كبيرة من الدخان.
يستمر الفسفور الأبيض في الاشتعال عند ملامسته الجلد، ويحرق كل الطبقات حتى يصل إلى العظم ما لم يتم إطفاؤه.

المادة الثالثة من اتفاقية جنيف والتي تتعلق بأسلحة تقليدية معينة تحظر استخدام الأسلحة الحارقة ضد الأهداف المدنية كما تحد من استخدام تلك الأنواع ضد الأهداف العسكرية المتاخمة لمواقع تركز المدنيين، إلا أن ذلك ينطبق على القنابل التي تسقطها الطائرات وليست تلك المقذوفة من المدافع كما حدث في الفلوجة وغزة.
الفسفور: عنصر واحد بأشكال متعددة
الفسفور عنصر كيميائي لا فلزي رمزه P وعدده الذري 15، وهو من العناصر الأساسية للحياة؛ إذ يدخل في تركيب العظام والأسنان والحمض النووي وجزيئات الطاقة في الخلايا. غير أنه لا يوجد في الطبيعة حراً بسبب نشاطه الكيميائي الكبير، بل يوجد على هيئة مركبات الفوسفات في الصخور والتربة.
وينسب اكتشاف الفسفور عادة إلى الخيميائي الألماني هينيغ براند في القرن السابع عشر، حين حصل عليه من تبخير البول أثناء بحثه عن حجر الفلاسفة، ولاحظ أن المادة الناتجة تتوهج في الظلام، ومن هنا جاء اسمه الذي يعني في اليونانية حامل الضوء.
الأشكال المتآصلة للفسفور
- الفسفور الأبيض: أكثر الأشكال نشاطاً وسمية، يتكون من جزيئات رباعية الذرات، ويحفظ عادة تحت الماء لمنع اشتعاله.
- الفسفور الأحمر: أكثر استقراراً وأقل سمية بكثير، ويستخدم في صناعة سطوح احتكاك علب الثقاب.
- الفسفور الأسود: أكثر الأشكال استقراراً، ويشبه الغرافيت في بنيته الطبقية، ويحظى باهتمام في أبحاث المواد الإلكترونية.
الاستخدامات العسكرية والمدنية
استخدمت الجيوش هذه الذخائر منذ الحرب العالمية الأولى، وتوسع استخدامها في الحرب العالمية الثانية وما تلاها من نزاعات. وتصنف هذه الذخائر غالباً بحسب الغرض المعلن منها:
- ستائر الدخان: لإخفاء تحركات القوات عن رؤية العدو.
- الإنارة والتعليم: لتحديد الأهداف أو إضاءة ساحة المعركة ليلاً.
- الإحراق: لإشعال النار في المعدات والمنشآت.
وتكمن المشكلة الكبرى في أن الذخيرة التي تطلق بغرض الدخان أو الإنارة تبقى ذات أثر حارق شديد، فإذا سقطت شظاياها المشتعلة على مناطق مأهولة أصابت المدنيين وأحرقت المنازل والمزروعات.
استخدامات صناعية
تدخل هذه المادة في الصناعة الكيميائية كمادة وسيطة لإنتاج حمض الفوسفوريك عالي النقاء ومركبات فسفورية تستخدم في المبيدات ومثبطات اللهب وبعض المنتجات الدوائية، ويجري التعامل معه في المصانع وفق إجراءات سلامة صارمة.
درس من تاريخ صناعة الثقاب
في القرن التاسع عشر كانت أعواد الثقاب تصنع من الفسفور الأبيض، فأصيب كثير من العمال، ولا سيما النساء والأطفال، بتآكل خطير في عظام الفك عرف بمرض فك الفسفور. وقد دفع ذلك دولاً عديدة إلى حظر استخدامه في الثقاب مطلع القرن العشرين، واستبدل لاحقاً بالفسفور الأحمر الأكثر أماناً.
الأضرار الصحية للتعرض للفسفور الأبيض
تتعدد أضرار هذه المادة بحسب طريقة التعرض ومدته، ويمكن إجمالها فيما يلي مع التنبيه إلى أن تقييم كل حالة يعود إلى الأطباء المختصين:
- الحروق الكيميائية والحرارية: تلتصق الجزيئات المشتعلة بالجلد وتستمر في الاحتراق ما دامت تتعرض للأكسجين، فتنتج حروقاً عميقة بطيئة الالتئام.
- التسمم الجهازي: قد يمتص الجسم المادة عبر الحروق، فيسبب اضطراباً في مستويات الكالسيوم والفوسفات في الدم، وقد يؤثر في القلب والكبد والكليتين.
- تهيج الجهاز التنفسي: يسبب استنشاق الدخان الكثيف سعالاً وتهيجاً في العينين والحلق، وقد تكون آثاره أشد في الأماكن المغلقة.
- الآثار النفسية: يعاني الناجون كثيراً من صدمات نفسية وتشوهات دائمة تحتاج إلى رعاية طويلة.
الإسعافات الأولية الموصى بها
توصي الجهات الصحية عموماً بإبعاد المصاب عن مصدر الدخان، ونزع الملابس الملوثة بحذر، وغمر المنطقة المصابة بالماء أو تغطيتها بقماش مبلل باستمرار لمنع وصول الهواء إلى الجزيئات، ثم نقل المصاب بأسرع وقت إلى مرفق طبي. ويحذر المختصون من استخدام الزيوت أو المراهم الدهنية على الحرق لأنها قد تزيد من امتصاص المادة.
الأثر البيئي
عند سقوط هذه المادة على التربة أو المسطحات المائية قد يبقى جزء منه دون احتراق إذا انعزل عن الهواء، كأن يدفن في الطين أو يغطى بالماء، ثم يعود إلى الاشتعال إذا انكشف لاحقاً. كما يمكن أن يتسبب في حرائق للمحاصيل والغابات، ويؤثر في الكائنات المائية والطيور. ولهذا يوصي الخبراء بتنظيف المواقع المتضررة وفق إجراءات متخصصة.
الإطار القانوني الدولي
لا تصنف ذخائر الفسفور الأبيض عادة ضمن الأسلحة الكيميائية المحظورة بموجب اتفاقية الأسلحة الكيميائية، لأن أثرها الأساسي حراري لا سمي. لكن استخدامها يخضع لـالبروتوكول الثالث الملحق باتفاقية الأسلحة التقليدية لعام 1980، المتعلق بالأسلحة المحرقة. ويحظر هذا البروتوكول جعل المدنيين هدفاً لها، ويمنع إلقاءها من الجو على أهداف عسكرية تقع وسط تجمعات مدنية، ويقيد استخدام الأنواع الأخرى في تلك المناطق.
ويشير منتقدو البروتوكول إلى ثغرة في تعريفه، إذ يستثني الذخائر التي يكون أثرها الحارق عرضياً كذخائر الدخان والإنارة، وهو ما يسمح باستخدام الفسفور الأبيض تحت هذا الوصف. وتطالب منظمات إنسانية بسد هذه الثغرة، فيما تبقى المبادئ العامة للقانون الدولي الإنساني، كالتمييز بين المقاتلين والمدنيين واتخاذ الاحتياطات اللازمة، واجبة التطبيق في كل الأحوال.
أسئلة شائعة
لماذا يحفظ الفسفور الأبيض تحت الماء؟
لأنه يتفاعل مع أكسجين الهواء ويشتعل تلقائياً في درجات حرارة قريبة من حرارة الغرفة، والماء يعزله عن الهواء دون أن يتفاعل معه.
هل يطفئ الماء حروق الفسفور الأبيض؟
يوقف الماء الاحتراق ما دام يغطي الجزيئات، لكن الاشتعال قد يعود إذا جفت المنطقة وبقيت فيها بقايا، لذلك تحتاج الإصابة إلى رعاية طبية متخصصة لإزالة الجزيئات كلها.
هل الفسفور الأبيض سلاح كيميائي؟
يصنف قانونياً في الغالب سلاحاً حارقاً لا كيميائياً، وإن كانت آثاره السمية حقيقية، وهذا التصنيف موضع جدل بين القانونيين والمنظمات الإنسانية.
خلاصة
الفسفور الأبيض عنصر شديد النشاط له استخدامات صناعية مشروعة، لكنه حين يستخدم في الذخائر يتحول إلى مادة حارقة تخلف حروقاً عميقة وتسمماً وأضراراً بيئية طويلة الأمد. ومعرفة طبيعته وطرق الإسعاف الأولي والإطار القانوني المنظم لاستخدامه خطوة مهمة لفهم حجم خطره والحاجة إلى حماية المدنيين منه.