يحرص كثير من المصلين على الأذكار المشهورة عقب الصلاة، لكن هناك أذكارا منسية بعد السلام من الصلاة قلّ من يواظب عليها رغم ثبوتها في كتب السنة، فيقتصر بعض الناس على صيغة واحدة للتسبيح ويغيب عنهم تنوعها. في هذه المقالة نعرض جملة من هذه الصيغ كما وردت، ثم نتحدث عن معنى الذكر ومكانته، وآداب الجلوس في المصلى بعد الفريضة، والحكمة من تنويع الصيغ، مع إجابات عن أسئلة يكثر طرحها في هذا الباب.
أذكار وصيغ ثابتة بعد الصلاة

معنى الذكر بعد الصلاة ومكانته
الذكر في اللغة هو استحضار الشيء في القلب أو جريانه على اللسان، وفي الاصطلاح الشرعي هو ما يقوله العبد من ثناء على الله وتمجيد له ودعاء واستغفار. وقد جعل الشرع لختام الصلاة أذكارا خاصة، كأن المصلي حين يفرغ من مناجاة ربه لا ينقطع عن تلك الصلة فجأة، بل يتدرج في الخروج إلى شؤون حياته وهو ما يزال في حال من الحضور والسكينة.
ويرى أهل العلم أن هذه الأذكار سنة مؤكدة لا واجبة، فمن تركها لم يأثم، لكنه يفوّت على نفسه خيرا كثيرا. ومن أوضح ما يدل على فضلها أن النبي صلى الله عليه وسلم واظب عليها وعلّمها أصحابه، وبيّن لفقراء المهاجرين أنها سبيل يدركون به من سبقهم من أهل الأموال في الأجر، كما ورد في الحديث المشهور المعروف بحديث الدثور.
لماذا توصف بعض الأذكار بالمنسية؟
يرجع ذلك إلى أسباب عدة، منها أن الناس يحفظون في الغالب صيغة واحدة يتلقونها في الصغر فلا يتجاوزونها، ومنها العجلة في الخروج من المسجد بعد التسليم، ومنها قلة الاطلاع على كتب الأذكار الجامعة. فتبقى صيغ صحيحة مهجورة لا يعرفها إلا القليل، مع أن إحياءها من إحياء السنة.
الحكمة من تنويع صيغ التسبيح
ذكر العلماء أن تنوع العبادات الواردة على أكثر من وجه يحقق فوائد، أبرزها حفظ السنة بجميع وجوهها حتى لا يندثر بعضها، ودفع الرتابة التي قد تجعل اللسان يردد الذكر دون حضور قلب، إذ إن الانتقال من صيغة إلى أخرى ينبّه الذهن ويستدعي التأمل في المعنى. كما أن فيه مراعاة لأحوال الناس، فمنهم من يتسع وقته لمائة تسبيحة، ومنهم من يعجله شغل فيأخذ بالصيغة الأقصر.
آداب الجلوس للذكر بعد الفريضة
للذكر عقب الصلاة آداب تعين على حضور القلب وتحصيل الأجر، ومن أهمها:
- البقاء في المصلى قدر الإمكان، فالجلوس في موضع الصلاة بعد الفراغ منها له فضل خاص كما بيّن العلماء.
- البدء بالاستغفار، فقد كان من هديه عليه الصلاة والسلام أن يستغفر عقب التسليم، وفيه إشارة إلى أن العبد مهما اجتهد لا يخلو أداؤه من تقصير.
- العدّ بالأنامل، وقد استحبه كثير من أهل العلم لأن الأصابع تشهد لصاحبها، ومن استعان بغيرها فلا حرج عليه عند جمهورهم.
- خفض الصوت بحيث لا يشوّش على من يقضي ما فاته من الصلاة أو يصلي النافلة.
- تدبر المعاني، فالتسبيح تنزيه لله عن كل نقص، والتحميد ثناء عليه بصفات الكمال، والتكبير إقرار بأنه أعظم من كل شيء.
معاني الكلمات الأربع
تدور أكثر أذكار ما بعد الصلاة على أربع كلمات هي التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل، ولكل منها معنى يحسن بالمسلم استحضاره.
التسبيح والتحميد
قول سبحان الله معناه تنزيه الله تعالى عن الشريك والولد وعن كل ما لا يليق بجلاله. أما الحمد لله فهو الثناء على الله بما هو أهله مع المحبة والتعظيم، ويشمل الشكر على النعم وزيادة، لأن الحمد يكون على الصفات وعلى العطايا معا.
التكبير والتهليل
قول الله أكبر يعني أنه سبحانه أكبر من كل ما يخطر في البال، فيصغر في عين المصلي كل ما سواه من هموم الدنيا. والتهليل وهو قول لا إله إلا الله كلمة التوحيد التي هي أصل الدين، ومعناها لا معبود بحق إلا الله، ولذلك ختمت بها بعض صيغ التسبيح لتكون خاتمة الذكر إقرارا بالتوحيد.
أثر المداومة على الأذكار في حياة المسلم
يذكر العلماء والمربون أن المواظبة على هذه الأذكار تثمر طمأنينة في النفس، لأنها تصل العبد بربه في خمس محطات يومية. وهي كذلك تربية على الشكر والتواضع، فالمصلي بعد أن أدى الفريضة يعترف بالتقصير ويستغفر، ثم يثني على الله ويمجده. ويمكن لمن أراد المواظبة أن يبدأ بصيغة قصيرة ثم يزيد تدريجيا، وأن يحفظ صيغة جديدة كل أسبوع حتى تجتمع لديه الصيغ كلها.
أسئلة شائعة
هل يجوز الجمع بين صيغتين في صلاة واحدة؟
الأفضل عند كثير من أهل العلم أن يأتي المسلم بكل صيغة كما وردت، فيقول هذه مرة وتلك مرة أخرى، لأن التنويع هو المقصود، ولا ينبغي التلفيق بينها على وجه يخرجها عن هيئتها الواردة.
هل تقال هذه الأذكار بعد النافلة؟
الوارد في النصوص أنها تقال دبر الصلوات المكتوبة، أي الفرائض، ومن ذكر الله بعد النافلة فهو على خير، لكن الأذكار المخصوصة بعددها وصيغتها مرتبطة بالفريضة عند أكثر العلماء.
ماذا يفعل من فاتته الأذكار لعجلة؟
يرى بعض أهل العلم أنه يأتي بها إذا تذكر قريبا ولم يطل الفصل، ولا حرج عليه في قولها وهو ماش أو منشغل بأمر خفيف، فالذكر مشروع في كل حال.
خلاصة
الأذكار التي تقال بعد التسليم كنز يغفل عنه كثيرون، وصيغها المتعددة رحمة وتيسير، والمسلم الحريص يتعلمها وينوّع بينها ويتدبر معانيها، فيجمع بذلك بين إحياء السنة وحضور القلب والطمأنينة. ومن أراد التوسع فليرجع إلى كتب الأذكار المعتمدة وإلى أهل العلم الموثوقين.
.png)