عسر الماء ( قساوة الماء)

دار العلوم

يلاحظ كثير من الناس طبقة بيضاء تتراكم داخل الغلايات وعلى صنابير المياه، أو يشعرون بأن الصابون لا يرغي جيداً في بعض المناطق، وهذه من أوضح علامات عسر الماء أو قساوته. في هذه المقالة نشرح الأصل الجيولوجي لهذه الظاهرة وكيف تذوب المعادن في المياه، والتفاعلات الكيميائية المسؤولة عن الترسبات، وطرق قياس العسر ودرجاته المعتمدة، وآثاره في المنازل والصناعة، وما يُعرف عن علاقته بالصحة، ثم نستعرض طرق تيسير المياه المنزلية والصناعية، ونصائح عملية لإزالة الترسبات والتعامل مع الماء العسر في الحياة اليومية.

مفهوم عسر الماء وأنواعه

  عسر الماء وترسب الأملاح المعدنية في الماء العسر
عسر الماء (أو قساوة الماء) هو تعبير يستخدم لوصف حالة الماء عندما تكون نسبة الأملاح المعدنية فيه عالية، والتي غالباً ما تكون أملاح الكالسيوم (Ca+2) والمغنسيوم (Mg+2)، بالإضافة إلى بعض الأملاح المنحلة من البيكربونات والكبريتات. 

يوجد الكالسيوم في المياه العسرة على شكل كربونات الكالسيوم (CaCO3) (حجر جيري) أو كبريتات الكالسيوم (CaSO4). أما المغنسيوم فيأتي على شكل معدن الدولوميت. والماء العسر هو عادة غير ضار بالصحة ولكن يمكن أن يتسبب بمشاكل خطيرة في البيئات الصناعية ، حيث يتم رصد عسر المياه لتجنب حدوث أعطال مكلفة في المراجل وأبراج التبريد ، وغيرها من المعدات التي تعالج المياه.

أبرز مظاهر عسر الماء هو عدم مقدرته على تشكيل رغوة عند استخدامه مع الصابون أو معجون الأسنان.
 
اقسامه
العسر المؤقت
ويعود لوجود أملاح البيكربونات وسمي بالعسر المؤقت لسهولة التخلص منه، ويمكن إزالة عسر الماء في هذه الحالة وتحويله إلى ماء يسر بغلي الماء أو تسخينه فينطلق غاز ثاني أكسيد الكربون وتترسب كربونات الكالسيوم مكونة طبيقة بيضاء على سطح غلاية الماء.

العسر الدائم
ويعود لوجود أملاح كبريتات وكلوريدات المغنسيوم والكالسيوم ذائبة في الماء، وسمي عسراً دائماً لأن أملاح هذه الأيونات لا تترسب بعملية التسخين البسيطة، وإنما تحتاج إلى معالجات كميائية.

الأضرار الناتجة عن استعمال الماء العسر:

(1) في الغلايات والمواسير: يؤدي استعمال الماء العسر بنوعيه المؤقت والدائم في الغلايات إلى ترسيب أملاح الكالسيوم والماغنسيوم بالحرارة وزيادة تركيزها، ويؤدي وجود تلك الطبقات المترسبة إلى أضرار كثيرة منها: 
أ- تقليل التوصيل الحراري في مختلف الأوعية الحرارية.
ب- صعوبة وعدم وصول الحرارة إلى السائل المسخن وبالتالي فقد وزيادة استهلاك الوقود.
ج- يؤدي وجود تلك الطبقات المترسبة إلى تكون طبقة عازلة مما يؤدي إلى عدم تبريد الأجزاء الملامسة للهب تبريداً نسبياً، وبالتالي إلى ارتفاع درجة حرارة تلك الأجزاء بشكل خطر قد يؤدي إلى انفجار الغلايات.
د- قد يؤدي الترسيب المتزايد إلى انسداد مواسير الغلاية وانفجارها. 

(2) في الغسيل: يسبب استعمال الماء العسر استهلاكاً كبيراً في الصابون المعدني غير الذائب والذي يرسب على الأسطح المراد غسلها. 

(3) في صناعة الغزل والنسيج: تترسب أملاح الحديدوز والمنجنيز على الأنسجة ثم تتأكسد إلى أملاح الحديدك التي تكون بقع سمراء على الأنسجة يصعب إزالتها.

(4) تكون الصدأ وتأكل المعدن.

من أين تأتي أملاح العسر؟

يبدأ الماء رحلته نقياً نسبياً على هيئة مطر، لكنه يذيب في طريقه كمية صغيرة من ثاني أكسيد الكربون من الهواء والتربة، فيتكون حمض الكربونيك الضعيف. وعندما يتسرب هذا الماء الحمضي قليلاً عبر الصخور الجيرية والطباشيرية والدولوميتية، يذيب كربونات الكالسيوم والمغنيسيوم ويحولها إلى بيكربونات ذائبة. ولهذا تكون المياه الجوفية في المناطق ذات الصخور الكلسية عسرة في الغالب، بينما تكون المياه في المناطق ذات الصخور النارية كالغرانيت أكثر يسراً. كما تسهم معادن أخرى كالجبس في إضافة كبريتات الكالسيوم إلى المياه.

الكيمياء وراء الترسبات

العسر المؤقت

يعود العسر المؤقت إلى بيكربونات الكالسيوم والمغنيسيوم الذائبة. وعند تسخين الماء تتحلل البيكربونات، فيتصاعد ثاني أكسيد الكربون وتترسب كربونات الكالسيوم غير الذائبة على هيئة القشرة البيضاء المعروفة في الغلايات وسخانات المياه. ولهذا يسمى مؤقتاً، لأنه يزول جزئياً بالغليان.

العسر الدائم

يعود العسر الدائم إلى كبريتات الكالسيوم والمغنيسيوم وكلوريداتهما، وهي أملاح لا تترسب بالغليان، فتحتاج إلى معالجة كيميائية أو فيزيائية لإزالتها.

لماذا لا يرغي الصابون؟

يتكون الصابون التقليدي من أملاح الأحماض الدهنية، وعندما يلتقي بأيونات الكالسيوم والمغنيسيوم في الماء العسر يتفاعل معها مكوناً مادة غير ذائبة تعرف بخثارة الصابون، وهي الطبقة الرمادية التي تلتصق بالأحواض. ونتيجة لذلك يستهلك جزء من الصابون قبل أن تتكون الرغوة، فنحتاج إلى كمية أكبر. أما المنظفات الصناعية الحديثة فتتأثر بالعسر بدرجة أقل لأنها مصممة بتركيب مختلف وتحتوي غالباً على مواد تساعد على تيسير الماء.

قياس العسر ودرجاته

يعبر عن عسر الماء عادة بما يعادل كربونات الكالسيوم بالمليغرام في اللتر الواحد، أو بوحدات أخرى مثل الدرجات الألمانية والفرنسية. ومن التصنيفات الشائعة التي تعتمدها بعض الهيئات الجيولوجية والمائية:

  • ماء يسر: أقل من نحو 60 مليغراماً في اللتر.
  • متوسط العسر: من نحو 61 إلى 120 مليغراماً في اللتر.
  • عسر: من نحو 121 إلى 180 مليغراماً في اللتر.
  • شديد العسر: أكثر من نحو 180 مليغراماً في اللتر.

وتختلف الحدود قليلاً بين الجهات المختلفة. ويمكن قياس العسر في المختبر بالمعايرة، أو في البيت بشرائط اختبار تباع لهذا الغرض، كما تنشر بعض شركات المياه بيانات عن عسر المياه في مناطق خدمتها.

آثار الماء العسر

في المنزل

  • تراكم الترسبات في الغلايات وسخانات المياه، مما يقلل كفاءتها ويزيد استهلاك الطاقة.
  • انسداد رؤوس الدش والصنابير وظهور بقع بيضاء على الزجاج والأواني بعد جفافها.
  • الحاجة إلى كميات أكبر من الصابون والمنظفات.
  • قد يشعر بعض الناس بجفاف الجلد أو خشونة الشعر، وتختلف التجارب الشخصية في ذلك.
  • تقصير عمر بعض الأجهزة كالغسالات وغسالات الأطباق إذا لم تستخدم مواد مانعة للترسب.

في الصناعة

تمثل الترسبات مشكلة كبيرة في المراجل البخارية وأبراج التبريد والمبادلات الحرارية، لأن طبقة القشور تعمل عازلاً حرارياً، فتقلل كفاءة نقل الحرارة، وقد تسبب ارتفاع حرارة المعدن وتلفه، وفي حالات شديدة أعطالاً خطيرة. ولذلك تراقب المصانع عسر المياه وتعالجها قبل استخدامها.

عسر الماء والصحة

تشير منظمة الصحة العالمية في وثائقها حول جودة مياه الشرب إلى أنه لا توجد أدلة كافية على أن عسر الماء يسبب ضرراً صحياً، ولذلك لا تضع حداً صحياً له، وإن كان العسر الشديد قد يؤثر في مذاق الماء وقبوله لدى الناس. بل إن الماء العسر قد يسهم بقدر بسيط في تزويد الجسم بالكالسيوم والمغنيسيوم. وقد درست أبحاث وبائية العلاقة بين عسر الماء وبعض الأمراض، وجاءت نتائجها غير حاسمة. أما فكرة أن الماء العسر يسبب حصى الكلى مباشرة فلا تدعمها الأدلة بشكل واضح، ويُنصح من لديهم مشكلات في الكلى باتباع توجيهات أطبائهم.

طرق تيسير الماء

الغليان

يزيل جزءاً من العسر المؤقت فقط، ولا يؤثر في العسر الدائم.

طريقة الجير والصودا

طريقة صناعية تقليدية تضاف فيها مادة الجير المطفأ وكربونات الصوديوم بكميات محسوبة، فتتحول أملاح الكالسيوم والمغنيسيوم إلى مركبات غير ذائبة تترسب وتفصل عن الماء.

التبادل الأيوني

وهي الطريقة الشائعة في أجهزة تيسير المياه المنزلية، إذ يمر الماء عبر راتنج خاص يحتجز أيونات الكالسيوم والمغنيسيوم ويطلق بدلاً منها أيونات الصوديوم، ثم يعاد تنشيط الراتنج دورياً بمحلول ملحي. ويجب الانتباه إلى أن الماء الميسر بهذه الطريقة يحتوي على صوديوم إضافي، وهو أمر قد يهم من يتبعون نظاماً قليل الصوديوم بإرشاد طبي.

التناضح العكسي

يدفع فيه الماء تحت الضغط عبر غشاء دقيق جداً يحجز معظم الأملاح الذائبة، فينتج ماء قليل الأملاح، ويستخدم في المنازل والمصانع ومحطات التحلية.

نصائح منزلية عملية

  1. إزالة الترسبات من الغلاية بغلي محلول من الخل الأبيض المخفف أو حمض الستريك، ثم شطفها جيداً بالماء عدة مرات.
  2. نقع رؤوس الدش والمصافي في الخل لفترة لإذابة القشور.
  3. تجفيف الأسطح الزجاجية والصنابير بعد استعمالها لتقليل البقع البيضاء.
  4. استخدام ملح التجديد ومساعد الشطف في غسالة الأطباق إذا كانت مزودة بمعالج للعسر.
  5. اتباع تعليمات الشركة المصنعة للأجهزة بشأن إزالة الترسبات دورياً.

عسر الماء في الطبيعة

لا تقتصر آثار المياه الغنية بالكالسيوم على المنازل، بل تصنع في الطبيعة مشاهد مدهشة. فالكهوف الجيرية تتكون عبر آلاف السنين بفعل المياه الحمضية الضعيفة التي تذيب الصخور، ثم تعود المياه المشبعة بالبيكربونات لترسب الكربونات قطرة بعد قطرة، فتتكون الهوابط المتدلية من سقوف الكهوف والصواعد النامية من أرضها. كما تتكون حول بعض الينابيع الكلسية مدرجات بيضاء من الترسبات تعد من المعالم السياحية الشهيرة في عدة بلدان.

الماء العسر والطبخ

يلاحظ بعض الطهاة أن البقوليات كالحمص والفول قد تحتاج إلى وقت أطول لتنضج في الماء العسر، كما قد يتأثر طعم الشاي والقهوة بمحتوى الماء من المعادن، ولذلك يفضل بعض الناس استخدام ماء مفلتر لتحضير هذه المشروبات.

أسئلة شائعة

هل الماء العسر صالح للشرب؟

نعم في الغالب، إذا كان مطابقاً لمعايير الجودة الأخرى، فالعسر وحده لا يعد خطراً صحياً بحسب المعلومات المتاحة.

ما الفرق بين العسر المؤقت والدائم؟

المؤقت سببه البيكربونات ويزول جزئياً بالغليان، والدائم سببه الكبريتات والكلوريدات ولا يزول بالغليان.

هل أحتاج إلى جهاز تيسير في المنزل؟

يعتمد ذلك على درجة العسر في منطقتك ومدى تأثيره في أجهزتك وراحتك، ويمكن قياس العسر أولاً قبل اتخاذ القرار.

خلاصة

عسر الماء ظاهرة طبيعية تنتج عن ذوبان أملاح الكالسيوم والمغنيسيوم من الصخور في المياه، وينقسم إلى مؤقت ودائم. وهو لا يعد خطراً صحياً في الغالب، لكنه يسبب ترسبات في الأجهزة ويقلل فاعلية الصابون، ويمثل تحدياً في الصناعة. ويمكن التعامل معه بطرق متعددة، من إزالة القشور بالخل إلى أجهزة التبادل الأيوني والتناضح العكسي.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !