البولونيوم عنصر كيميائي نادر شديد الإشعاع، لم يكن معروفاً لدى عامة الناس حتى ارتبط اسمه بقضايا تسميم شغلت الرأي العام العالمي، ومنها الجدل حول وفاة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وقضية الضابط الروسي السابق ألكسندر ليتفينينكو في لندن.
في هذا المقال نتعرف على قصة اكتشاف البولونيوم وخصائصه الفيزيائية والكيميائية، ونوع الإشعاع الذي يطلقه ولماذا يكون خطيراً داخل الجسم، ومصادره واستخداماته، ثم نعرض باختصار ما هو معروف علنياً عن التحقيقات المتعلقة بوفاة عرفات وما انتهت إليه الجهات المختلفة من نتائج متباينة.
خصائص البولونيوم وسميته

البولونيوم هو عنصر كيميائي في الجدول الدوري يرمز له بـ Po وعدده الذري 84. يعد من أشباه الفلزات، وله نشاط إشعاعي نادر. وهو شبيه كيميائياً بعنصري التيلوريوم والبزموت.
السـمـّية
إذا قارنا وزناً بوزن، فسمية البولونيوم هي نحو 106 مرة أكثر من سمية سيانيد الهيدروجين (50 ن.ج. ل Po-210 مقابل 50 م.ج. لسيانيد الهيدروجين). الخطر الرئيسي فيه هو الإشعاع الشديد (كمشع لأجسام ألفا)، والتي تجعل حمله بأمان مشكلة - فجرام واحد من البولونيوم سوف يسخن تلقائياً لدرجة حرارة حوالي 500 °C. والبولونيوم كذلك سام كيميائياً حيث أثر سميته الكيماوية مشابه لأثر التيلوريوم. وحتى في كميات بالميكروجرام بإن التعامل مع 210Po هو شديد الخطورة ويتطلب معدات خاصة وطرق صارمة للتناول.
اغتيال ألكساندر ليتفيننكو في 2006 اُعلن أنه كان بسبب التسمم بالبولونيوم ،وعموماً 210Po في أخطر حالاته إذا ما ابتُلع. وحسب نيك بريست، خبير الإشعاع الذي تحدث لقناة سكاي في 2 ديسمبر، بإن ليتفبننكو ربما يكون أول شخص يموت بسبب الآثار الحادة لإشعاع جسيمات ألفا.
اغتيال الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في نوفمبر ٢٠٠٤ حيث وجدت هذه المادة بنسبة عالية في ملابس عرفات و شعره و بوله بعد ان تم فحص عينات كانت قد وجدت على ملابسه الداخلية و طاقية الرأس. والآن هناك مطالبات باستخراج جثة ياسر عرفات الزعيم الفلسطيني الراحل لاعادة فحص الجثه في يوتيوبو اكتشاف المزيد من ترسبات هذه المادة السامة في العظم.
في لقاء عبر قناة الجزيرة أكد أحد الأخصائيين الأردنيين في مجال المواد والعناصر المشعة أن مادة البولونيوم مادة خطرة جدا وفتاكة وتهتك انسجة الجسم وقال أنه ربما لن يجد المحققون شيئا من مادة البولونيوم المفترض وجودها في جثمان عرفات لأن عمرها قصير قبل ان تتلاشى نهائيا و حيث ان وفاة عرفات قد مضى عليها 8 سنوات.
اكتشاف البولونيوم
اكتشفت العالمة ماري كوري وزوجها بيير كوري عنصر البولونيوم عام 1898، أثناء دراستهما لخام البتشبلند الغني باليورانيوم، إذ لاحظا أن الخام يطلق إشعاعاً أقوى مما يفسره اليورانيوم وحده، فاستنتجا وجود عناصر أخرى مجهولة، وكان البولونيوم أولها، ثم تبعه الراديوم في العام نفسه. وقد سمته ماري كوري بهذا الاسم تكريماً لوطنها الأصلي بولندا، التي كانت آنذاك مقسمة وخاضعة لقوى أجنبية، في لفتة ذات معنى سياسي ووطني.
موقعه في الجدول الدوري
يقع البولونيوم في المجموعة السادسة عشرة من الجدول الدوري، وهي مجموعة الأكسجين والكبريت والسيلينيوم والتيلوريوم، ويصنف عادة ضمن أشباه الفلزات أو الفلزات. ولا يوجد له نظير مستقر، فكل نظائره مشعة، وأشهرها البولونيوم 210.
الخصائص الإشعاعية
يطلق البولونيوم 210 جسيمات ألفا، وهي جسيمات ثقيلة نسبياً تتكون من بروتونين ونيوترونين. ويبلغ عمر النصف لهذا النظير نحو مئة وثمانية وثلاثين يوماً، أي أن نصف كمية منه تتحلل خلال هذه المدة، وهذا يعني أن أثره يتناقص مع الزمن بوتيرة معروفة، وهي نقطة مهمة في التحقيقات الجنائية لأن الكشف عنه يصبح أصعب كلما مر الوقت.
لماذا هو خطير داخل الجسم؟
من المفارقات أن جسيمات ألفا لا تستطيع اختراق الجلد السليم، بل يوقفها ورقة رقيقة أو بضعة سنتيمترات من الهواء، ولذلك لا يشكل البولونيوم خطراً كبيراً ما دام خارج الجسم. لكنه إذا دخل الجسم عن طريق البلع أو الاستنشاق أو الجروح، تصبح جسيمات ألفا شديدة الضرر، لأنها تطلق طاقتها كلها في مسافة قصيرة جداً داخل الأنسجة، فتتلف الخلايا والحمض النووي في الأعضاء التي يتركز فيها، كالكبد والكلى والطحال ونخاع العظم.
أعراض التسمم الإشعاعي
تشير المراجع الطبية إلى أن التسمم بكميات كبيرة من مواد مشعة باعثة لجسيمات ألفا قد يسبب ما يعرف بمتلازمة الإشعاع الحادة، وتشمل أعراضها الغثيان والقيء والإسهال والإرهاق الشديد وتساقط الشعر وانخفاض خلايا الدم وضعف المناعة وفشل الأعضاء. ويصعب تشخيص هذا النوع من التسمم لأن أعراضه قد تشبه أمراضاً أخرى، ولأن أجهزة الكشف الإشعاعي التقليدية التي ترصد أشعة غاما قد لا ترصده بسهولة.
مصادر البولونيوم واستخداماته
يوجد البولونيوم في الطبيعة بكميات ضئيلة جداً في خامات اليورانيوم، ضمن سلسلة تحلل اليورانيوم الطبيعية، لكن الحصول على كميات قابلة للاستخدام يتطلب إنتاجه صناعياً في المفاعلات النووية بقذف عنصر البزموت بالنيوترونات. ولهذا يعد إنتاجه محصوراً في منشآت قليلة في العالم.
الاستخدامات
- أجهزة إزالة الكهرباء الساكنة في بعض الصناعات الدقيقة.
- مصادر النيوترونات عند مزجه بعنصر البريليوم، واستخدمت في بعض التطبيقات العلمية والتقنية.
- مصدر حراري في بعض المركبات الفضائية القديمة، لأن تحلله يطلق حرارة كبيرة.
- الأبحاث العلمية في الفيزياء والكيمياء الإشعاعية.
البولونيوم والتبغ
يذكر الباحثون أن التبغ يحتوي على آثار ضئيلة من البولونيوم 210 تأتي من التربة والأسمدة والغلاف الجوي، ويعد ذلك أحد العوامل التي تدرس في إطار الأضرار الصحية للتدخين، إلى جانب آلاف المواد الضارة الأخرى في الدخان.
البولونيوم في قضايا التسميم
قضية ليتفينينكو
توفي الضابط السابق في الاستخبارات الروسية ألكسندر ليتفينينكو في لندن عام 2006 بعد تسممه بالبولونيوم 210، وكانت قضيته من أوائل الحالات المعروفة علنياً لاستخدام هذا العنصر في الاغتيال. وقد خلص تحقيق علني بريطاني لاحقاً إلى تحميل المسؤولية لرجلين روسيين، بينما نفت موسكو أي تورط.
الجدل حول وفاة ياسر عرفات
توفي الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في نوفمبر عام 2004 في مستشفى عسكري قرب باريس بعد تدهور مفاجئ في صحته، ولم يعلن حينها سبب واضح للوفاة، فظلت الشكوك قائمة لدى كثير من الفلسطينيين. وفي عام 2012 أعلنت نتائج تحليل لمقتنيات شخصية له أشارت إلى وجود مستويات من البولونيوم، فتقرر فتح ضريحه في رام الله وأخذ عينات من رفاته، وتولت فرق سويسرية وفرنسية وروسية تحليلها.
وجاءت النتائج متباينة، إذ رأى الفريق السويسري أن نتائجه تدعم بدرجة معتدلة فرضية التسميم بالبولونيوم، بينما خلص الفريقان الفرنسي والروسي إلى أن الوفاة لم تكن نتيجة تسمم إشعاعي. وأغلق القضاء الفرنسي التحقيق دون توجيه اتهام، وبقيت القضية محل جدل سياسي وعلمي، ويرى خبراء أن مرور سنوات طويلة على الوفاة وقصر عمر النصف للبولونيوم جعلا الوصول إلى نتيجة قاطعة أمراً صعباً.
الوقاية والتعامل الآمن
يخضع إنتاج البولونيوم ونقله واستخدامه لرقابة صارمة من الهيئات الرقابية النووية، ويتعامل معه المختصون في مختبرات مجهزة بصناديق قفازات محكمة وأنظمة تهوية خاصة، لمنع استنشاقه أو ابتلاعه أو تلويث الأسطح. وفي حال الاشتباه بالتلوث الإشعاعي تتولى الجهات المختصة إجراء الفحوص اللازمة وتحديد الإجراءات الطبية المناسبة.
أنواع الإشعاع النووي ومقارنتها
لفهم خطورة البولونيوم يفيد التمييز بين الأنواع الرئيسية للإشعاع المنبعث من المواد المشعة:
- جسيمات ألفا: ثقيلة ومشحونة بشحنة موجبة، قليلة الاختراق، يوقفها الورق والجلد، لكنها شديدة الضرر إذا انبعثت داخل الجسم.
- جسيمات بيتا: إلكترونات سريعة أخف وزناً، تخترق مسافة أكبر، ويمكن أن توقفها صفيحة رقيقة من الألمنيوم أو البلاستيك السميك.
- أشعة غاما: موجات كهرومغناطيسية عالية الطاقة شديدة الاختراق، تحتاج إلى طبقات سميكة من الرصاص أو الخرسانة لإيقافها.
ولأن البولونيوم 210 يطلق جسيمات ألفا بشكل أساسي ولا يطلق إلا قدراً ضئيلاً جداً من أشعة غاما، فإنه يصعب رصده بأجهزة الكشف المعتادة عن بعد، وهو ما يفسر تأخر اكتشاف بعض حالات التسمم به.
قياس الإشعاع
يقاس نشاط المادة المشعة بوحدة البكريل التي تعبر عن عدد التحللات في الثانية، بينما تقاس الجرعة التي يتلقاها الجسم بوحدات مثل السيفرت التي تأخذ في الحسبان نوع الإشعاع وتأثيره البيولوجي.
أسئلة شائعة
من اكتشف البولونيوم؟
اكتشفته ماري كوري وبيير كوري عام 1898، وسمي نسبة إلى بولندا موطن ماري كوري.
هل يمكن اكتشاف البولونيوم بعد سنوات من التسمم؟
يصبح ذلك صعباً مع مرور الوقت، لأن عمر النصف للبولونيوم 210 نحو مئة وثمانية وثلاثين يوماً، فتتناقص كميته بسرعة، وإن كانت نواتج تحلله قد تساعد في بعض التحليلات.
ما الذي انتهت إليه التحقيقات في وفاة عرفات؟
جاءت نتائج الفرق المختلفة متباينة، فالفريق السويسري رأى أن النتائج تدعم فرضية التسميم بدرجة معتدلة، بينما استبعد الفريقان الفرنسي والروسي التسمم الإشعاعي، وبقيت القضية دون حسم قضائي.
خلاصة
البولونيوم عنصر مشع نادر اكتشف في نهاية القرن التاسع عشر، وتكمن خطورته في جسيمات ألفا التي يطلقها حين يدخل الجسم، مما يجعله شديد السمية بكميات ضئيلة. وقد ارتبط اسمه بقضايا تسميم مثيرة، ومنها الجدل المستمر حول وفاة ياسر عرفات، التي تباينت فيها نتائج التحقيقات العلمية، وبقيت دون إجابة قاطعة.