يشغل سؤال من هم أعظم الرجال في التاريخ أذهان القراء منذ زمن بعيد، وقد حاول مؤرخون وكتاب كثيرون الإجابة عنه بقوائم تختلف باختلاف معايير أصحابها وثقافاتهم. ومن أشهر هذه المحاولات كتاب الخالدون مئة للكاتب الأمريكي مايكل هارت، الذي وضع النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم في المرتبة الأولى.
بعد عرض القائمة التي يتناولها هذا المقال، نتوسع في معنى العظمة التاريخية، وقصة كتاب هارت ومعاييره، والجدل الذي أثاره، وأنواع الأثر الذي تركه العظماء، وكيف نقرأ مثل هذه القوائم قراءة واعية.
قائمة العظماء العشرة

ان اختياري محمداً، ليكون الأول في أهم وأعظم رجال التاريخ، قد يدهش القراء، ولكنه الرجل الوحيد في التاريخ كله الذي نجح أعلى نجاح على المستويين: الديني والدنيوي.
فهناك رُسل وأنبياء وحكماء بدءوا رسالات عظيمة، ولكنهم ماتوا دون إتمامها، كالمسيح في المسيحية، أو شاركهم فيها غيرهم، أو سبقهم إليهم سواهم، كموسى في اليهودية، ولكن محمداً هو الوحيد الذي أتم رسالته الدينية، وتحددت أحكامها، وآمنت بها شعوب بأسرها في حياته. ولأنه أقام جانب الدين دولة جديدة، فإنه في هذا المجال الدنيوي أيضاً، وحّد القبائل في شعـب، والشعوب في أمة، ووضع لها كل أسس حياتها، ورسم أمور دنياها، ووضعها في موضع الانطلاق إلى العالم. أيضاً في حياته، فهو الذي بدأ الرسالة الدينية والدنيوية، وأتمها.









ما معنى العظمة في التاريخ؟
اختلف الفلاسفة والمؤرخون في تفسير دور الأفراد في صناعة التاريخ. فهناك من يرى أن الأبطال والعظماء هم محرك الأحداث، وهي فكرة ارتبطت بالكاتب الأسكتلندي توماس كارلايل في القرن التاسع عشر، وهناك من يرى أن الظروف الاقتصادية والاجتماعية هي التي تصنع الأفراد وتمنحهم الفرصة، وأن العظيم ابن عصره. ويميل كثير من المؤرخين المعاصرين إلى رؤية وسطية تعترف بأثر الأفراد الاستثنائيين ضمن سياقات تاريخية تهيئ لهم أو تحد من قدرتهم.
معايير متنوعة للحكم
- حجم الأثر: عدد الناس الذين تأثرت حياتهم بالشخص.
- امتداد الأثر في الزمن: هل بقي تأثيره قرونًا أم زال بزوال صاحبه.
- طبيعة الأثر: هل كان إيجابيًا في خدمة الإنسانية أم مدمرًا.
- الأصالة: هل كان الإنجاز سيحدث دون هذا الشخص أم أنه ارتبط به حصرًا.
كتاب الخالدون مئة
نشر مايكل هارت كتابه في أواخر السبعينيات من القرن العشرين، ورتب فيه مئة شخصية بحسب تقديره لمدى تأثيرها في مجرى التاريخ، لا بحسب فضلها الأخلاقي أو عظمتها الشخصية. وأوضح أنه اختار النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم في المرتبة الأولى لأنه نجح نجاحًا استثنائيًا على المستويين الديني والدنيوي معًا، فأسس دينًا انتشر في العالم، وأقام دولة ووحد أمة. وضمت القائمة علماء ومخترعين وقادة سياسيين وعسكريين ومؤسسي أديان وفلاسفة.
لماذا أثار الكتاب الجدل؟
أثار الكتاب نقاشًا واسعًا لأسباب عدة، منها أن ترتيب الشخصيات الدينية أزعج بعض القراء، وأن المعيار الوحيد هو التأثير بصرف النظر عن كونه خيرًا أو شرًا، فدخلت القائمة شخصيات ارتبطت بالحروب والمآسي. كما انتقد بعضهم ضعف تمثيل النساء والحضارات غير الغربية. وقد لقي الكتاب رواجًا كبيرًا في العالم العربي بعد ترجمته، خاصة بسبب شهادة كاتبه بشأن مكانة النبي.
أنواع الأثر التي صنعها العظماء
الأثر الديني والأخلاقي
يتصدر مؤسسو الأديان والمصلحون الأخلاقيون معظم القوائم، لأن تأثيرهم امتد إلى عقائد مليارات البشر وسلوكهم وقيمهم عبر القرون.
الأثر العلمي
يأتي العلماء الذين غيروا فهمنا للكون في مراتب متقدمة، مثل إسحاق نيوتن الذي وضع قوانين الحركة والجاذبية، وغيره ممن أسسوا علومًا كاملة. ويحتفي المسلمون كذلك بعلماء الحضارة الإسلامية كالخوارزمي وابن الهيثم وابن سينا، الذين أسهموا في الرياضيات والبصريات والطب.
الأثر التقني
المخترعون مثل توماس إديسون غيروا الحياة اليومية مباشرة، فالمصباح الكهربائي والتسجيل الصوتي وغيرهما من الابتكارات أعادت تشكيل المدن والعمل والترفيه. ويشير المؤرخون إلى أن إديسون اعتمد على فريق كبير من المساعدين في مختبره، وأن الاختراع الحديث أصبح عملًا جماعيًا إلى حد بعيد.
الأثر السياسي
القادة الذين أسسوا دولًا أو غيروا خرائط العالم تركوا آثارًا عميقة، بعضها إيجابي في بناء الحضارة والقانون، وبعضها مأساوي في الحروب والدمار.
كيف نقرأ قوائم العظماء؟
- نتعرف على معيار الكاتب قبل الحكم على الترتيب.
- نتذكر أن كل قائمة تعكس ثقافة صاحبها وزمنه ومعلوماته.
- نميز بين التأثير والقدوة، فليس كل مؤثر جدير بالاقتداء.
- نبحث عن العظماء المنسيين في حضارات لم تحظ بالاهتمام الكافي.
- نستخدم هذه القوائم مدخلًا للقراءة والتعلم لا حكمًا نهائيًا.
عظماء من الحضارة الإسلامية
عند الحديث عن صناع التاريخ يحسن ألا ننسى رجالًا تركوا بصمات واضحة في الحضارة الإسلامية وفي الحضارة الإنسانية عمومًا. فالخلفاء الراشدون أسسوا نظم الحكم والإدارة في الدولة الناشئة، وأئمة المذاهب الفقهية وضعوا أصول التشريع والاجتهاد، وعلماء مثل الخوارزمي أسهموا في نشأة علم الجبر، وابن الهيثم في علم البصريات والمنهج التجريبي، وابن سينا في الطب والفلسفة، وابن خلدون في علم الاجتماع وفلسفة التاريخ. وقد انتقلت أعمال كثير منهم إلى أوروبا عبر الترجمة، فأسهمت في النهضة العلمية هناك. ولا تتسع قوائم قصيرة لإنصاف هؤلاء جميعًا، لكن ذكرهم يذكّر بأن العظمة لا تحتكرها حضارة واحدة ولا عصر واحد.
أسئلة شائعة
من مؤلف كتاب الخالدون مئة؟
الكاتب الأمريكي مايكل هارت، وقد ترجم الكتاب إلى العربية وانتشر على نطاق واسع.
لماذا وضع هارت النبي محمدًا في المرتبة الأولى؟
لأنه رأى أنه الوحيد الذي جمع بين النجاح الديني والدنيوي على نحو استثنائي، فأسس دينًا عالميًا ودولة في حياته.
هل توجد قائمة متفق عليها لأعظم الرجال؟
لا، فكل قائمة تعتمد على معايير صاحبها، وتختلف النتائج باختلاف الثقافة والزمن ونوع التأثير المقصود.
خلاصة
تبقى قوائم أعظم الرجال في التاريخ محاولات اجتهادية لقياس أثر الأفراد في حياة البشرية، ومن أشهرها كتاب مايكل هارت الذي وضع النبي محمدًا في الصدارة. والقراءة الواعية لهذه القوائم تعني فهم معاييرها وحدودها، وتقدير تنوع أشكال العظمة بين الدين والعلم والاختراع والقيادة، والبحث الدائم عن الدروس التي يقدمها هؤلاء لنا اليوم.