ما الذي يحدث عندما ينفخ في الأكل لتبريده...

يلجأ كثير من الناس إلى النفخ في الأكل لتبريده حين يكون الطعام أو الشراب شديد السخونة، وهي عادة تبدو بسيطة وتلقائية، لكنها تطرح أسئلة تتعلق بالنظافة وانتقال الجراثيم والآداب العامة للطعام. وقد تناولها الفقهاء من جهة الأدب، وتناولها المختصون في الصحة من جهة انتقال الميكروبات.

نعرض في هذا المقال ما ورد في الموضوع، ثم نتوسع في شرح ما يعرفه العلم عن اللعاب والرذاذ، ونقدم بدائل عملية وآمنة لتبريد الطعام، خاصة عند إطعام الأطفال.

النفخ في الطعام بين الأدب والصحة

بكتيريا الملوية البوابية تحت المجهر وخطر النفخ في الطعام

صورة مجهرية لنوع من أنواع البكتريا اسمها Helicobacter pylori والتي تعيش في الفم وفي خروجها من الفم إلى الطعام يمكن أن تسبب عدة أمراض منها القرحة المعدية.

فالنفخ في الطعام والشراب أو إخراج النفس فيه عادة يومية يفعلها الإنسان دائماً عندما يأكل أو يشرب شيئاً ساخناً بغرض تبريده،ولكنها للأسف عادة خاطئة جدا وقد تؤدي والعياذ بالله للإصابة بداء السكري أو إلتهاب الأغشية المبطنة للمعدة القرحة Ulcer) ).

عن ابن عباس رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن النفخ في الطعام والشراب.صحيح الجامع للسيوطي تخريج الألباني حديث صحيح.

وقال صلى الله عليه وسلم (إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء) رواه البخاري(149).

وفي هذا الحديث نهي للشارب أن يتنفس في الإناء الذي يشرب منه، سواء انفرد بالشرب من هذا الإناء، أو شاركه فيه غيره، وهذا من مكارم الأخلاق التي علمها النبي صلى الله عليه وسلم لأمته، لتترقى في مدارج الكمال الإنساني. 

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري: 'وهذا النهي للتأدب لإرادة المبالغة في النظافة، إذ قد يخرج مع النَّفَس بصاق أو مخاط أو بخار ردئ فيكسبه رائحة كريهة فيتقذر بها هو أو غيره من شربه'.

إذاً لا يختص بهذا الأدب من كان يشاركه في الإناء غيره، بل المنفرد بالإناء كذلك، فإنه لوقع في الشراب أو الطعام شيء مما يُستقذر فإنه سيستقذره، وإن كان من نفسه.

وقال العلامة المناوي رحمه الله في 'فيض القدير '(6/346):'والنفخ في الطعام الحار يدل على العجلة الدالة على الشَّرَه وعدم الصبر وقلة المروءة'.

وهذا النهي عن الأمرين للكراهة، فمن فعلهما أو أحدهما لا يأثم إلا أنه قد فاته أجر امتثال هذه التوجيهات النبوية، كما فاته أيضاً التأدب بهذا الأدب الرفيع الذي تحبه وترضاه النفوس الكاملة.

أما من الجانب العلمي..
 ففي الإنسان تعيش بكتيريا يكون عددها أكثرمن عدد خلاياه ولكنها بفضل الله ورحمته نافعة للجسم وغير ضاره بحيث أنها تقوم بعمليات تنشيط التفاعلات الحيوية وأيضا تنشيط التفاعلات اللازمة للهضم.

  وتوجد بعض من هذه البكتيريا بالملايين في الفم، ونوع من هذه البكتيريا يسمى Helicobacter pylori كما هو موضح في الصورة التالية:
النفخ في الأكل لتبريده ونقل البكتيريا من الفم
 شكل البكتيريا ومكان تواجدها بالمعدة

ولكن تلك البكتيريا عند خروجها من الفم تكون ضاره بدرجة كفيلة أنتقتل ذلك الإنسان
 في بعض الأحيان وأن تصيبه بمرض خطير في أحيان أخرى.

تقوم تلك البكتيريا عندما تخرج من الفم بواسطة النفخ بالتحوصل على الطعام الساخن حيث أن البكتيريا كائنات حساسة للحرارة فتقوم بحماية نفسها بالتحوصل ثم يتناول الإنسان ذلك الطعام حيث تتواجد البكتيريا فيه بشكل كبير جدا وتكون في أتم الاستعداد للدخول إلى داخل الجسم،  تخيل كم مرة يقوم الإنسان بالنفخ في ذلك الطعام وكم هي كمية البكتيرياالمتواجدة فيه!

ثم يقوم الإنسان بتناول ذلك الطعام مع تلك البكتيريا المتحوصلة.
تبدأ الرحلة من الفم ومن ثم المرئ إلى أن تصل إلى المعدة فتقوم تلك البكتيريا بالتنشيط و إفراز انزيم اليوريا Urease enzyme الذي يسبب التهاب الأغشية المبطنة للمعدة مسببا بذلك خرقا في الجدار حيث تبدأ المعدة بهضم نفسها وحدوث تآكل بجدار المعدة مما يؤدي إلى هضم المعدة لنفسها.

أضرار النفخ في الطعام والشراب على الصحة

آلية عمل البكتيريا وحدوث القرحة داخل المعدة
أيضا تسبب تلك البكتيريا ضعفا في إفراز الأنسولين بالبنكرياس ممايؤدي إلى ارتفاع نسبة السكر بالدم 
وحدوث مرض السكري.


وكما يقول المثل العربي 
بأن الوقاية خير من العلاج فإن الوقاية من ذلك كله تتمثل في الحفاظ على نظافة الفم واستعمال السواك أو الفرشاة والمعجون
 أو حتى المضمضة كما يحدث عند الوضوء.

ماذا يحدث عند إخراج النفس على الطعام؟

عندما يزفر الإنسان هواءه بقوة نحو طبق أو كوب، فإن هذا الهواء لا يخرج نقيًا تمامًا، بل يحمل رذاذًا دقيقًا من اللعاب وقطيرات صغيرة جدًا قد لا تُرى بالعين المجردة. ويعيش في الفم عدد هائل من الكائنات الدقيقة، معظمها غير ضار ويؤدي أدوارًا طبيعية في التوازن الحيوي للفم، لكن بعضها قد يكون مسببًا للأمراض، خاصة إذا كان الشخص مصابًا بعدوى في الفم أو الحلق أو الجهاز التنفسي.

الرذاذ واللعاب

تشير دراسات في مجال سلامة الغذاء إلى أن النفخ على سطح الطعام قد ينقل إليه كمية من البكتيريا الموجودة في الفم، وأن هذه الكمية تختلف من شخص لآخر بحسب صحة فمه ونظافة أسنانه. ورغم أن الأثر غالبًا محدود لدى الشخص السليم الذي يأكل من طعامه وحده، فإن الأمر يختلف عند مشاركة الطعام مع الآخرين.

هل يسبب النفخ مرض السكري؟

من المفيد التوضيح أنه لا يوجد دليل علمي معروف على أن النفخ في الطعام يسبب داء السكري، فهذا المرض يرتبط بعوامل وراثية ومناعية وبنمط الحياة كالوزن الزائد وقلة الحركة. أما بكتيريا الملوية البوابية المذكورة في المقال، فهي مرتبطة فعلًا بالتهاب المعدة وقرحتها لدى بعض المصابين، ويُعتقد أنها تنتقل بين الناس بطرق منها الفم واللعاب، لكن ذلك لا يعني أن النفخ وحده سبب رئيسي للإصابة.

لماذا تزداد أهمية الأمر مع الأطفال؟

يعتاد كثير من الأمهات والآباء على النفخ في ملعقة الطفل قبل إطعامه، أو تذوق الطعام بالملعقة نفسها. ويرى أطباء الأسنان أن هذا السلوك قد يسهم في نقل البكتيريا المسببة لتسوس الأسنان من الكبار إلى الصغار، لأن فم الرضيع يكون في بداية تكوين بيئته الجرثومية. كما أن الجهاز المناعي للطفل لا يزال في طور النمو، مما يجعله أكثر حساسية لبعض أنواع العدوى.

نصائح لإطعام الصغار

  • استخدام ملعقة منفصلة لتذوق حرارة الطعام غير ملعقة الطفل.
  • اختبار الحرارة بوضع قطرة صغيرة على ظهر اليد أو باطن الرسغ.
  • تقليب الطعام وتركه دقائق قليلة حتى تتوزع الحرارة وتنخفض.
  • تجنب تذوق اللهاية أو مصها قبل إعطائها للرضيع.

طرق صحية لتبريد الطعام والشراب

يمكن تبريد الطعام بفاعلية دون اللجوء إلى النفخ، وتتعدد الوسائل بحسب نوع الطبق:

  1. التقليب المستمر: يساعد على خروج البخار وتوزيع الحرارة بالتساوي.
  2. توزيع الطعام في طبق واسع: فزيادة المساحة المعرضة للهواء تُسرّع التبريد.
  3. نقل السائل بين كوبين: طريقة تقليدية فعالة لتبريد الشاي أو الحليب.
  4. الانتظار قليلًا: فالصبر لدقائق معدودة يكفي غالبًا ويجنب حرق الفم.
  5. وضع الإناء في ماء بارد: مفيد لتبريد الشوربات والحليب بسرعة.

خطر الطعام الساخن جدًا

لا يتعلق الأمر بالنظافة وحدها، فتناول الأطعمة والمشروبات شديدة السخونة بصورة متكررة قد يؤذي بطانة الفم والمريء. وقد ربطت بعض الأبحاث بين الإكثار من المشروبات الساخنة جدًا وزيادة احتمال بعض مشكلات المريء، ولذلك يُنصح بتركها حتى تصبح دافئة مقبولة قبل شربها.

صحة الفم وأثرها في انتقال الجراثيم

تتوقف كمية الميكروبات التي قد تنتقل عبر الرذاذ على حالة الفم نفسه؛ فالتهاب اللثة وتسوس الأسنان المهمل والتهابات الحلق تجعل البيئة الفموية أغنى بالبكتيريا الضارة. لذلك فإن العناية اليومية بالأسنان بالفرشاة والخيط، ومراجعة طبيب الأسنان بانتظام، وشرب الماء الكافي، لا تحمي الأسنان فحسب، بل تقلل أيضًا من احتمال نقل الجراثيم إلى الآخرين عبر أدوات المائدة المشتركة. كما يُستحسن لمن يعاني من زكام أو سعال أن يتجنب مشاركة الأكواب والملاعق، وأن يغسل يديه قبل تحضير الوجبات للأسرة.

آداب الطعام في الثقافة الإسلامية

اهتمت الشريعة بآداب الأكل والشرب اهتمامًا واضحًا، ومن ذلك التسمية، والأكل باليمين، والأكل مما يلي الإنسان، وعدم الإسراف، وترك عيب الطعام، وغسل اليدين. ويذكر العلماء أن النهي عن النفخ في الطعام والتنفس في الإناء يندرج ضمن هذه الآداب التي تجمع بين النظافة واحترام الآخرين وحسن السلوك على المائدة، وقد فصّل شراح الحديث في أحكامها وحِكمها في كتبهم.

الالتقاء بين الأدب والنظافة

يلفت النظر أن كثيرًا من آداب المائدة التقليدية تتوافق مع ما توصي به قواعد سلامة الغذاء الحديثة، مثل غسل اليدين، وعدم إعادة الملعقة المستعملة إلى الطبق المشترك، وتغطية الفم عند العطاس. وهذا يعكس قيمة النظافة في حياة الإنسان اليومية.

أسئلة شائعة

هل النفخ في طعامي الشخصي مضر؟

إذا كنت تأكل وحدك وصحتك جيدة فالأثر الصحي غالبًا محدود، لكن التبريد بالتقليب أو الانتظار أفضل وأنظف.

ما أفضل طريقة لتبريد طعام الرضيع؟

التقليب ونشر الطعام في طبق واسع ثم اختبار الحرارة بقطرة على ظهر اليد، دون نفخ أو تذوق بالملعقة نفسها.

هل يمكن أن تنتقل العدوى بالنفخ؟

من الممكن نظريًا أن ينقل الرذاذ بعض الجراثيم، خاصة من شخص مصاب بعدوى تنفسية، ولذلك يُفضَّل تجنبه عند مشاركة الطعام.

خلاصة

النفخ في الطعام عادة شائعة، لكن تجنبها أولى من جهة الأدب والنظافة معًا، خاصة عند مشاركة الأكل أو إطعام الأطفال. والبدائل بسيطة ومتاحة: التقليب، والانتظار، وتوسيع مساحة الطبق. أما الربط بين هذه العادة وأمراض بعينها كالسكري فلا يستند إلى دليل علمي معروف، ويبقى الحرص على النظافة العامة هو الرسالة الأهم.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !