الصحابي الجليل عبد الله بن مالك بن القشب
الصحابي الجليل عبد الله بن مالك بن القشب رضي الله عنه هو أحد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين شهدوا العصر الأول للإسلام وتركوا أثرا محمودا في سجل الصحابة الكرام. وقد ذكره العلماء والمؤرخون في كتبهم وأثنوا على فضله وسابقيته في الإسلام ونسكه وزهده.
نسبه ومكانته
اسم القشب هو بكسر القاف وسكون المعجمة ثم الموحدة جندب بن نضلة بن عبد الله بن رافع بن صعب بن دهمان بن نصر بن زهران بن كعب بن الحارث بن عبد الله بن كعب بن عبد الله بن نصر بن الأزد أبو محمد الأزدي. فهو من قبيلة الأزد العربية العريقة التي تنتسب إلى الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
كنيته ونسبته
يُكنّى أبا محمد وينسب إلى الأزد قبيلته الكبيرة. ويقال له أيضا الأسدي بالسين بدلا من الزاي وهذا خلاف في النسبة عند أهل العلم بالنسب والأنساب. وقد ناقش البخاري وغيره من أئمة الحديث هذا الخلاف وبيّنوا الراجح منه.
حلفه مع بني المطلب
قال بن سعد إن مالك بن القشب حالف المطلب بن عبد مناف أي أنه دخل في حلفهم وصار منهم في النصرة والموالاة. وكانت الأحلاف في الجاهلية وصدر الإسلام تُعطي الداخل في الحلف حق الحليف من النصرة والميراث وغير ذلك بحسب ما يتفقون عليه.
زواجه وأولاده
تزوج مالك بن القشب بحينة بنت الحارث بن عبد المطلب فولدت له عبد الله وهي بالموحدة والمهملة ثم النون مصغر. وقيل إنها أم أبيه مالك وصحح أبو عمر الأول وهو قول الجمهور. وهذا الخلاف في أم عبد الله هل هي بحينة أم مجيبة هو خلاف معروف عند أهل العلم بالأنساب والتاريخ وقد رجّح الجمهور أن أمه هي بحينة بنت الحارث بن عبد المطلب.
خلاف العلماء في اسم أبيه
قال البخاري قال بعضهم مالك بن بحينة والأول أصوب. وقال إن قول من قال عن مالك بن بحينة خطأ. وهذا الخلاف نشأ من أن بعض الرواة نسبوا عبد الله إلى جده بحينة بدلا من أبيه مالك وظنوا أن مالكا اسم لجد لا لأب. وقد رد البخاري هذا القول وصوّب أن أباه هو مالك بن القشب وأن القشب لقب لجده.
أمه مجيبة
قال البخاري أمه مجيبة بنت الحارث بن عبد المطلب وهو قول ذكره بعض أهل العلم لكن الراجح عند الجمهور ما تقدم من أن أمه بحينة لا مجيبة. ومهما كان الأمر فإن عبد الله بن مالك بن القشب صحابي جليل له مكانته ومنزلته بين الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
صحبته وروايته
كان حليف بني المطلب بن عبد مناف له صحبة وروى عنه علي بن عبد الله. وقد روى عبد الله بن مالك بن القشب أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلتنا في الصحيح والسنن من طرق متعددة.
طرق روايته
له أحاديث في الصحيح والسنن من رواية الأعرج ومحمد بن يحيى بن حبان وحفص بن عاصم عنه. وهذه الطرق المتعددة تدل على أن عبد الله بن مالك كان محدثا موثوقا أخذ عنه جماعة من كبار التابعين ورووا أحاديثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فضله ونسكه
قال بن سعد أسلم قديما وكان ناسكا فاضلا يصوم الدهر. وهذا الوصف يدل على عظيم منزلته في الإسلام فقد كان من السابقين الأولين الذين أسلموا في وقت مبكر وكان من الزهاد العبّاد الذين أعرضوا عن الدنيا وتفرغوا للعبادة والطاعة.
صيام الدهر
صيام الدهر يعني صيام جميع أيام السنة ما عدا الأيام التي حرم الشرع صيامها وهي عيد الفطر وعيد الأضحى وأيام التشريق. وكان هذا النسك المتواصل من أبرز سمات عبد الله بن مالك بن القشب الذي عُرف بشدة تعلقه بالعبادة وبُعده عن متع الدنيا وزخرفها.
مكان إقامته
كان ينزل ببطن رئم على ثلاثين ميلا من المدينة المنورة. وبطن رئم موضع قريب من المدينة اختاره عبد الله بن مالك لإقامته بعيدا عن صخب المدينة وضجيجها ليخلو لعبادة الله والتفرغ للطاعة.
سبب اختيار بطن رئم
إن اختيار عبد الله بن مالك بن القشب لهذا المكان البعيد عن المدينة يدل على ميله إلى العزلة والخلوة والزهد في الدنيا فقد كان يُؤثر البعد عن مواطن الفتن والتفرغ للعبادة على القرب من مراكز السلطة والمال. وهذا شأن كثير من الصحابة والتابعين الذين آثروا حياة التقشف على التنعم بمباهج الحياة الدنيا.
رواياته في كتب الحديث
حظيت أحاديث عبد الله بن مالك بن القشب بعناية كبيرة من أئمة الحديث الذين أخرجوها في كتبهم المعتمدة. فقد أخرج له البخاري ومسلم في صحيحيهما ما اتصل بسنده من روايته كما أخرج له أصحاب السنن والمسانيد. وهذا يدل على أن أئمة الحديث عُمّدوه ووثقوه واعتمدوا على روايته.
شيوخه وتلاميذه
روى عبد الله بن مالك بن القشب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة فهو صحابي أخذ عن النبي الأكرم نفسه. وأما من روى عنه من التابعين فمنهم الأعرج ومحمد بن يحيى بن حبان وحفص بن عاصم وعلي بن عبد الله. وكلهم من الثقات المعتمدين في الرواية والحديث مما يُعطي رواياته قوة ومكانة في علم الحديث.
دلالة حلفه مع بني المطلب
إن حلف مالك بن القشب مع بني المطلب بن عبد مناف يحمل دلالة اجتماعية وسياسية مهمة في سياق مجتمع مكة والمدينة قبل الإسلام وفي صدر الإسلام. فقد كان الحلف في ذلك الزمن وسيلة لتقوية الروابط بين القبائل والأفراد وضمان الحماية المتبادلة والنصرة عند الشدائد.
الأحلاف في المجتمع العربي القديم
كان نظام الحلف معروفا ومعمولا به في المجتمع العربي منذ الجاهلية واستمر في صدر الإسلام. فمن دخل في حلف قبيلة أصبح له ما لهم وعليه ما عليهم من الحقوق والواجبات. وقد كان حلف بني المطلب من أشهر الأحلاف في مكة إذ كان بنو المطلب بن عبد مناف من أشراف قريش وسادتها وعقد الحلف معهم كان يعني مكانة مرموقة ومظلة حماية قوية.
وفاته
مات ببطن رئم في إمارة مروان الأخيرة على المدينة وأرخه بن زبر سنة ست وخمسين للهجرة. أي أن وفاته رضي الله عنه كانت في عهد خلافة معاوية بن أبي سفيان حين كان مروان بن الحكم أميرا على المدينة المنورة في ولايته الأخيرة.
مكانته بين الصحابة
رغم أن عبد الله بن مالك بن القشب لم يكن من المشهورين في كتب السيرة إلا أن العلماء أثبتوا صحبته وذكروا فضله ونسكه وسبقه في الإسلام. وهو من الصحابة الذين لم يتصدروا للإمارة أو القيادة لكنهم كانوا من خيرة الناس عبادة ونسكا وتقوى. وقد حفظت لنا كتب الحديث والتاريخ بعض أحاديثه وآثاره التي تدل على مكانته الرفيعة بين صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
العبرة من سيرته
تُعلمنا سيرة عبد الله بن مالك بن القشب دروسا جليلة في الزهد والعبادة والتعلق بالآخرة. فقد كان رجلا آثر العزلة والخلوة على الزحام والشهرة واختار أن يعيش بعيدا عن الأضواء ليُفرغ قلبه لذكر الله وطاعته. وفي عصرنا هذا الذي يتهافت فيه الناس على الشهرة والظهور تبقى سيرة هذا الصحابي الجليل شاهدة على أن القيمة الحقيقية للإنسان لا تُقاس بالظهور بل بصلاح القلب وصدق العبادة والتعلق بالله سبحانه وتعالى.
.png)