كتاب دزيان
ادعت مدام بلافاتسكي أنها شهدت مخطوطة من كتاب العلم الغيبي والذي يُدعى دزيان أثناء دراستها الباطنية في التبت وادعت كذلك حصولها على مخطوطات قديمة أخرى قبل أن تبدأ علم الغيبيات. وفقا لبلافاتسكي فقد كُتب هذا الكتاب في اللغة المقدسة التي أسمتها سينزار. وهذا الاسم نفسه يثير الكثير من الجدل بين الباحثين إذ لا توجد أي لغة معروفة في السجلات اللغوية تحمل هذا الاسم مما يجعل التحقق من ادعائها أمرا بالغ الصعوبة.
محتوى الكتاب
يتشكل هذا الكتاب من مجموعة من المقطوعات الباطنية التي هي سجلات لأشخاص غير معروفين لعلم الأعراق البشرية. ويُقال إنها مكتوبة في لسان غائب عن التسميات من اللغات واللهجات التي يتم التعرف عليها. ويُقال أيضا إنها تنبثق من مصدر الغيبيات التي تُنكر من قبل العلم الحديث. فاللغة التي كُتب بها الكتاب بحسب بلافاتسكي ليست لغة بشرية معروفة بل هي لغة مقدسة لا يتحدث بها إلا المُتنورون من الباحثين الباطنيين.
التعاليم الباطنية
تحتوي مقطوعات كتاب دزيان على تعاليم باطنية تتناول أصل الكون ونشوء الأجناس البشرية المتعاقبة وأسرار الوجود وقوانين الطبيعة الخفية. وهذه التعاليم تدّعي أنها تتجاوز ما يُمكن الوصول إليه بالعقل البشري المحدود وأنها تُكشف فقط لمن تابعت طريق التطوير الروحي والباطني.
رفض العلماء لتعاليم الكتاب
لذلك قد يكون من المتوقع أن يُرفض رفض لهذه التعاليم ويجب أن يُقبل مسبقا بأنها ستجد معارضة شديدة من أصحاب المنهج العلمي. فلا أحد يُسمّي نفسه باحثا في أي قسم من أقسام العلوم الدقيقة سيسمح لنفسه باعتبار هذه التعاليم على محمل الجد ما لم يكن لديه دليل ملموس يُؤيد ما جاء فيها.
بلافاتسكي ومخطوطات التبت
هيلينا بلافاتسكي هي مؤسسة الجمعية الثيوصوفية التي تأسست في أواخر القرن التاسع عشر وقد أحدثت ضجة كبيرة في الأوساط الفكرية والدينية بادعاءاتها عن اتصالها بمعلمين باطنيين في التبت وعن حصولها على مخطوطات سرية تحتوي على حكمة قديمة تتجاوز كل ما عرفه الإنسان. وقد ألفت كتابها الشهير الذي جمعت فيه ما ادعت أنه مستوحى من كتاب دزيان وغيره من المخطوطات التبتية المزعومة.
رحلتها إلى التبت
زعمت بلافاتسكي أنها سافرت إلى التبت في منتصف القرن التاسع عشر والتقت هناك بمعلمين روحيين يُدعيان المهاتم الذين أطلعوها على التعاليم السرية وأذنوا لها بنقل بعضها إلى الغرب. وقد كانت هذه الادعاءات محور جدل كبير إذ لم تُقدم بلافاتسكي أدلة ملموسة على هذه الرحلات أو على وجود هؤلاء المعلمين.
تشكيك ماكس مولر
كان ماكس مولر وغيره من المستشرقين والعلماء يشككون في وجود هذا الكتاب في حوزة بلافاتسكي. وتفيد التقارير أن ماكس مولر قد قال في هذه المسألة أنها كانت إما مزورة أو أنها امرأة رائعة جعلت أكثر الهدايا قيمة لبحوث الأثرية في المشرق. وهذا القول يحمل اتهاما صريحا بأن بلافاتسكي إما اختلقت هذا الكتاب من خيالها أو أنها حصلت فعلا على مخطوطة أثرية ثمينة لكنها لم تُثبت ذلك بدليل مقنع.
موقف المستشرقين من ادعاءات بلافاتسكي
لم يكن ماكس مولر وحده من شكك في ادعاءات بلافاتسكي بل إن عددا من المستشرقين واللغويين البارزين في ذلك العصر أبدوا ريبتهم في صحة ما ادعته. فقد كانت بلافاتسكي تدّعي أمورا لا سبيل إلى التحقق منها كوجود لغة سينزار المزعومة ومعلمين باطنيين لا يراهم أحد ومخطوطات مخفية في أديرة التبت لا يستطيع غيرها الوصول إليها. وهذا النمط من الادعاءات يُسهّل اختلاق القصص لأنه يعتمد على مصادر لا يمكن لأحد التأكد منها.
علاقة كتاب دزيان بكتب كيو-تي
في المراجع الأخرى ادّعى كتاب بلافاتسكي أن كتاب دزيان ينتمي إلى مجموعة من الكتابات الباطنية في التبت المعروفة باسم كتب كيو-تي. وقد كتبت بلافاتسكي قبل أن تُتّفق النسخ القياسية للتبتية إلى الأبجدية اللاتينية بل استغرق بعض الوقت لإثبات أنها كانت تشير إلى علماء الحديث والكتابة وأجزاء من جسم البوذية الضخم.
مصادر بديلة مقترحة
أشار باحثون آخرون إلى أن مصدر كتاب دزيان قد يكون في الطاوية الصينية أو في اليهودية أو في تقليد باطني آخر من التقاليد القديمة. وهذه الاقتراحات المتعددة والمتباينة تدل على أن هوية الكتاب الحقيقية لا تزال غامضة وأن لا أحد يستطيع الجزم بمصدره الأصلي على وجه اليقين.
حالة الكتاب في زماننا الحاضر
في زماننا الحاضر لا توجد نسخة حقيقية أو كاملة كما ادعت بلافاتسكي مما يضع الكثير من علامات الاستفهام حول هذا الكتاب وكونه من كتب السحر أم من كتب الصوفية القوطية. فالادعاء بوجود كتاب غامض لا يستطيع أحد الاطلاع عليه إلا من يدّعي اتصالا بعالم الباطن هو ادعاء يسهل ترويجه لكنه يصعب إثباته.
غياب النسخ الأصلية
إن غياب أي نسخة أصلية من كتاب دزيان في أي مكتبة أو متحف أو دار محفوظات في العالم يجعل من المستحيل التحقق من محتواه ومن وجوده أصلا. وقد استغلت بلافاتسكي هذا الغياب لتدّعي أن الكتاب محفوظ في أماكن سرية لا يستطيع غير المُتنورين الوصول إليها وهو حجة كلاسيكية في الأدبيات الباطنية لا يمكن دحضها ولا إثباتها في آن واحد.
بين السحر والتصوف
يبقى السؤال مطروحا حول طبيعة كتاب دزيان هل هو كتاب سحر أم كتاب تصوف أم مجرد اختلاق من خيال بلافاتسكي. والرأي الراجح عند الباحثين المنهجيين أنه لا يوجد دليل على وجود هذا الكتاب ككيان مستقل عن ادعاءات بلافاتسكي نفسها وأن ما كتبته في مؤلفاتها هو من تأليفها أو من تأليف من تأثروا بها وليس من نقل عن مصدر حقيقي موثوق.
اللغة المقدسة سينزار
من أغرب الادعاءات التي طرحتها بلافاتسكي حول كتاب دزيان أنه مكتوب بلغة تسمى سينزار وهي لغة مقدسة لا يعرفها أحد من اللغويين ولا توجد أي آثار مكتوبة لها في أي مكان في العالم. وقد زعمت بلافاتسكي أن هذه اللغة هي لغة الباطنيين والمعلمين الروحيين الذين يحفظون الحكمة القديمة منذ آلاف السنين.
هل وُجدت لغة سينزار فعلا
لم يستطع أي لغوي أو باحث أن يثبت وجود لغة تُدعى سينزار في أي سجل لغوي أو تاريخي معروف. وهذا يُضعف موقف بلافاتسكي إلى حد بعيد لأن اللغات تترك آثارا مادية سواء في النقوش أو المخطوطات أو التقاليد الشفهية أما لغة لا أثر لها إطلاقا فهي لغة يُشك في وجودها من الأساس.
إراعة بلافاتسكي في الفكر الباطني
رغم كل الشكوك التي تحيط بكتاب دزيان وادعاءات بلافاتسكي فإنه لا يُمكن إنكار أن مؤلفاتها أحدثت أثرا عميقا في الحركة الباطنية الغربية وفي الفكر الروحي الحديث. فقد تأثر بها كثير من الكتّاب والمفكرين الذين جاءوا بعدها وساروا على نهجها في البحث عن الحكمة القديمة والتعاليم السرية. وحتى اليوم تُعد كتبها مرجعا أساسيا لدارسي الباطنية والثيوصوفيا في مختلف أنحاء العالم.
الجمعية الثيوصوفية وأثرها
أسست بلافاتسكي الجمعية الثيوصوفية التي انتشرت أفكارها في مختلف أنحاء العالم ولا تزال لها أتباع إلى اليوم. وقد ساهمت هذه الجمعية في إدخال كثير من المفاهيم الشرقية إلى الفكر الغربي كفكرة الكارما وتناسخ الأرواح والمعلمين الروحيين غير المرئيين. ورغم أن هذه المفاهيم لم تكن من ابتكار بلافاتسكي وحدها إلا أنها لعبت دورا كبيرا في نشرها وتعميمها في الثقافة الغربية.
.png)