موضة الكعب العالي للرجال في الهند
يبدو أن ارتداء الأحذية ذات الكعب العالي لن يكون أمرا مقتصرا على النساء فقط، ففي الهند بدأت تظهر موضة ارتداء الكعب العالي بين الرجال لتصبح جزءا من خزانات ملابسهم. وهي ظاهرة لافتة تستحق التأمل والتحليل، إذ إنها تكسر واحدة من أكثر المعتقدات رسوخا في عالم الموضة والأزياء، ألا وهي أن الكعب العالي حكر على النساء دون سواهن.
.jpg)
انطلاقة الموضة في الهند
طبقا لما ذكرته إحدى الصحف الهندية الكبرى، بدأت تنتشر الأحذية ذات الكعب العالي بين الرجال في الهند، حيث ظهرت في العديد من الصور الدعائية للأزياء وحفلات عرض الأزياء التي أُقيمت في مدن هندية كبرى. لكن هذه الموضة لا تستهدف المواطن الهندي التقليدي، وإنما هي موجهة للرجال من أبناء الطبقات الراقية أو كما أطلقت عليها الصحيفة صفوة المجتمع. فالأمر يتعلق بفئة محددة من الرجال الذين يتابعون أحدث صيحات الموضة العالمية ولا يترددون في تجريب كل ما هو جديد وغريب.
أسعار الأحذية وفئة المستهدفين
تتراوح قيمة الزوج الواحد من تلك الأحذية بين خمسمائة وخمسة آلاف دولار، وهو ما يعادل بين ألف وثمانمائة ريال سعودي وثمانية عشر ألف ريال سعودي. وهذا السعر المرتفع يبرهن بوضوح أن هذه الأحذية بالفعل ليست موجهة للرجل العادي في الهند، وإنما لأصحاب الثروات الذين يستطيعون إنفاق مبالغ كبيرة على الأزياء والإكسسوارات. ففي بلد يضم مئات الملايين من الفقراء، يبدو الكعب العالي للرجال ضربا من الترف لا يستسيغه إلا من عافهم الغنى عن تقليد المألوف.
.jpg)
لماذا الكعب العالي للرجال؟
يرى مصممو الأزياء الذين تبنوا هذه الموضة أن الكعب العالي لا يقتصر على النساء بأي حال من الأحوال، بل هو وسيلة للتعبير عن الذات وإثبات الوجود في عالم الموضة. فالرجل الذي يرتدي الكعب العالي إنما يعلن بذلك عن ثقته بنفسه وقدرته على كسر القوالب النمطية الموروثة عن المذكر والمؤنث في عالم الأزياء. كما أن الكعب العالي يضيف إلى طول الرجل بضعة سنتيمترات، مما يمنحه مظهرا أكثر هيبة ووقارا، وهو ما يبحث عنه كثير من الرجال خاصة في المجتمعات التي تولي الطول أهمية اجتماعية.
تصاميم مخصصة للرجال
تختلف الأحذية ذات الكعب العالي المصممة للرجال عن نظيراتها النسائية في عدة جوانب، رغم تشابهها في المبدأ الأساسي. فالأحذية الرجالية ذات الكعب العالي تميل إلى التصاميم الأكثر جرأة وحداثة، مع الحفاظ على عناصر الذكورة التقليدية كاللون الأسود والألوان الداكنة والخطوط الحادة. كما أن بعض المصممين حرصوا على دمج الكعب العالي مع أشكال الأحذية الرجالية الكلاسيكية كأحذية المعاصم والأحذية المسحّبة، مما يخلق مزيجا فريدا يجمع بين الطابعين الرجولي والأنثوي في آن واحد.
.jpg)
ردود الأفعال تجاه الموضة
تباينت ردود أفعال الرجال من الممثلين والمشاهير والمصممين عند استقبال هذه الموضة الغريبة بين مؤيد ومعارض، فالبعض يؤكد أنها لن يكتب لها أن تعيش بين الرجال في الهند، وآخرون يزعمون عكس ذلك وأنها موضة ستدوم للعديد من السنوات بين الرجال. ويبقى ما نراه على أرض الواقع حيث لم تلق الموضة أي إقبال ضخم بين الرجال إلى الآن، لكنها مع ذلك نجحت في إثارة نقاش واسع حول حدود الموضة والجندر في المجتمع الهندي.
المؤيدون وتبريراتهم
يرى المؤيدون أن عالم الموضة لا يعترف بالحدود بين الذكور والإناث، وأن الأزياء في جوهرها وسيلة للتعبير عن الذات والخروج عن المألوف. فكما ارتدى الرجال في عصور سابقة الكعب العالي دون أن يثير ذلك أي استغراب، فإن عودة هذه الموضة ليست إلا دليلا على أن الموضة دوارة تعود بما كان منها. ويشيرون إلى أن رجال الطبقات الأرستقراطية في أوروبا خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر كانوا يرتدون الكعب العالي بانتظام كرمز للمكانة الاجتماعية العالية والتفريق عن طبقات العامة.
المعارضون وحججهم
على الجانب الآخر، يرى المعارضون أن هذه الموضة لا تتناسب مع الثقافة الهندية التقليدية التي تميل إلى المحافظة في أمور اللباس والمظهر. فالمجتمع الهندي بطبيعته المحافظ لا يتقبل بسهولة فكرة الرجل يرتدي كعبا عاليا يُنسب عادة إلى النساء، بل إن كثيرين يعدون ذلك خروجا عن المألوف ومخالفة للذوق العام. كما يحذر المعارضون من أن انتشار هذه الموضة قد يؤدي إلى تشويه الهوية الجندرية التقليدية التي تحرص الأجيال القديمة على الحفاظ عليها.
تاريخ الكعب العالي بين الرجال
لعل من المفيد أن نعود إلى التاريخ لنكتشف أن الكعب العالي لم يكن في الأصل من ابتكار النساء ولا من اختصاصهن، بل كان في بدايته جزءا من زينة الرجال ورمزا من رموز السلطة والقوة. ففي القرن العاشر الميلادي، كان الفرسان الفرس يرتدون أحذية ذات كعب عالٍ لثبات أقدامهم في ركاب الخيل أثناء القتال. ومن بلاد فارس انتقل الكعب العالي إلى أوروبا عبر السفارات والبعثات الدبلوماسية، حيث تبناها النبلاء والأمراء كرمز للسطوة والوجاهة.
الملك لويس الرابع عشر وكعب الشرف
أشهر من ارتدى الكعب العالي من الرجال في التاريخ هو الملك لويس الرابع عشر ملك فرنسا، الذي كان يرتدي أحذية بكعب يصل ارتفاعه إلى عشرة سنتيمترات ويزينها برسومات معقدة ومناظر معركة. وقد أطلق عليها كعب الشرف، وكان يمنع عامة الشعب من ارتداء الكعب الأحمر تأكيدا لامتيازه. بل إن كعبا عاليا أحمر اللون أصبح علامة مميزة للنبلاء في بلاطه، لا يحق لغيرهم ارتداؤه تحت طائلة العقوبة.
التحول من الرجال إلى النساء
خلال القرن الثامن عشر بدأ الكعب العالي يفقد ارتباطه بالرجال تدريجيا، بعد أن تبنت النساء هذه الموضة وعدّلنها بما يتناسب مع ذوقهن. ومع مرور الوقت أصبح الكعب العالي رمزا أنثويا بامتياز، ونسي الرجال أنه كان يوما ما جزءا من زينتهم. واليوم عندما يُستعاد الكعب العالي للرجال في الهند وغيرها، فإنما هو عودة إلى أصل كان قد طواه النسيان.
الموضة والطبقية في الهند
لا يمكن الحديث عن موضة الكعب العالي للرجال في الهند بمعزل عن البنية الطبقية المعقدة التي تتسم بها المجتمعات الهندية. فالهند بلد التناقضات الصارخة حيث يتعايش أغنى أغنياء العالم مع أفقر فقرائه، وحيث تصنع علامات الأزياء العالمية أغلى منتجاتها في جانب من المدينة بينما يفتقر سكان الجانب الآخر إلى أدنى ضروريات الحياة.
موضة النخبة
تُعد موضة الكعب العالي للرجال مثالا صارخا على هذه الطبقية في عالم الأزياء، فهي موضة لا يصل إليها عامة الناس لا من حيث القدرة المالية ولا من حيث التقبل الثقافي. وتقتصر هذه الموضة على النخبة الحضرية التي تعيش في المدن الكبرى ك مومباي ونيودلهي وبنغالور، والتي تتابع عن كثب ما يعرض في أسابيع الموضة الدولية. وهؤلاء هم أنفسهم الذين يرتادون المطاعم الفاخرة ويسكنون الأحياء الراقية ويقتنون السيارات الفارهة، فالكعب العالي ليس بالنسبة إليهم سوى إكسسوار إضافي يضاف إلى قائمة الكماليات التي تميزهم عن سواهم.
الهوة بين الموضة والواقع
يبدو أن هناك هوة سحيقة بين عالم الموضة الراقي الذي تُعرض فيه أحذية الرجال ذات الكعب العالي وبين واقع الحياة اليومية لغالبية الهنود. ففي شوارع المدن الهندية المزدحمة حيث لا تتسع الأرصفة للمارة، وحيث تتعطل حركة المرور بالدراجات النارية والسيارات المتهالكة، يبدو الكعب العالي ضربا من الخيال البعيد عن واقع الناس. غير أن عالم الموضة بطبيعته لا يعكس واقع الناس بل يصوغ رؤيته الخاصة عن الجمال والأناقة، وهي رؤية تتسم في الغالب بالغرائبية والخروج عن المألوف.
مستقبل الموضة في الهند
يبقى السؤال الأهم: هل ستدوم هذه الموضة أم أنها مجرد فقاعة إعلامية تنفجر بعد حين؟ الإشارات الحالية تشير إلى أن الكعب العالي للرجال في الهند لا يزال في مراحله الأولى، وأنه لم يتجاوز دائرة النخبة والأضواء إلى شريحة أوسع من الرجال. غير أن عالم الموضة بطبيعته متقلب وما يبدو غريبا اليوم قد يصبح مألوفا غدا.
عوامل التحدي
تواجه هذه الموضة تحديات عديدة تحول دون انتشارها الواسع، أبرزها المقاومة الثقافية العميقة في المجتمع الهندي التي تعتبر أي خروج على الأعراف الجندرية التقليدية نوعا من الانحراف. كما أن السعر الباهظ يحصر هذه الأحذية في أيدي قليلة، فضلا عن عدم وجود بنية تحتية من المتاجر والخدمات التي تدعم هذه الموضة وتسهّل الحصول عليها. إضافة إلى ذلك فإن الراحة العملية تظل عائقا مهما، فالكعب العالي يتسبب في إجهاد القدمين والظهر حتى بالنسبة للنساء اللواتي اعتدن عليه منذ سنوات، فكيف بالرجال الذين لم يجربوه قط؟
إمكانات الانتشار
على الرغم من كل التحديات، لا يمكن نفي إمكانية انتشار هذه الموضة على المدى البعيد إذا ما توافرت الظروف المناسبة. فمع تزايد التأثير العالمي لوسائل التواصل الاجتماعي وتقارب الثقافات، يصبح من الصعب على أي مجتمع أن يبقى محصنا ضد التيارات الموضية القادمة من مختلف أنحاء العالم. كما أن جيل الشباب الهندي بات أكثر انفتاحا على الأنماط الغربية من الأجيال السابقة، وقد يشكّل هذا الجيل الجمهور الأساسي لهذه الموضة إذا ما انخفضت أسعارها وأصبحت أكثر قابلية للتناول.
