ابن منده
محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده العبدي أبو عبد الله الأصبهاني صاحب التصانيف وإمام حافظ. ولد سنة 310 هـ أو 311 هـ في مدينة أصبهان وتوفي سنة 395 هـ وهو من أبرز علماء الحديث في القرن الرابع الهجري ممن حفظ الحديث ونقله وتنقل في جمعه وطلب العلم. روى كثيرا من الأحاديث غير أنه يُؤخذ عليه روايته لبعض الأحاديث الموضوعة أو الضعيفة التي لم يتثبت في تصحيح أسانيدها.
نشأته وطلبه للعلم
نشأ ابن منده في بيئة علمية عريقة إذ كانت أسرته من بيوت العلم والحديث في أصبهان. فأبوه إسحاق بن محمد بن منده كان من المحدثين المعروفين وجده يحيى بن منده كان كذلك من أهل العلم. وقد بدأ ابن منده طلب العلم منذ صغره فكان أول سماعه للحديث في سنة ثمان عشرة وثلاثمائة كما ذكر الذهبي ثم انطلق يرحل في طلب العلم عبر الأقاليم الإسلامية.
رحلاته في طلب الحديث
عُرف ابن منده بكثرة رحلاته في طلب الحديث حتى قيل إنه كان أوسع الناس رحلة وأكثرهم حديثا مع الحفظ والثقة. فقد بلغت عدة شيوخه ألفا وسبعمائة شيخ وهذا عدد ضخم يدل على سعة اطلاعه وكثرة تحميله للعلم. وقد طاف بالأقاليم الإسلامية من خراسان إلى العراق ومن الحجاز إلى الشام ومصر يجمع الأحاديث ويسمع من المشايخ ويدوّن ما يسمعه.
مكانته العلمية
حظي ابن منده بمكانة علمية رفيعة بين أقرانه ومن جاء بعده من علماء الحديث وقد أثنى عليه كبار الحفاظ وأقروا بسعة علمه وغزارة حفظه مع ما كان بينهم وبينه من خلاف في بعض الأحيان.
قول الذهبي
قال الذهبي الإمام الحافظ الجوال محدث الإسلام كان أول سماعه في سنة ثمان عشرة وثلاثمائة ولا أعلم أحدا كان أوسع رحلة منه ولا أكثر حديثا منه مع الحفظ والثقة فبلغنا أن عدة شيوخه ألف وسبعمائة شيخ ولم يعمر كثيرا بل عاش أربعا وثمانين سنة. وهذا الوصف من الذهبي يدل على المنزلة العالية التي يحتلها ابن منده في تاريخ علم الحديث.
قول الباطرقاني
قال الباطرقاني حدثنا أبو عبد الله بن منده إمام الأئمة في الحديث لقاه الله رضوانه. وهذا لقب عظيم يدل على أن معاصريه كانوا يرون فيه الإمامة المطلقة في علم الحديث وأنه بلغ في هذا العلم شأوا بعيدا لم يبلغه كثيرون.
قول أبي علي الحافظ
قال أبو علي الحافظ بنو منده أعلام الحفاظ في الدنيا قديما وحديثا ألا ترون إلى قريحة أبي عبد الله. وهذا يدل على أن آل منده كلهم كانوا من أهل العلم والحفظ وأن أبا عبد الله كان أبرزهم وأكثرهم تبحرا في العلم.
قول أبي نعيم الأصبهاني
قيل إن أبا نعيم الحافظ ذُكر له ابن منده فقال كان جبلا من الجبال. وقال أبو نعيم في تاريخ أصبهان ابن منده حافظ من أولاد الحفاظ. وقد علق الذهبي على هذا بقوله فهذا يقوله أبو نعيم الأصبهاني مع الوحشة الشديدة التي بينه وبينه. أي أن أبا نعيم أقر لعلم ابن منده وحفظه رغم الخصومة والمباينة التي كانت بينهما وهذا أدق أنواع المدح لأن المادح هنا لا يتوقع مدحا بالمقابل.
مآخذ العلماء عليه
رغم مكانة ابن منده العلمية الرفيعة فإن العلماء أخذوا عليه بعض المآخذ المهمة التي لا بد من ذكرها في ترجمته وقد كان أبرز هذه المآخذ روايته لبعض الأحاديث الموضوعة والساقطة دون أن يبين ضعفها أو وضعها.
نقد الذهبي
قال الذهبي وإذا روى الحديث وسكت أجاد وإذا بوب أو تكلم من عنده انحرف وحرفش بلي ذنبه وذنب أبي نعيم أنهما يرويان الأحاديث الساقطة والموضوعة ولا يهتكانها فنسأل الله العفو. وهذا نقد صريح من الذهبي يبين أن ابن منده كان حسن الرواية حين يقتصر على نقل الحديث لكنه كان يخطئ حين يتدخل بالتعليق والتصنيف من عند نفسه. وقد جعل الذهبي هذا العيب مشتركا بين ابن منده وأبي نعيم الأصبهاني فكلاهما يرويان الأحاديث الضعيفة دون بيان حالها.
أثر هذا النقد على توثيقه
لم يمنع هذا النقد من كون ابن منده حافظا كبيرا وإماما في الحديث لكنه جعل العلماء أكثر حذرا حين يروون عنه الأحاديث التي انفرد بها دون أن يتثبتوا من صحتها. فابن منده كجامع للحديث ومسمّر له لا يُضاهى لكنه كمستدرك ومعلق على الأحاديث يُحتاج إلى مراجعة وتدقيق.
مؤلفاته
خلف ابن منده عددا من المصنفات المهمة في مجالات الحديث والعقيدة والتاريخ وإن كان أكثرها قد فُقد أو لم يصلنا كاملا فإن ما بقي منه يدل على سعة علمه وعمق تبحره.
كتاب الإيمان
من أشهر كتب ابن منده كتابه الكبير في الإيمان الذي ذكره الذهبي فقال ولأبي عبد الله كتاب كبير في الإيمان في مجلد. وهذا الكتاب يتناول مسائل الإيمان وأركانه وحقيقته وزيادته ونقصانه وهو من الموضوعات التي اختلف فيها أهل العلم اختلافا كثيرا وكان ابن منده من أهل السنة الذين يرون أن الإيمان قول وعمل.
كتاب التوحيد
كذلك ألّف ابن منده كتابا في التوحيد وهو من الموضوعات العقدية التي كانت موضع جدل بين الفرق الإسلامية في عصره. وقد عُرف ابن منده بموقفه السني في مسائل الصفات والتوحيد خلافا للمعتزلة والجهمية الذين كانوا ينكرون بعض صفات الله تعالى.
كتاب التاريخ
ألّف ابن منده كتابا في التاريخ يحتوي على تراجم الرواة وأخبارهم ومروياتهم وهذا النوع من الكتب كان أساسيا لأهل الحديث لمعرفة أحوال الرواة والحكم على أسانيدهم.
كتاب معرفة الصحابة
من أهم كتب ابن منده كتاب معرفة الصحابة الذي يُعد من أوائل المصنفات في معرفة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأخبارهم وعددهم ومناقبهم. وقد اعتمد عليه كثير من العلماء بعده في تصانيفهم في الصحابة.
كتاب الكُنى
ألّف كذلك كتابا في الكُنى أي الأسماء التي تبدأ بأبي أو أم كأبي بكر وأبي هريرة وقد كان هذا النوع من المعرفة مهما لعلماء الحديث لتمييز الرواة الذين يُعرفون بكناهم دون أسمائهم.
جزء من روى هو وولده وولد ولده
وهذا مصنف فريد يجمع فيه ابن منده ما رواه هو بنفسه ثم ما رواه ابنه عنه ثم ما رواه حفيده عن أبيه عنه وهو يدل على استمرار العلم في آل منده عبر الأجيال.
بنو منده وأهل العلم في أصبهان
كانت أصبهان في القرن الرابع الهجري من حواضر العلم الكبرى في العالم الإسلامي وقد نبغ فيها كثير من الحفاظ والمحدثين منهم ابن منده وأبو نعيم وغيرهما. وقد جمعت هذه المدينة بين العلم والتجارة والعمران مما جعلها بيئة خصبة لنمو الحركة العلمية والتأليف.
التنافس العلمي
لم يخلُ جو أصبهان العلمي من التنافس والخصومة بين العلماء وقد كان بين ابن منده وأبي نعيم وحشة شديدة ذكرها الذهبي غير أن هذا التنافس لم يمنع كل منهما من الاعتراف بفضل الآخر. وهذا نمط شائع في تاريخ العلماء إذ إن الخصومات الشخصية كانت لا تُلغي التقدير العلمي الحقيقي.