قصة الرجل الصالح واللص
كان رجل صالح يكنى أبا معلق وكان تاجرا يتاجر بماله له ولغيره وكان ناسكا ورعا يقيم الليل ويصوم النهار ويحفظ حدود الله في سيره ومعاملاته. وقد عُرف بين الناس بتقواه وصدقه وأمانته حتى إنهم كانون يودعون أموالهم عنده طمعا في بركته وثقة في أمانته.
موقف اللص
فجاءه لص يريد قتله وسرقته في ليلة مظلمة من ليالي السفر فبدا له بسيفه وأراد أن يفتك به ويأخذ ما معه من مال ومتاع. فكان الرجل الصالح في خوف شديد واضطراب عظيم إذ لم يكن معه من يعينه ولا من يحميه واللص يقسم بالله ليقتلنه وليسلبنه ما يملك.
طلب الصلاة
قال أبو معلق للص ذرني أصلي أربع ركعات قال اللص صلِّ ما بدا لك. فأذن له اللص أن يصلي إذ ظن أنه لن ينفعه الصلاة شيئا وأنه سيقتله بعد فراغه منها لا محالة. غير أن أبا معلق كان يعلم أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وأن الله لا يضيع من دعاه ولا يخيب من رجاه.
توضؤه وصلاته
فتوضأ أبو معلق ثم صلى أربع ركعات مستعينا بالله تعالى ومتضرعا بين يديه مبتهلا إليه أن يكفيه شر هذا اللص. وقد أطال في سجوده وأكثر من الدعاء والتضرع والابتهال بين يدي الله عز وجل. فكان من دعائه في آخر سجدته وهو ساجد لربه خاشع متضرع.
دعاء المكروب
يا ودود يا ذا العرش المجيد أسألك بعزك الذي لا يرام وملكك الذي لا يضام وبنورك الذي ملأ أركان عرشك أن تكفيني شر هذا اللص يا مغيث أغثني يا مغيث أغثني ثلاث مرات. وهذا الدعاء العظيم يدل على معرفة أبي معلق بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى فقد دعا الله بأسمائه التي تليق بجلاله وعظمته ودعاه بصفة الودود التي تدل على محبته لعباده المتقين وبصفة المغيث التي تدل على أنه هو المخلص من الكروب والملجأ عند الملمات.
معنى الدعاء
يا ودود أي يا محبا لعبادك المؤمنين يا ذا العرش المجيد أي يا صاحب العرش العظيم الذي لا يوصف قدره. أسألك بعزك الذي لا يرام أي بعزتك التي لا يستطيع أحد أن ينالها أو ينازعك فيها. وملكك الذي لا يضام أي وسلطانك الذي لا يُهان ولا يُداس. وبنورك الذي ملأ أركان عرشك أي وبنورك العظيم الذي أضاء السماوات والأرض وملأ أركان عرشك المحيط بكل شيء. أن تكفيني شر هذا اللص أي أن تعصمني من شره وتدفع عني أذاه.
استجابة الله تعالى
فإذا بفارس أقبل بيده حربة وقتل اللص ثم أقبل إليه فقال من أنت فقد أغاثني الله بك اليوم. فهنا يظهر الفرج بعد الشدة والفرج بعد الضيق وقد أرسل الله من يخلص هذا الرجل الصالح من يد اللص دون أن يملك هو شيئا من الأمر فقد كان عاجزا عن دفع اللص عن نفسه بسلطانه وإنما دفع عنه بدعائه وتضرعه إلى الله.
حديث الفارس
قال الفارس أنا ملك من أهل السماء الرابعة دعوت بدعائك الأول فسمعت لأبواب السماء قعقعة ثم دعوت بدعائك الثاني فسمعت لأهل السماء ضجة ثم دعوت بدعائك الثالث فقيل دعاء مكروب مضررا فسألت الله تعالى أن يوليني قتله. فانظر إلى عظمة هذا الدعاء وكيف هز أبواب السماء وأحدث ضجة في أهل السماء حتى أذن الله لملك أن ينزل فيخلص هذا العبد المضطر من محنته.
عبر وفوائد من القصة
تحمل هذه القصة العديد من العبر والفوائد التي ينبغي لكل مسلم أن يتأملها ويعمل بها في حياته.
فضل الدعاء عند الكرب
من أعظم العبر في هذه القصة فضل الدعاء عند الكرب والشدائد فقد دعا أبو معلق ربه في أشد أوقاته ضيقا وحاجة فاستجاب الله له وأرسل من يخلصه من محنته. وهذا يوافق قوله تعالى أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء فالدعاء هو السلاح الذي لا ينبغي للمؤمن أن يسلبه وهو الملجأ الأول عند نزول البلاء.
فضل الصلاة والتضرع
طلب أبو معلق من اللص أن يصلي أربع ركعات ولم يطلب منه شيئا آخر من أمور الدنيا لأنه كان يعلم أن الصلاة عماد الدين وأنها صلة بين العبد وربه. وقد صلى أربع ركعات وأطال السجود لأن السجود أقرب ما يكون العبد من ربه فيه كما ورد في الحديث أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء فيه.
أسماء الله الحسنى ومكانتها
تُظهر القصة معرفة أبي معلق بأسماء الله الحسنى وكيف استعملها في دعائه فقد دعا بالودود وبذي العرش المجيد وبالعز الذي لا يرام والملك الذي لا يضام والنور الذي ملأ أركان العرش. وهذا يدل على أن الداعي إذا توسل إلى الله بأسمائه وصفاته كان دعاؤه أقرب للإجابة لأنه يحقق شرط الإخلاص والتوسل الصحيح.
تعجيل الفرَج للمضطر
يبين هذا الخبر أن الله تعالى يُعجّل الفرج للمضطر الذي لا يملك حولا ولا قوة إلا به وأنه يرسل إليه من يغيثه من حيث لا يحتسب. وهذا من رحمته سبحانه بعباده فإنه لا يتركهم وحدهم في كربهم بل يأتيهم الفرج من طرق لا تخطر لهم على بال.
أخلاق الرجل الصالح في القصة
يظهر من القصة أن أبا معلق كان رجلا صالحا على الحقيقة لا على الدعوى فقد جمع بين التجارة والنسك والورع وهذا تداخل نادر بين أهل الدنيا وأهل الآخرة. فكان يتاجر بماله ومع ذلك كان ناسكا ورعا لا يغفل عن الله في تجارته ولا في سفره.
الصبر عند المحنة
لم يفزع أبو معلق ولم يجزع حين واجه اللص بل طلب منه أن يصلي وهذا يدل على صبره العظيم ويقينه بالله وثقته بأن الله لن يضيعه. فالصبر عند أول الصدمة من أعظم علامات الإيمان واليقين وقد مدح الله الصابرين في كتابه فقال إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب.
التوكل على الله
لم يتكل أبو معلق على قوته أو حيلته بل توكل على الله وحده ودعاه من قلبه متضرعا وهذا هو التوكل الحقيقي أن يعلم العبد أنه لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله وأن جميع الأسباب المادية لا تنفع وحدها دون إذن الله وتوفيقه.
الدروس المستفادة في حياتنا اليوم
ما أحوجنا في زماننا هذا إلى أن نتأمل في هذه القصة ونستخلص منها ما ينفعنا في حياتنا اليومية فنحن نمر بضوائق ومحن نحتاج فيها إلى أن نلجأ إلى الله وندعوه كما دعاه أبو معلق.
عدم اليأس عند الشدائد
مهما اشتدت المحنة وضاقت السبل فإن على المسلم أن لا ييأس من روح الله فإن الفرج يأتي من بعد الشدة واليسر من بعد العسر وهذا وعد الله الذي لا يخلف الميعاد. واليأس من رحمة الله هو نفسه ذنب عظيم لأنه يدل على ضعف الثقة بالله وحسن الظن به.
المحافظة على الصلاة
الصلاة هي أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة وهي آخر وصية النبي صلى الله عليه وسلم لأمته وهي ما نصرت به الأمم في تاريخ الإسلام كله. فعلى المسلم أن يحافظ على صلاته في الرخاء والشدة وأن يجعلها ملجأه الأول عند نزول البلاء كما فعل أبو معلق.
الدعاء بأسماء الله الحسنى
ينبغي للمسلم أن يتعلم أسماء الله الحسنى ويتفهم معانيها حتى يستطيع أن يتوسل بها إلى الله في دعائه فإن الله وعد من دعاه أن يستجيب له كما قال تعالى ادعوني أستجب لكم. والتوسل بأسماء الله وصفاته من أعظم أبواب الإجابة وأقربها إلى القبول.
