ممارسة ألعاب الفيديو تحسن عمل الدماغ

ارتبطت ألعاب الفيديو لسنوات طويلة في أذهان كثير من الآباء والمربين بإضاعة الوقت والعزلة، لكن عدداً متزايداً من الأبحاث العلمية بدأ يطرح صورة أكثر تعقيداً، إذ تشير بعض الدراسات إلى أن ممارسة ألعاب الفيديو تحسن عمل الدماغ في جوانب معينة، كالانتباه البصري وسرعة الاستجابة والتنسيق بين اليد والعين، بينما يحذر باحثون آخرون من آثار الإفراط فيها.

بعد عرض نتائج الأبحاث التي أشار إليها المقال، نتناول في هذا المقال أنواع ألعاب الفيديو وتأثير كل منها، والمهارات الذهنية التي يدرسها العلماء، وحدود هذه النتائج، والجوانب السلبية المحتملة كاضطراب الألعاب، ونقدم إرشادات للاستخدام المتوازن للأطفال والبالغين.

ما تقوله الأبحاث عن الألعاب والدماغ


ممارسة ألعاب الفيديو وتحسين عمل الدماغ
وجد الباحثون في كثير من الدراسات و الأبحاث, أن ممارسة ألعاب الفيديو تحسن عمل الدماغ بأكثر من صورة, فهي تعمل على تحسين قدرة الفرد على اتخاذ القرارات,  والأبداع, و التخيل والتصور, كما تزيد من التنسيق بين حركة اليد و رؤية العين, مما يعزز بعض المهارات مثل قيادة السيارة ليلا.

تقول الأبحاث أن الذين يلعبون هذه الألعاب أسرع بما نسبته 25% من الأشخاص الأخرين بأتخاذ القرارت مع المحافظة على نفس الدقة, و كذلك هم أقدر على الاختيار و التصرف بسرعة فهم يستطيعون أجراء ست اختيارات في الثانية الواحدة وهم بذلك أسرع أربع مرات ممن لا يمارسون ألعاب الفيديو, كما وجد الباحثون في جامعة روتشستر, أنهم أيضا قادرين على المتابعة و التركيز على ست أشياء مختلفة دون خلط, فيما لا يستطيع الأخرون ممن لا يمارسون هذه الألعاب من التركيز على أكثر من أربع أشياء في نفس الوقت.

بالرغم من أن النساء أقل ممارسة لألعاب الكمبيوتر, فهم يشكلون نسبة 42% من اللاعبين, و يتهمن عادة بأنهن أقل من الرجال مهارة في التعامل مع ألعاب الفيديو, إلا أنهن أكثر قدرة في التفاعل و التعامل مع الكائنات ثلاثية الأبعاد (3D).

على الجانب الأخر تتهم بعض الدراسات ألعاب الفيدو بأنها تقوم ببعض التغيرات السلبية على أدمغة المراهقين, إذ تظهر بعض التغيرات بعد أسبوع واحد من ممارستها, لتؤدي فيما بعد إلى حالة من الاكتئاب, و عدم الاقبال على النشاطات الأخرى, و عدم القدرة على السيطرة على المشاعر, و تحمل ألعاب الأكشن و العنف أكبر جزء من المسؤولية في ذلك, مع العلم أن الدراسات التي تظهر فائدة ألعاب الفيديو تعطي أكبر الفضل لهذا النوع من ألعاب, في الواقع لا توجد دراسات تقارن بين سلبيات و إيجابيات ألعاب الفيدو, ولكننا نستطيع أن نحكم أن ممارسة هذه الألعاب باعتدال و وعي كافي قد يجعلنا أقرب للاستفاد منها بدل الضرر.

و الجدير بالذكر هنا, أن الإقبال العالمي حول ألعاب الفيديو الترفيهية في تزايد مستمر,إذا يقدر ما ينفقه العالم على هذه الألعاب بــ 25 مليار دولار سنويا.

أنواع ألعاب الفيديو

لا تُعد ألعاب الفيديو كتلة واحدة متجانسة، فهي تختلف اختلافاً كبيراً في طبيعتها ومتطلباتها الذهنية، ولذلك يختلف أثرها المحتمل في الدماغ. ومن أبرز أنواعها:

  • ألعاب الحركة والتصويب: تتطلب ردود فعل سريعة ومتابعة أهداف متعددة في وقت واحد، وهي النوع الذي ركزت عليه كثير من الدراسات المتعلقة بالانتباه البصري.
  • ألعاب الاستراتيجية: تعتمد على التخطيط وإدارة الموارد واتخاذ القرارات طويلة المدى.
  • ألعاب الألغاز: تنمي التفكير المنطقي وحل المشكلات والتعرف على الأنماط.
  • ألعاب المحاكاة: كمحاكاة القيادة والطيران وبناء المدن.
  • ألعاب تقمص الأدوار والقصص التفاعلية: تتضمن سرداً قصصياً وخيارات تؤثر في مسار الأحداث.
  • الألعاب الحركية: التي تتطلب حركة الجسم الفعلية أمام الشاشة.
  • الألعاب التعليمية: المصممة لتعليم مهارات أو معارف محددة.

المهارات الذهنية التي يدرسها العلماء

الانتباه البصري

أجرت مجموعات بحثية، من بينها فرق في جامعة روتشستر الأمريكية التي أشار إليها المقال، دراسات على تأثير ألعاب الحركة في قدرة اللاعبين على توزيع الانتباه ومتابعة عدة أهداف متحركة في وقت واحد. وأشارت نتائج بعض هذه الدراسات إلى أن لاعبي هذا النوع من الألعاب قد يتفوقون في مهام معينة من الانتباه البصري مقارنة بغير اللاعبين.

سرعة المعالجة واتخاذ القرار

تتطلب كثير من الألعاب اتخاذ قرارات سريعة بناءً على معلومات تتغير باستمرار، وتشير بعض الأبحاث إلى أن ذلك قد يرتبط بتحسن في سرعة الاستجابة دون فقدان كبير في الدقة في مهام مخبرية محددة.

التنسيق بين اليد والعين

يُعد من أكثر المهارات التي يُتوقع أن تتأثر بالألعاب، لأن اللاعب يحرك يديه باستمرار استجابة لما يراه، وقد استُخدمت ألعاب ومحاكيات في تدريب بعض المهن التي تحتاج إلى دقة حركية، كالتدريب على الجراحة بالمناظير وقيادة الطائرات.

المرونة الذهنية

تتطلب بعض الألعاب الانتقال السريع بين المهام وتغيير الاستراتيجية، ويدرس الباحثون علاقة ذلك بما يُعرف بالمرونة المعرفية، أي القدرة على التكيف مع قواعد جديدة.

حدود النتائج العلمية

من المهم قراءة هذه النتائج بحذر، لأسباب عدة يذكرها الباحثون أنفسهم:

  1. الارتباط لا يعني السببية: فقد يكون الأشخاص ذوو القدرات البصرية الجيدة أكثر ميلاً إلى ممارسة ألعاب الحركة، لا أن الألعاب هي التي حسنت قدراتهم.
  2. نقل المهارة: التحسن في مهمة داخل اللعبة أو في اختبار مخبري مشابه لا يعني بالضرورة تحسناً في الحياة اليومية أو في الذكاء العام.
  3. تنوع النتائج: بعض الدراسات لم تجد آثاراً واضحة، أو وجدت آثاراً أصغر مما أُعلن في البداية، ولا تزال المسألة موضع نقاش علمي.
  4. نوع اللعبة ومدتها: فالنتائج تختلف بحسب نوع اللعبة وعمر اللاعب وعدد ساعات اللعب.
  5. ألعاب تدريب الدماغ: واجهت بعض الشركات التي سوقت ألعاباً بوصفها تحسن الذكاء أو تقي من الخرف انتقادات من علماء رأوا أن الأدلة لا تدعم هذه الوعود الكبيرة.

الجوانب السلبية المحتملة

اضطراب الألعاب

أدرجت منظمة الصحة العالمية اضطراب الألعاب ضمن التصنيف الدولي للأمراض في مراجعته الحادية عشرة، ويُقصد به نمط مستمر من اللعب يفقد فيه الشخص السيطرة على وقت اللعب، ويقدمه على الأنشطة والمسؤوليات الأخرى، ويستمر فيه رغم العواقب السلبية، لفترة طويلة. ويؤكد المختصون أن هذا الاضطراب يصيب نسبة محدودة من اللاعبين، لكنه يستحق الانتباه.

قلة النشاط البدني والنوم

قد يؤدي اللعب لساعات طويلة إلى الجلوس المستمر وقلة الحركة، والسهر الذي يؤثر في جودة النوم والتحصيل الدراسي، إضافة إلى إجهاد العينين وآلام الرقبة والظهر.

المحتوى غير المناسب

تحتوي بعض الألعاب على مشاهد عنف أو محتوى لا يناسب الأطفال، ولهذا وُضعت أنظمة تصنيف عمرية للألعاب يُنصح الأهل بالرجوع إليها. أما علاقة ألعاب العنف بالسلوك العدواني فهي من أكثر القضايا جدلاً في الأبحاث، وتتباين نتائج الدراسات حولها.

الإنفاق داخل الألعاب

تعتمد ألعاب كثيرة على المشتريات داخل اللعبة وصناديق المكافآت العشوائية، وهو ما قد يدفع الأطفال والمراهقين إلى إنفاق مبالغ دون وعي، ويثير نقاشاً حول تشابه بعض هذه الآليات مع المقامرة.

إرشادات للاستخدام المتوازن

  • تحديد وقت يومي معقول للعب، والالتزام به، خاصة للأطفال في أيام الدراسة.
  • اختيار ألعاب مناسبة للعمر بالرجوع إلى التصنيفات العمرية.
  • تنويع الألعاب بين الألغاز والاستراتيجية والألعاب الحركية والتعليمية.
  • أخذ فترات راحة منتظمة لتحريك الجسم وإراحة العينين.
  • إبعاد الأجهزة عن غرف النوم قبل وقت النوم بفترة كافية.
  • مشاركة الأهل أبناءهم في بعض الألعاب لفهم محتواها وبناء الحوار معهم.
  • ضبط إعدادات الشراء والرقابة الأبوية في الأجهزة.
  • الحفاظ على التوازن مع الأنشطة الأخرى كالرياضة والقراءة واللقاءات الاجتماعية الواقعية.

الألعاب في التعليم والعلاج

اتجهت مؤسسات تعليمية وصحية في السنوات الأخيرة إلى الاستفادة من عناصر الألعاب في مجالات جادة، وهو ما يُعرف بالتلعيب، أي توظيف آليات اللعب كالنقاط والمستويات والتحديات لزيادة الدافعية. فهناك تطبيقات تعليمية تحول تعلم اللغات والرياضيات إلى مراحل وتحديات، وألعاب تستخدم في إعادة التأهيل الحركي بعد الإصابات، وأخرى يدرس الباحثون إمكان استخدامها في دعم الأطفال الذين يعانون من صعوبات في الانتباه، وقد حصلت إحدى هذه الألعاب في الولايات المتحدة على موافقة تنظيمية بوصفها أداة علاجية مساعدة في هذا المجال.

كما تُستخدم المحاكيات على نطاق واسع في تدريب الطيارين والجراحين والسائقين والعسكريين، لأنها تتيح التدرب على مواقف صعبة أو خطرة في بيئة آمنة. ويرى المختصون أن هذه الاستخدامات تُظهر أن الألعاب أداة يتوقف أثرها على طريقة تصميمها واستخدامها.

الجانب الاجتماعي للألعاب

لم تعد الألعاب نشاطاً فردياً منعزلاً في أغلب الأحيان، فكثير منها جماعي يلعبه الأصدقاء معاً عبر الإنترنت، ويتطلب التعاون والتواصل وتوزيع الأدوار. ويمكن أن يكون ذلك مساحة لتكوين صداقات وتعلم العمل الجماعي، لكنه يحتاج إلى وعي بمخاطر التواصل مع الغرباء والتنمر الإلكتروني، خاصة لدى الأطفال.

أسئلة شائعة

هل تجعل ألعاب الفيديو الإنسان أذكى؟

لا تثبت الأبحاث الحالية أن الألعاب ترفع الذكاء العام، لكن بعض الدراسات تشير إلى تحسن في مهارات محددة كالانتباه البصري وسرعة الاستجابة لدى لاعبي أنواع معينة من الألعاب.

كم ساعة لعب تُعد مقبولة؟

لا يوجد رقم واحد يناسب الجميع، والمهم ألا يؤثر اللعب في النوم والدراسة والعمل والنشاط البدني والعلاقات، وتقدم جهات طبية وتربوية توصيات عامة لأوقات الشاشة بحسب العمر.

متى يصبح اللعب مشكلة؟

حين يفقد الشخص السيطرة على وقته، ويهمل مسؤولياته، ويستمر رغم الأضرار الواضحة، ويشعر بالتوتر الشديد عند منعه، وعندها يُنصح باستشارة مختص.

خلاصة

تقدم الأبحاث صورة متوازنة عن ألعاب الفيديو، فبعضها يشير إلى فوائد محتملة في الانتباه البصري وسرعة اتخاذ القرار والتنسيق الحركي، خاصة مع ألعاب الحركة، لكن هذه النتائج محدودة بنوع اللعبة وطبيعة المهام المقيسة ولا تعني رفع الذكاء العام. وفي المقابل، قد يؤدي الإفراط إلى مشكلات في النوم والحركة والتحصيل، وقد يصل لدى قلة إلى اضطراب الألعاب. والاعتدال والاختيار الواعي والمتابعة الأسرية هي مفاتيح الاستفادة دون ضرر.

يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !