الشرطة الإندونيسية تعالج مشكلة بطريقة غبية

ظاهرة تسلق أسقف القطارات في إندونيسيا

تعد إندونيسيا من أكبر الدول الأرخبيلية في العالم، حيث تتألف من آلاف الجزر الممتدة على مساحة شاسعة، ويقطنها أكثر من مئتي مليون نسمة. ومع هذا التعداد الضخم للسكان، تواجه الدولة تحديات هائلة في مجال البنية التحتية وخاصة وسائل النقل العام. ومن أبرز هذه التحديات ظاهرة لفتت أنظار العالم بأسره، وهي ظاهرة تسلق الركاب لأسقف القطارات والسفر فوقها بدلا من الركوب في الداخل، وهي مشهد أصبح مألوفا في العديد من المدن الإندونيسية الكبرى.

ركاب يجلسون فوق سطح قطار مزدحم في إندونيسيا بجانب هيكل معدني معلق بكرات إسمنتية

أسباب الظاهرة وانتشارها

لا يمكن فهم هذه الظاهرة دون النظر إلى الأسباب العميقة التي تدفع آلاف الأشخاص يوميا لركوب أسطح القطارات المتهالكة رغم المخاطر الجسيمة التي يتعرضون لها. فالفقر المدقع هو الدافع الأول والأهم، إذ إن الكثير من سكان إندونيسيا لا يملكون القدرة على دفع أجرة القطارات النظامية، فيضطرون إلى التسلق فوق الأسطح للوصول إلى أعمالهم ومنازلهم دون أن يدفعوا شيئا. كما أن الاكتظاظ الشديد داخل العربات يجعل من المستحيل أحيانا العثور على مكان للوقوف، فضلا عن الجلوس، مما يدفع بالركاب اليائسين إلى السطح كبديل وحيد متاح.

وتتفاقم المشكلة في ساعات الذروة الصباحية والمسائية، وكذلك في موسم الأعياد والمناسبات الدينية حين تزداد حركة السفر بشكل استثنائي. وتشير التقارير إلى أن مئات الأشخاص يتسلقون أسطح القطارات يوميا في العاصمة جاكرتا وحدها، مما يشكل مشهدا غير مسبوق في معظم دول العالم.

المحاولات السابقة للحد من الظاهرة

لم تتوقف السلطات الإندونيسية عن محاولة إيجاد حل لهذه الظاهرة الخطيرة، لكن جميع المحاولات المتخذة حتى الآن إما باءت بالفشل أو أثارت جدلا واسعا حول جدواها وأخلاقيتها. وقد تنوعت هذه المحاولات بين تقليدية وبدائية وصولا إلى حلول وصفت بالغباء والقسوة.

عمال يركبون حواجز معدنية معلقة بكرات إسمنتية فوق مسار السكة الحديدية

استخدام الكلاب لتخويف الركاب

كانت إحدى أولى المحاولات التي لجأت إليها الشرطة الإندونيسية هي إطلاق كلاب الحراسة على محطات القطارات لتخويف الركاب ومنعهم من التسلق فوق الأسطح. لكن هذه الطريقة لم تحقق النتائج المرجوة، إذ سرعان ما تعلم الركاب كيفية تجاوز الكلاب أو الابتعاد عن الأماكن التي تتمركز فيها، كما أن الكلاب لم تكن قادرة على الوصول إلى الركاب فوق الأسطح المتحركة.

وضع الأسلاك الشائكة على الأسقف

بعد فشل تجربة الكلاب، لجأت السلطات إلى تركيب أسلاك شائكة على حواف وأسطح عربات القطارات، على أمل أن تمنع هذه الأسلاك الركاب من التسلق. غير أن هذه الطريقة أثبتت عدم فعاليتها أيضا، إذ تمكن الركاب من إزالة الأسلاك أو تحطيمها، بل إن بعضهم وجد طرقا ملتوية للمرور بينها والتسلق رغم وجودها.

دهان الأسقف بدهان أحمر لزج

في محاولة أخرى أكثر غرابة، قررت السلطات دهان أسطح القطارات بمادة دهان حمراء لزجة تلتصق بملابس الركاب وتلطخها بشكل مزعج. كان الهدف من هذا الإجراء هو إحراج الركاب وتشويه ملابسهم كوسيلة ردع نفسية. لكن هذه الطريقة أثبتت فشلها هي الأخرى، إذ إن الركاب الفقراء لم يكترثوا بتلطخ ملابسهم طالما أن ذلك يعني الوصول إلى وجهتهم مجانا.

الحل الأخير: الكرات الإسمنتية المعلقة

بعد سلسلة من المحاولات الفاشلة، قررت السلطات الإندونيسية أخيرا اللجوء إلى وسيلة وُصفت بأنها الأكثر قسوة وخطورة على الإطلاق، وهي تعليق كرات إسمنتية ضخمة على حواجز معدنية تُرفع في أماكن متعددة من مناطق مرور القطارات. وتعمل هذه الكرات على ضرب أي راكب يحاول البقاء فوق سطح القطار أثناء مروره تحت الحاجز المعدني.

لقطة واسعة للحواجز المعدنية المثبتة فوق السكة الحديدية مع كرات إسمنتية معلقة

كيف تعمل هذه الكرات الإسمنتية

الفكرة وراء هذا الحل بسيطة في ظاهرها لكنها مدمرة في جوهرها. تُثبت حواجز معدنية عرضية فوق مسار السكة الحديدية في نقاط محددة، وتُعلق من هذه الحواجز كرات إسمنتية ثقيلة بسلاسل حديدية قصيرة. وعندما يمر القطار تحت هذه الحواجز، تصطدم الكرات الإسمنتية بأي شخص يقف أو يجلس فوق سطح القطار، مما يؤدي إلى إصابته إصابات بالغة أو قذفه من على السطح بالكامل.

حجم الكرات وطريقة تعليقها

يصل حجم الكرات الإسمنتية التي تم تعليقها فوق القطارات إلى حجم حبة البرتقال تقريبا، وتم تعليقها بسلاسل حديدية قصيرة تسمح لها بالتحرك والتأرجح مع رياح مرور القطار، مما يزيد من قوة الاصطدام وفعالية الضربة. وتتوقع السلطات أن تحد هذه الكرات الإسمنتية من ظاهرة ركوب الأسطح وتنهيها بحيث ستتسبب بإصابات خطيرة للراكبين على أسقف القطارات هذا إن لم تقذفهم من على سطح القطار بالكامل.

مخاطر هذا الحل وانتقاداته

أثار هذا الإجراء موجة عارمة من الانتقادات داخل إندونيسيا وخارجها، حيث وصفه كثيرون بأنه حل يفتقر إلى أبسط معايير الإنسانية والمنطق. فبدلا من معالجة الأسباب الجذرية للظاهرة، اختارت السلطات معاقبة الضحايا أنفسهم بتهديد حياتهم بشكل مباشر.

قطار مزدحم بالركاب فوق سطحه وعلى جوانبه في إندونيسيا

تهديد حياة الركاب الفقراء

إن أخطر ما في هذا الحل هو أنه يستهدف حياة أشخاص أبرياء لا يملكون بديلا آخر للتنقل. فالركاب الذين يتسلقون أسطح القطارات ليسوا مجرمين أو مثيرين للشغب، بل هم مواطنون فقراء يحاولون الوصول إلى أماكن عملهم أو منازلهم بأي وسيلة متاحة. واستخدام كرات إسمنتية لضربهم قد يتسبب في إصابات خطيرة في الرأس والعمود الفقري، أو حتى في الوفاة إذا سقط الراكب من على القطار المتحرك. إن هذا الحل يعاقب الفقراء مرتين: مرة بحرمانهم من وسائل نقل مريحة وآمنة، ومرة أخرى بتهديد حياتهم إذا حاولوا التكيف مع الواقع المفروض عليهم.

تصرف غبي بدلا من حل المشكلة

لا يخفى على أي مراقب محايد أن هذا الحل يعكس قصورا شديدا في التفكير والتخطيط. فالمشكلة الأساسية تكمن في نقص وسائل النقل العام وفي ارتفاع أسعار التذاكر مقارنة بمستوى دخل المواطنين، فضلا عن تقادم شبكة القطارات وعجزها عن استيعاب الأعداد الهائلة من الركاب. وكان الأجدر بالسلطات أن تستثمر الأموال المنفقة على تركيب الحواجز والكرات الإسمنتية في تطوير البنية التحتية للنقل وزيادة عدد القطارات وتخفيض أسعار التذاكر. إن معالجة الأعراض بدل الأسباب لن يؤدي إلا إلى تفاقم المشكلة وخلق أزمات جديدة.

شبكة القطارات في إندونيسيا

لفهم أبعاد هذه المشكلة بصورة أعمق، لا بد من التعرف على واقع شبكة القطارات في إندونيسيا والتاريخ الطويل الذي شكّل ملامحها الحالية. فهذه الشبكة ليست نتاج تخطيط حديث بل هي إرث استعماري ورثته الدولة عن حقبة طويلة من الهيمنة الأجنبية.

من بقايا الاستعمار الهولندي

يذكر أن سلسلة خطوط القطارات المتهالكة في إندونيسيا هي من بقايا الاستعمار الهولندي منذ ما يزيد عن ستة عقود. فالهولنديون هم من بنوا هذه الشبكة في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي لخدمة مصالحهم الاقتصادية، وتحديدا لنقل المواد الخام من مناطق الاستخراج إلى الموانئ للتصدير. وبعد رحيل المستعمر، لم تشهد الشبكة تحديثات جوهرية تذكر، وظلت تعمل بنفس البنية القديمة رغم تضاعف عدد السكان عشرات المرات.

الازدحام في ساعات الذروة والمناسبات

تستخدم شبكة القطارات بشكل واسع في البلاد المترامية الأطراف للتنقل بين المدن والقرى، وتمتلئ بشكل كبير خاصة خلال ساعات الذروة الصباحية والمسائية وكذلك في مواسم الأعياد والمناسبات الدينية. وفي هذه الأوقات يتحول ركوب القطار إلى تجربة شبه مستحيلة، حيث تتكدس العربات بالركاب داخلها وخارجها وعلى أسطحها وعلى جوانبها. وتتكرر حوادث السقوط والاصطدام بشكل مأساوي، وتسجل السلطات عشرات الوفيات سنويا نتيجة هذه الظاهرة.

الحلول البديلة الممكنة

بدلا من اللجوء إلى حلول قاسية ومهددة للحياة، كان بإمكان السلطات الإندونيسية اعتماد مقاربات أكثر ذكاء وإنسانية لمعالجة هذه المشكلة المزمنة. ومن أبرز هذه الحلول المقترحة:

زيادة عدد القطارات وتحديثها

إن الاستثمار في شراء قطارات جديدة ومزيد من العربات من شأنه أن يوسع الطاقة الاستيعابية للشبكة ويقلل من الاكتظاظ داخل العربات، مما يقلل تلقائيا من دافع التسلق فوق الأسطح. كما أن تحديث القطارات القديمة وتحسين مستوى الخدمة سيشجع المزيد من الركاب على استخدام النقل النظامي.

تخفيض أسعار التذاكر

بما أن العامل الاقتصادي هو الدافع الأول لركوب الأسطح، فإن تخفيض أسعار التذاكر أو تقديم تذاكر مخفضة للفئات الأكثر فقرا سيمكن الكثيرين من الركوب بشكل قانوني داخل العربات بدلا من المخاطرة بحياتهم فوق الأسطح.

تشديد الرقابة وتوفير بدائل

يمكن تعزيز وجود أفراد الأمن في المحطات لمنع التسلق، شريطة أن يتزامن ذلك مع توفير بدائل مناسبة للركاب المحرومين. فالتشديد الأمني وحده دون توفير بدائل لن يحقق أي نتيجة دائمة، كما أثبتت التجارب السابقة.

دلالات هذه الظاهرة

إن ظاهرة ركوب أسطح القطارات في إندونيسيا لا تمثل مجرد مشكلة نقل محلية، بل تعكس أزمة أعمق تتعلق بالفوارق الاقتصادية الهائلة بين طبقات المجتمع، وبالقصور الحكومي في توفير الخدمات الأساسية للمواطنين. فحين يضطر الإنسان للمخاطرة بحياته يوميا للوصول إلى عمله، فإن ذلك يعني أن هناك خللا جوهريا في المنظومة الاقتصادية والاجتماعية يحتاج إلى معالجة جذرية لا إلى حلول ترقيعية قاسية.

كما أن هذه الظاهرة تطرح أسئلة محرجة حول أولويات الحكومات في الدول النامية، وحول مدى التزامها برعاية مواطنيها وتوفير سبل العيش الكريم لهم. فالأموال المنفقة على الحلول البدائية الفاشلة كان يمكن توجيهها نحو مشاريع تنموية حقيقية تعالج جذور المشكلة بدلا من التعامل مع أعراضها بأساليب تفتقر إلى أبسط قيم الإنسانية.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !