المعوذتان ومكانتهما في القرآن الكريم
سورتا الفلق والناس تُعرفان بالمعوذتين وهما من أقصر سور القرآن الكريم وأكثرها تلاوة على ألسنة المسلمين في صلواتهم وأورادهم اليومية. وقد ورد عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: ألم تر آيات أُنزلت الليلة لم يُر مثلهن قط: قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس. وهذا الحديث يُبرز مكانة هاتين السورتين ويدل على أنهما تحملان معانٍ عظيمة تستحق التأمل والفهم.
وفي الحقيقة من أجمل المعلومات التي يُمكن أن يطلع عليها المسلم هي معرفة الفرق الدقيق بين المعوذتين في المعنى والغرض. فكلاهما سورة تعوذ واستعاذة بالله تعالى من الشرور لكن كل منهما تتناول جانبا مختلفا من جوانب الشر الذي يُصيب الإنسان مما يُكشف عن دقة البيان القرآني وإعجازه في التشريع والتوجيه.
سورة الفلق: الاستعاذة من الشرور الخارجية
سورة الفلق هي سورة مكية تتناول الاستعاذة بالله تعالى من الشرور التي تأتي الإنسان من خارجه وهي الشرور التي تهدده من بيئته ومحيطه الخارجي. وقد بدأت السورة بقوله تعالى: قل أعوذ برب الفلق وهو الصبح المُنعكس عن كل شيء ثم ذكرت أنواعا من الشرور التي يستعاذ منها.
الليل إذا أظلم
من أول الشرور الخارجية التي ذكرتها السورة الليل إذا أظلم. فالليل هو مظنة كثرة الشرور والآثام إذ ينتشر فيه الفساد وتكثر فيه الساحرات اللاتي ينفخن في عقد السحر. وقد كان العرب في الجاهلية يخافون الليل خوفا شديدا لما يعتقدون فيه من شرور وأرواح خبيثة فجاءت السورة للاستعاذة بالله من شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقب أي الليل إذا أظلم.
والليل بظلامه يُخفي كثيرا من الشرور عن الأعين فتتمكن الساحرات والحاسدون من العمل في الخفاء بعيدا عن مراقبة الناس. ولذلك كان من الحكمة أن يبدأ الله تعالى الاستعاذة بشر الليل لأنه البيئة التي تنشط فيها القوى الشريرة الخارجية.
القمر إذا غاب
ومن الشرور الخارجية أيضا القمر إذا غاب. فغياب القمر يعني اشتداد الظلمة وزيادة الخوف والقلق في نفوس الناس. وقد كان غياب القمر في الليل موضع خوف عند العرب لأنه يُفقدهم النور الذي يهتدون به في ظلمات الليل.
وهذان الوقتان وهما الليل إذا أظلم والقمر إذا غاب هما مظنة كثرة الشرور والساحرات اللاتي ينفخن في عقد السحر والحسد. فالاستعاذة من شرور هذين الوقتين هي استعاذة من كل شر خارجي يأتي الإنسان من محيطه وبيئته.
السحر والحسد
وذكرت السورة كذلك الاستعاذة من شر النفاثات في العقد وهن الساحرات اللاتي ينفخن في عقد السحر ومن شر حاسد إذا حسد. فالسحر والحسد هما من أبرز الشرور الخارجية التي تُصيب الإنسان من غيره وهي شرور يقع فيها صاحبها بإرادته ويتعمد إيذاء الآخرين بها.
والسحر عمل خبيث يقوم به ساحر خارجي يريد الإضرار بالمسلم أما الحسد فهو تمني زوال النعمة عن الغير وهو شر ينبع من نفس الحاسد لكن أثره يصل إلى المحسود من خارجه. ولذلك كانت الاستعاذة من هذين الشرور في سورة الفلق التي تتناول الشرور الخارجية.
سورة الناس: الاستعاذة من الشرور الداخلية
أما سورة الناس فهي سورة مدنية تتناول الاستعاذة بالله تعالى من الشرور التي تنبع من داخل الإنسان نفسه. وهذه الشرور أشد خطرا وأعمق أثرا لأنها ملازمة للإنسان لا تفارقه وهي تأتيه من داخله حيث لا يستطيع الهرب منها ولا الابتعاد عنها.
الوسواس وهو القرين
أول الشرور الداخلية التي ذكرتها السورة هو الوسواس وهو القرين. فالوسواس هو ذلك الصوت الداخلي الذي يُلقي في نفس الإنسان الأفكار السيئة والشكوك والوساوس المُضلة. وهو من عمل الشيطان الذي يوسوس في صدور الناس ليُزين لهم الشر ويُقبح لهم الخير.
والوسواس أخطر من الشرور الخارجية لأنه يأتيك من داخلك وأنت في أضعف حالاتك من الغفلة والضعف. فالشيطان ينتظر لحظة غفلتك ليُلقي بوسواسه في قلبك ويُحاول إضلالك عن طريق الحق والصواب.
النفس الأمارة بالسوء
ومن الشرور الداخلية أيضا النفس الأمارة بالسوء إذا غفل المسلم. فالنفس البشرية بطبيعتها تميل إلى الشهوات والملذات وتحتاج إلى مجاهدة مستمرة لتتغلب على أهوائها. وإذا غفل المسلم عن ربه وعن مراقبته لنفسه فإن النفس الأمارة تأخذه إلى المعاصي والآثام دون أن يشعر.
والنفس الأمارة بالسوء هي العدو الداخلي الذي لا ينام ولا يغفل وهي أشد أعداء الإنسان لأنها ملازمة له لا تفارقه لحظة واحدة. ولذلك كانت الاستعاذة من شرها في سورة الناس التي تتناول الشرور الداخلية الملازمة للإنسان.
لماذا الشرور الداخلية أشد من الخارجية
والشرور الداخلية أشد من الخارجية لسببين جوهريين. أما السبب الأول فهو أن الشرور الخارجية يُمكن للإنسان أن يبتعد عنها ويتجنبها فإن خاف من سحر ابتعد عن السحرة وإن خاف من حسد ابتعد عن الحاسدين وإن خاف من شر الليل لزم بيته وأغلق أبوابه.
أما السبب الثاني فهو أن الشرور الداخلية ملازمة للإنسان لا تنفك عنه أبدا. فالوسواس يأتيك وأنت في بيتك وأنت في مسجدك وأنت في أي مكان تتواجد فيه. والنفس الأمارة بالسوء ترافقك أينما ذهبت ولا تتركك لحظة واحدة. فلا سبيل إلى الهرب من شرور النفس والوسواس لأنها في داخلك ومعك أينما كنت.
ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ بالله من نفسه كما ورد في دعائه: اللهم إني أعوذ بك من نفسي وقال أيضا اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي. وهذا يُؤكد أن الشر الداخلي هو الأخطر والأشد لأنه لا يُمكن تجنبه بالابتعاد الجسدي كما هو الحال مع الشرور الخارجية.
دلالة تكرار الاستعاذة في سورة الناس
ومن لطائف القرآن الكريم أن سورة الفلق ذكرت الاستعاذة مرة واحدة بقوله تعالى: قل أعوذ برب الفلق ثم ذكرت المستعاذ منه. أما سورة الناس فقد ذكرت الاستعاذة ثلاث مرات بقوله تعالى: قل أعوذ برب الناس وملك الناس وإله الناس ثم ذكرت المستعاذ منه.
وهذا التكرار ليس عبثا بل له دلالة عميقة. فالاستعاذة من الشرور الداخلية تحتاج إلى قوة أكبر وتوكّل أعمق على الله تعالى لأنها شرور ملازمة لا يُمكن الهرب منها. ولذلك كرر الله تعالى صفاته الثلاث: الرب والملك والإله ليبين للمسلم أنه يحتاج إلى رب يربه ويربيه وملك يملكه ويحكمه وإله يعبده ويتوكل عليه ليتغلب على شرور نفسه ووسواس شيطانه.
فأنت تقول في الفلق: قل أعوذ برب الفلق ثم تذكر المستعاذ منه مرة واحدة. أما في الناس فتقول: قل أعوذ برب الناس ثم ملك الناس ثم إله الناس أي تستعيذ ثلاثا ثم تذكر المستعاذ منه. وهذا يعني أن الشر الداخلي يحتاج إلى استعاذة مضاعفة وتوجه أقوى إلى الله تعالى.
فضل قراءة المعوذتين
من عرف هذا المعنى العميق للمعوذتين تبين له سبب الفضائل الكثيرة التي حُشدت لهما. فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ المعوذتين في كل صباح ومساء ويعلّم أصحابه أن يقرأوها ويُرقّي بها المريض منهم. وكان صلى الله عليه وسلم يقرأهما بعد كل صلاة مكتوبة ويُنفث بهما في كفيه قبل النوم ومسح بهما جسده.
وروى عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذتين وينفث وعندما اشتد به الوجع كانت تنفث عليه بهما وتدلكه بيده الشريفة. وهذا يدل على أن المعوذتين هما شفاء من كل داء ووقاية من كل شر سواء كان خارجيا أو داخليا.
الجمع بين المعوذتين في الأذكار اليومية
يُسن للمسلم أن يجمع بين المعوذتين في أذكار الصباح والمساء وفي الرقية الشرعية وفي أعقاب الصلوات المكتوبات. فمن يقرأ المعوذتين يُوقى بإذن الله من جميع الشرور الخارجية والداخلية لأنه قد استعاذ بالله من كل نوعي الشر اللذين يُصيبان الإنسان.
فسورة الفلق تحميه من كل شر خارجي يأتيه من محيطه وبيئته وسورة الناس تحميه من كل شر داخلي ينبع من نفسه ووسواسه. وبذلك يحصل المسلم على وقاية شاملة تحيط به من كل جانب وتحميه من كل ما يُمكن أن يضرّه في دينه ودنياه.
وهذا من رحمة الله تعالى بعباده أن جعل لهم في كل مشكلة حلا وفي كل شر ملاذا وفي كل خوف أمنا. فمن واظب على قراءة المعوذتين بقلب حاضر ويقين صادق فإن الله تعالى يتولاه ويكفيه ويحميه من بين يديه ومن خلفه.
.png)