من بين الأنصار الذين كان لهم أثر بارز في نصرة الإسلام بالمدينة، يبرز اسم أسيد بن حضير، سيد بني عبد الأشهل من الأوس، الذي جمع بين الشجاعة ورجاحة العقل وحب القرآن. وقد كانت قصة إسلامه على يد مصعب بن عمير من أجمل صفحات الدعوة في يثرب.
يتناول هذا المقال سيرته كما وردت، ثم يتوسع في البيئة التي نشأ فيها، ومكانة قبيلته في المدينة، ودوره في الأحداث الكبرى، وأبرز صفاته التي ذكرها أهل السير، مع الاقتصار على ما تتداوله المصادر المعروفة.
سيرته وقصة إسلامه ومواقفه
مقدمة:
إنه أسيد بن حضير بن عبد الأشهل الأنصاري -رضي الله عنه-، فارس قومه ورئيسهم، فأبوه حضير الكتائب زعيم الأوس، وواحد من كبار أشراف العرب في الجاهلية.
قصة إسلامه:
وكان أسيد أحد النقباء الذين اختارهم الرسول ( ليلة العقبة الثانية، فقد أسلم أسيد بعد بيعة العقبة الأولى، عندما بعث النبي ( مصعب بن عمير إلى المدينة، فجلس هو وأسعد بن زرارة في بستان، وحولهما أناس يستمعون إليهما،وبينما هم كذلك، كان أسيد بن حضير، وسعد بن معاذ زعيما قومهما يتشاوران في أمر مصعب بن عمير الذي جاء يدعوإلى دين جديد.
فقال سعد لأسيد: انطلق إلى هذا الرجل، فازجره، فحمل أسيد حربته وذهب إليهما غضبان، وقال لهما: ما جاءبكما إلى يِّنا (مدينتنا)، تسفهان ضعفاءنا)؟ اعتزلانا، إذا كنتما تريدان الحياة. فقال له مصعب: أَوَ تَجْلِس فتسمع، فإن رضيت أمرًا قبلته، وإن كرهته كففنا عنك ما تكره؟ فقال أسيد: لقد أنصفت، هاتِ ما عندك. فأخذ مصعب يكلمه عنالإسلام ورحمته وعدله، وراح يقرأ عليه آيات من القرآن، فأشرق وجه أسيد بالنور، وظهرت عليه بشاشة الإسلام حتىقال من حضروا هذا المجلس: والله (لقد عرفنا في وجه أسيد الإسلام قبل أن يتكلم، عرفناه في إشراقه وتسهله.
ولم يكد مصعب ينتهي من حديثه حتى صاح أسيد قائلاً: ما أحسن هذا الكلام وأجمله، كيف يصنع من يريد أن يدخلفي هذا الدين؟ فقال له مصعب: تطهّر بدنك وثوبك، وتشهد شهادة الحق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسولالله، ثم تصلي.
إسلام أسيد:
فقام أسيد مسرعًا فاغتسل وتطهر ثم صلى ركعتين معلنًا إسلامه. وعاد أسيد إلى سعد بن معاذ، وما كاد يقتربمن مجلسه، حتى قال سعد لمن حوله: أقسم، لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به، ثم قال له سعد: ماذافعلت؟ فقال أسيد: كلمت الرجلين، فوالله ما رأيت بهما بأسًا، وقد نهيتهما، فقالا لي: نفعل ما أحببت، ثم قال أسيد لسعد بنمعاذ: لقد سمعت أن بني حارثة قد خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه، وهم يعلمون أنه ابن خالتك، فقام سعد غضبان وفييده حربته ، ولما وصل إلى مصعب وأسعد وجدهما جالسين مطمئنين، عندها أدرك أن هذه حيلة من أسيد لكي يحملهعلى السعي إلى مصعب لسماعه، واستمع سعد لكلام مصعب واقتنع به وأعلن إسلامه، ثم أخذ حربته، وذهب معأسيد بن حضير إلى قومهما يدعوانهم للإسلام، فأسلموا جميعًا.
إستقبال أسيد للرسول:
وقد استقبل أسيد النبي ( لما هاجر إلى المدينة خير استقبال، وظل أسيد يدافع عن الإسلام والمسلمين، فحينماقال عبد الله بن أبي بن سلول لمن حوله من المنافقين أثناء غزوة بني المصطلق: لقد أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهمأموالكم ، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير دياركم، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منهاالأذل.
وذات ليلة أخذ يقرأ القرآن، وفرسه مربوطة بجواره، فهاجت الفرس حتى كادت تقطع الحبل، وعلا صهيلها، فسكتعن القراءة فهدأت الفرس ولم تتحرك، فقرأ مرة ثانية فحدث للفرس ما حدث لها في المرة الأولى، وتكرر هذا المشهدعدة مرات، فسكت خوفًا منها على ابنه الصغير الذي كان ينام في مكان قريب منها، ثم نظر إلى السماء فإذا به يرى غمامة مثل الظلة في وسطها مصابيح مضيئة، وهى ترتفع إلى السماء.
فلما أصبح ذهب إلى الرسول ( وحدثه بما رأى، فقال له النبي (: (تلك الملائكة دنت (اقتربت) لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم) [البخاري].
حياته:
وعاش أسيد -رضي الله عنه- عابدًا قانتًا، باذلا روحه وماله في سبيل الله، وندم أسيد على تخلفه عن غزوة بدر،وقال: ظننت أنها العير، ولو ظننت أنه غزو ما تخلفت. [ابن سعد]، وقد جرح أسيد يوم أحد سبع جراحات، ولم يتخلف عن غزوة بعدها قط.
وبعد وفاة النبي ( اجتمع فريق من الأنصار في سقيفة بني ساعدة على رأسهم سعد بن عبادة، وأعلنوا أحقيتهم بالخلافة، وطال الحوار، واشتد النقاش بينهم، فوقف أسيد بن حضير مخاطبًا الأنصار قائلاً: تعلمون أن رسول الله (كان من المهاجرين، فخليفته إذن ينبغي أن يكون من المهاجرين، ولقد كنا أنصار رسول الله، وعلينا اليوم أن نكون أنصار خليفته.
المدينة قبل الهجرة: الأوس والخزرج
كانت يثرب قبل الإسلام موطنًا لقبيلتين عربيتين كبيرتين هما الأوس والخزرج، إلى جانب قبائل يهودية. وقد عاشت القبيلتان حروبًا طويلة متقطعة كان آخرها يوم بعاث الذي وقع قبل الهجرة بسنوات قليلة، وقُتل فيه حضير الكتائب والد أسيد، وكان من زعماء الأوس. وأنهكت هذه الحروب أهل المدينة، فكان استعدادهم لقبول دعوة توحدهم وتنهي العداوة بينهم أكبر.
بنو عبد الأشهل
بنو عبد الأشهل بطن من الأوس، ومنهم سعد بن معاذ وأسيد بن حضير، وكانا من سادة قومهما. ولما أسلم هذان السيدان تبعهما كثير من قومهما، وهو ما يبين أثر إسلام الزعماء في انتشار الدعوة داخل المجتمع القبلي.
دور مصعب بن عمير في الدعوة بالمدينة
بعث النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير بعد بيعة العقبة الأولى ليعلم من أسلم القرآن ويدعو غيرهم، فكان أول سفير في الإسلام. ونزل على أسعد بن زرارة من الخزرج، وتميز أسلوبه بالحكمة والرفق، وهو ما يظهر جليًا في قصة لقائه بأسيد؛ إذ لم يقابل الغضب بالغضب، بل دعاه إلى الاستماع أولًا ثم الحكم.
درس في أدب الحوار
تقدم هذه القصة نموذجًا تربويًا في الدعوة: الإنصاف في العرض، وترك الحرية للسامع، والاعتماد على قوة الحجة وجمال القرآن بدل الجدال والخصومة. ولهذا يستشهد بها الكتّاب كثيرًا في الحديث عن فن الحوار.
من صفات أسيد بن حضير
- حب القرآن وحسن تلاوته: تذكر كتب السنة قصة مشهورة عن قراءته ليلًا ونزول ما يشبه الظلة فيها أمثال المصابيح، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبره بأنها الملائكة دنت لسماع قراءته.
- رجاحة العقل: عُرف بالحكمة في الرأي، وكان قومه يرجعون إليه.
- الوفاء والشجاعة: شهد المشاهد مع النبي صلى الله عليه وسلم، واختلف أهل السير في شهوده غزوة بدر.
- الأدب مع الصحابة: وردت عنه مواقف في تهدئة النزاعات وجمع الكلمة.
دوره بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم
تذكر المصادر أنه كان من الأنصار الذين أيدوا بيعة أبي بكر الصديق في سقيفة بني ساعدة، وأسهم ذلك في توحيد الصف. وكان له مكانة عند الخلفاء بعده، وتوفي في خلافة عمر بن الخطاب على ما يذكره أكثر المؤرخين، وحزن عليه المسلمون حزنًا كبيرًا.
دروس مستفادة من سيرته
تحمل حياة هذا الصحابي الجليل دروسًا متعددة للقارئ المعاصر. أولها أن الإنصاف في الاستماع قد يغير مسار حياة الإنسان كليًا، فقد جاء غاضبًا يريد طرد الداعية، وعاد مسلمًا يدعو قومه. وثانيها أن القيادة الحقيقية مسؤولية، إذ سارع بعد إسلامه إلى التفكير في هداية سعد بن معاذ وقومه. وثالثها أن العلاقة بالقرآن تلاوةً وتدبرًا كانت سمة بارزة في شخصيته، حتى صارت قصته مع الملائكة من أشهر ما يُروى في فضائل قراءة القرآن. ورابعها أن الحكمة في أوقات الخلاف تحفظ وحدة الجماعة، كما ظهر في موقفه يوم السقيفة.
أسئلة شائعة
من الذي أسلم أولًا: أسيد أم سعد بن معاذ؟
تذكر الروايات أنه أسلم أولًا، ثم عاد إلى سعد بن معاذ فاحتال حتى أرسله إلى مصعب، فأسلم سعد بعده.
هل كان أسيد من النقباء؟
نعم، كان ابن حضير من النقباء الاثني عشر الذين اختيروا ليلة العقبة الثانية ليكونوا مسؤولين عن أقوامهم.
ما سبب شهرته بين الصحابة؟
اشتهر بحسن صوته في قراءة القرآن، وبمكانته في قومه، وبحكمته في المواقف الصعبة.
خلاصة
أسيد بن حضير نموذج للزعيم الذي قاده الإنصاف والاستماع إلى الحق، فتحول من خصم للدعوة إلى أحد أركانها في المدينة، وبقي اسمه مقرونًا بحب القرآن والحكمة والوفاء.
.png)
