منذ أكثر من ألفي عام وقصة الجزيرة الغارقة تثير خيال الفلاسفة والمستكشفين والروائيين. فـأطلانطس القارة الأسطورية المفقودة التي ذكرها أفلاطون ما تزال موضوعاً للنقاش بين من يراها حقيقة تاريخية تنتظر الاكتشاف، ومن يعدها حكاية رمزية صاغها الفيلسوف لخدمة أفكاره عن الدولة والعدالة.
نعرض في هذا المقال مضمون الرواية الأفلاطونية بإيجاز، وموقف المؤرخين وعلماء الآثار منها، وأشهر النظريات حول موقعها، وكيف تحولت إلى رمز ثقافي حاضر في الأدب والسينما.
أطلانطس (باليونانية، ἀτλαντὶς νῆσος) جزيرة أطلس أو أطلانتس أو أتلاطتس، قارة افتراضية أسطورية لم يثبت وجودها حتى الآن بدليل قاطع، ذكرها أفلاطون في محاورتين مسجلتين له، طيمايوس وكريتياس وتحكي عن ما حدثه جده طولون عن رحلته إلى مصر ولقاءه مع الكهنة هناك وحديثهم عن القارة الأطلسية التي حكمت العالم. ألهبت خيال الكثيرين من الكتاب ومنتجي الأفلام لإنتاج عدد ضخم من منتجات الخيال العلمي التي تدور حول هذا الموضوع.
احتمال وجود حقيقي لأطلنتس خلفت مناقشات نشطة طوال العصور القديمة الكلاسيكية، ولكنها كانت ترفض في العادة.
((قال أحد العلماء إنه ربما يكون قد اكتشف بقايا مدينة أطلانطس المفقودة. حيث كشفت صور الأقمار الصناعية التي تم التقاطها لجنوب إسبانيا عن إن الأرض هناك تطابق الوصف الذي كتبه أفلاطون في مدينته الفاضلة.
ويعتقد دكتور راينر كويهن من جامعة أوبرتال الألمانية أن "جزيرة" أطلانطس تشير إلى جزء من الساحل في جنوب إسبانيا تعرض للدمار نتيجة للفيضانات بين عامي 800 و500 قبل الميلاد وقد يكون سببها فيضان نوح عليه السلام حيث دعا ربه فانزل من السماء ماء .
وتبين الصور للمنطقة الملحية المعروفة باسم ماريزما دو هينوخس بالقرب من مدينة كاديز بنائين مستطيلين في الطين وأجزاء من حلقات ربما كانت تحيط بهما في السابق.
وقال دكتور راينر: "كتب أفلاطون عن جزيرة تحيط بها أبنية دائرية، بعضها من الطين والبعض الأخر من الماء. وما تظهره الصور هو نفس ما وصفه أفلاطون".
ويعتقد دكتور راينر إن الأبنية المستطيلة ربما تكون بقايا المعبد "الفضي" المخصص لإله البحر بوسيدون والمعبد "الذهبي" المخصص لبوسيدون وكيليتو كما جاء في كتاب أفلاطون.
يقول دكتور راينر إن هناك تفسيرين لكبر حجم الجزيرة والحلقات المحيطة بها عما جاء في كتاب أفلاطون.
الاحتمال الأول هو تقليل أفلاطون لحجم أطلانطس والثاني هو أن وحدة القياس التي كانت مستخدمة زمن أفلاطون كان أكبر 20% من المقاييس الحالية.
وإذا كان الاحتمال الثاني هو الصحيح، فإن أحد المستطيلين الموجودين في "الجزيرة" يطابق تمام المقاييس التي ذكرها أفلاطون لمعبد بوسيدون.
وكان أول من انتبه لهذه الصور هو فيرنر فيكبولت، وهو يعمل كمحاضر وأحد المهتمين بأطلنتس، وقام بدراسة صور لكل البحر المتوسط بحثا عن أي علامة على المدينة التي وصفها أفلاطون.
1-الخرائط التي درسها البحار الشهير (كولومبس) قبل اكتشافه لأمريكا كانت تحتوي على رسم لجزيرة كبيرة غير موجودة في الوقت الحالي يعتقد العلماء أنها أطلنطس نفسها.
2-عثر الباحثون على سور يصل طوله إلى 120 كيلومتراً في أعماق المحيط الأطلسي ولا يُعرف حتى الآن إن كان بقايا القارة المفقودة.
3-تيار الماء المعروف باسم (تيار الخليج) النابع من القارة الأمريكية والمتجه لقارة أوروبا يتفرع إلى جزأين في منتصف المحيط الأطلسي وكأنه يلتف على الأرض ! يعتقد العلماء أن هذا التفرع سببه وجود قارة أطلنطس قديماً.
4-هذا الكلام صحيح... فقد أشارت كل الدلائل والدراسات على أن في قاع المحيط الأطلسي توجد قارة أطلنطس... ولكن مع الأسف لا يوجد أي شيء يستطيع به الأنسان الوصول إلى قعر المحيط الأطلسي أبداً وذلك بسبب الضغط الشديد !، وبعض المقالات تشير إلى أن شعب أطلنطس يعيش الآن في أعماق المحيط بطريقة ما..؟، وأن له علاقة بحوريات البحر التي تعتبر من الأساطير حتى الآن.
رسم مبني على وصف أفلاطون لأطلنتس
وقال فيكبولت: "هذا هو المكان الوحيد الذي ينطبق عليه وصف أفلاطون".
وأضاف فيكبولت إنه ربما خلط الإغريق بين معنى كلمة مصرية تشير إلى الشاطئ وأخرى تعني الجزيرة خلال نقل قصة أطلنتس.انها من عجائب الكون .
ويقول توني ولكنسون وهو خبير في الاستشعار عن بعد في جامعة أدنبره الإسكتلندية إن من الممكن أن يحدث خطأ في تفسير الصور الملتقطة باستخدام الأقمار الصناعية.
وأضاف: "نحن نستخدم التصوير بالأقمار الصناعية للتعرف على الآثار على الأرض ثم التأكد منها في الموقع نفسه. ومن ثم نقوم بتفسير ما نراه. ونحن في حاجة إلى توقيت زمني مقرب، وإلا فإنك تتعامل مع تراكيب. لكن الصور مثيرة للاهتمام".
وقد استحوذت أطلانطس على خيال الفلاسفة والمفكرين على مر الزمن. ويأتي أول ذكر لها في كتابات أفلاطون.
وقام الكثيرون بالمغامرات من أجل البحث عن المدينة التي تتمتع بجمال طبيعي وثروة كبيرة.
وربطت إحدى النظريات الحديثة بين أطلنتس وإحدى المناطق الواقعة في مضيق جبل طارق وغرقت في البحر منذ 11 ألف عام.
ويقول دكتور راينر إن السهل الذي ذكره أفلاطون ربما يكون السهل الممتد من الساحل الجنوبي لإسبانيا إلى الشمال حتى يصل إلى مدينة أشبيلية. أما الجبال العالية فربما تكون سييرا مورينا وسييرا نيفادا.
ويضيف: "ذكر أفلاطون إن أطلانطس كانت بالنحاس. يوجد نحاس في المناجم التي تقع في جبال سييرا مورينا".
ولاحظ دكتور راينر إن الحرب بين أطلانطس والدول التي تقع غرب البحر الأبيض المتوسط تتشابه مع الهجمات على مصر وقبرص والتي وقعت خلال القرن 12 قبل الميلاد من قبل من أطلق عليهم قراصنة البحر.
ولذلك فهو يعتقد أن سكان أطلنتس وقراصنة البحر هم نفس الأشخاص.
ويعني هذا إن المدينة كانت موجودة خلال العصر الحديدي أو العصر البرونزي.
ويقول دكتور راينر إنه يأمل في أن يجذب انتباه علماء الآثار من أجل التنقيب في الموقع. ولكن هذا الأمر يواجه بعض الصعوبة حيث أنه يقع داخل منتزه دونا الطبيعي .
اكتشاف طروادة :
جزيرة سانتوريني الأقرب إلى مواصفات أفلاطون
لم يهتم أحد بمحاورتي أفلاطون عن هذه القارة ووصفها باعتبارها أسطورة من أساطير الإغريق خصوصًا أنه تحدث عن بوسيدون إله البحر لدى الإغريق الذي امتلك جزر القارة لنفسه، لكنهم فوجؤوا باكتشاف مدينة طروادة الأسطورية التي جسد أحداث الحرب التي دارت فيها الشاعر اليوناني القديم هوميروس في ملحمتيه الإلياذة والأوديسا، مما أحيا أمال البعض في البحث والعثور عن أطلنتس.
موقعها :
من الناحية التاريخية فإن معظم المواقع المقترحة هي بالقرب من جزر البحر الأبيض المتوسط مثل سردينيا، كريت وسانتوريني، صقلية، قبرص، ومالطة. ومناطق أخرى كالمحيط الأطلسي، اسمه يرتبط ارتباطا وثيقا
وردت القصة في محاورتي طيماوس وكريتياس اللتين كتبهما أفلاطون في القرن الرابع قبل الميلاد. وينسب أفلاطون الحكاية إلى المشرع الأثيني صولون، الذي قيل إنه سمعها من كهنة مصريين في مدينة سايس، ثم انتقلت عبر أسرة كريتياس. وتصف الرواية جزيرة عظيمة تقع وراء أعمدة هرقل، أي خلف مضيق جبل طارق، حكمها ملوك أقوياء، وكانت عاصمتها محاطة بحلقات متتابعة من اليابسة والماء.
وبحسب المحاورة، سعت هذه الدولة إلى إخضاع شعوب البحر المتوسط، فتصدت لها أثينا القديمة، ثم غرقت الجزيرة في يوم وليلة بفعل زلازل وفيضانات، عقاباً لأهلها على غرورهم وفساد أخلاقهم.
يرى أغلب المؤرخين ودارسي الفلسفة اليونانية أن أفلاطون ابتكر القصة أداة تعليمية، كما فعل في أساطير فلسفية أخرى، ليبين كيف تنهار الدول حين يغلب عليها الطمع، وليقدم أثينا المثالية نموذجاً للدولة العادلة. ويستندون في ذلك إلى غياب أي ذكر للجزيرة في مصادر أقدم منه، وإلى أن تلميذه أرسطو لم يتعامل معها بوصفها حقيقة تاريخية بحسب ما ينقله بعض المؤلفين القدماء.
لأن علوم الأرض الحديثة، وخاصة نظرية الصفائح التكتونية، تبين أن قيعان المحيطات تتكون من صخور بركانية حديثة نسبياً، ولا تحمل آثار قارة غارقة في الحقبة البشرية. كما أن الأدلة الأثرية المطلوبة من مدن ونقوش ومقابر لم يُعثر عليها في أي موقع مقترح.
أصبحت الجزيرة المفقودة مصدر إلهام لروايات الخيال العلمي وأفلام الرسوم المتحركة والألعاب الإلكترونية، كما استعملها الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون في عنوان كتابه أطلانطس الجديدة الذي تخيل فيه مجتمعاً علمياً مثالياً. وتحولت الكلمة نفسها إلى رمز لكل حضارة مزدهرة ضائعة.
لا توجد مصادر معروفة أقدم من محاورتيه تذكرها، وهذا من أقوى حجج القائلين بأنها من ابتكاره.
يرتبط الاسم بأطلس، الشخصية الأسطورية اليونانية، ويرد في الرواية أن أول ملوك الجزيرة حمل هذا الاسم.
تبقى الجزيرة الغارقة واحدة من أشهر الألغاز الثقافية في التاريخ، غير أن الأدلة المتاحة ترجح أنها حكاية فلسفية رمزية لا وصف لمكان حقيقي. ومع ذلك، تظل قيمتها كبيرة في فهم فكر أفلاطون، وفي تأمل مصير الحضارات حين تستبد بها القوة والغرور.