انبعاثات غاز المداخن الناجمة عن احتراق الوقود الحفري

تتصاعد من مداخن محطات الكهرباء والمصانع والمصافي والمراجل غازات ناتجة عن احتراق الفحم والنفط والغاز الطبيعي، وتعرف هذه الغازات بغازات المداخن. وهي في معظمها غازات غير ضارة كالنيتروجين وبخار الماء، لكنها تحمل أيضاً ملوثات مؤثرة في صحة الإنسان والبيئة والمناخ.

في هذا المقال نشرح كيمياء احتراق الوقود الأحفوري، وأهم الملوثات في انبعاثات المداخن ومصادر كل منها، وآثارها الصحية والبيئية، والتقنيات المستخدمة لمعالجتها والحد منها، ودور التشريعات والتحول إلى مصادر الطاقة النظيفة في تقليل هذه الانبعاثات.

مكونات غاز المداخن

انبعاثات غاز المداخن الناجمة عن احتراق الوقود الأحفوري
تشير انبعاثات غاز المداخن الناجمة عن احتراق الوقود الحفري إلى غاز الاحتراق-المنتج الناجم عن احتراق أنواع الوقود الأحفوري.

 تحترق أغلب أنواع الوقود الأحفوري في وجود قدر كبير من الهواء (بخلاف الاحتراق مع الأكسجين النقي).

حيث إن الهواء المحيط يحتوي على نسبة 79 في المائة من النيتروجين الغازي، والذي يعتبر بشكل أساسي غير قابل للاحتراق، فإن القدر الأكبر من غاز المداخن من أغلب عمليات احتراق الوقود الأحفوري يكون عبارة عن نيتروجين غير محترق. 

وثاني أكبر مكون في غاز المداخن هو ثاني أكسيد الكربون (CO2)، الذي يمكن أن يكون نسبة تصل من 10 إلى 25 في المائة أو أكثر من غاز المداخن. ويتبعه في الحجم بخار الماء (H2O) الناجم عن احتراق الهيدروجين الموجود في الوقود مع الأكسجين الموجود في الجو.

وأغلب "الأبخرة" التي تتصاعد من مجموعات مداخن غاز المداخن تكون عبارة عن بخار الماء هذا الذي يكون سحابة عند ملامسته للهواء البارد.

ويحتوي غاز المداخن النموذجي الناجم عن احتراق الوقود الأحفوري على مقادير ضئيلة للغاية من مركبات ثاني أكسيد النيتروجين (NOx) وثاني أكسيد الكبريت (SO2) والجسيمات.

 ويتم الحصول على مركبات ثاني أكسيد النيتروجين من النيتروجين الموجود في الهواء المحيط بالإضافة إلى أي مركبات تحتوي على النيتروجين في الوقود الأحفوري. ويتم الحصول على ثاني أكسيد الكبريت من أي مركبات تحتوي على الكبريت في الوقود. وتتكون الجسيمات من جسيمات صغيرة للغاية من المواد الصلبة وقطرات سائلة صغيرة للغاية تعطي لغازات المداخن شكلها المحتوي على الدخان.

وتقوم مولدات البخار في محطات الطاقة وأفران المعالجة في مصافي التكرير ومحطات البتروكيماويات ومحطات الكيماويات وأفران الحرق بحرق مقادير كبيرة من الوقود الأحفوري، وبالتالي فإنها تبعث منها مقادير ضخمة من غاز المداخن في الغلاف الجوي المحيط بها. ويعرض الجدول الوارد أدناه المقادير الإجمالية لغاز المداخن الناجم بشكل نموذجي عن احتراق أنواع الوقود الأحفوري، مثل الغاز الطبيعي وزيت الوقود والفحم الحجري. وقد تم الحصول على البيانات من خلال حسابات قياس اتحادية العناصر.

ومن الضروري ملاحظة أن القدر الإجمالي لغاز المداخن الذي يتم إنتاجه نتيجة احتراق الفحم أكبر بنسبة 10 في المائة فقط من غاز المداخن الناجم عن احتراق الغاز الطبيعي.

كيمياء احتراق الوقود الأحفوري

الوقود الأحفوري، أي الفحم والنفط والغاز الطبيعي، يتكون أساساً من الكربون والهيدروجين، إضافة إلى نسب متفاوتة من الكبريت والنيتروجين والمعادن والرماد. وعند احتراقه يتحد الكربون مع الأكسجين فينتج ثاني أكسيد الكربون، ويتحد الهيدروجين مع الأكسجين فينتج بخار الماء، وتنطلق كمية كبيرة من الطاقة الحرارية التي تستخدم في توليد الكهرباء أو تشغيل الآلات أو التدفئة.

ولو كان الاحتراق كاملاً مثالياً والوقود نقياً لاقتصرت النواتج تقريباً على هذين الغازين مع النيتروجين القادم من الهواء. لكن الواقع مختلف، فالاحتراق لا يكون كاملاً دائماً، والوقود يحتوي على شوائب، ودرجات الحرارة العالية تسبب تفاعلات جانبية، ولذلك تحمل غازات المداخن ملوثات متعددة.

دور الهواء الزائد

تشغل المراجل والأفران عادة بكمية من الهواء أكبر قليلاً من الكمية النظرية اللازمة للاحتراق، لضمان احتراق الوقود بشكل جيد وتقليل تكون أول أكسيد الكربون والسخام. لكن الهواء الزائد بكثرة يقلل الكفاءة الحرارية لأنه يحمل جزءاً من الحرارة معه إلى المدخنة، ولذلك يسعى المشغلون إلى ضبط نسبة الهواء بدقة، ويقيسون نسبة الأكسجين في غازات المداخن مؤشراً على جودة الاحتراق.

أبرز الملوثات في غازات المداخن

ثاني أكسيد الكربون

هو الناتج الرئيسي لاحتراق الكربون، وليس ساماً بالتراكيز المعتادة في الهواء الطلق، لكنه أهم غازات الدفيئة التي يطلقها النشاط البشري، ويربطه العلماء بارتفاع متوسط درجة حرارة الأرض وتغير المناخ. ويختلف ما يطلقه كل نوع من الوقود لإنتاج القدر نفسه من الطاقة، فالفحم يطلق أكثر من النفط، والنفط أكثر من الغاز الطبيعي.

أول أكسيد الكربون

ينتج عن الاحتراق غير الكامل حين يكون الأكسجين غير كاف، وهو غاز سام عديم اللون والرائحة، يرتبط بالهيموغلوبين في الدم ويمنعه من نقل الأكسجين. ووجوده بتراكيز مرتفعة في غازات المداخن دليل على سوء الاحتراق وهدر الوقود.

أكاسيد الكبريت

تنتج من احتراق الكبريت الموجود في الوقود، خاصة في الفحم وزيت الوقود الثقيل، وأهمها ثاني أكسيد الكبريت. وتسبب هذه الأكاسيد تهيج الجهاز التنفسي، وتتحول في الجو إلى أحماض تسهم في تكون المطر الحمضي، كما تشكل جسيمات دقيقة من الكبريتات.

أكاسيد النيتروجين

تتكون بطريقتين رئيسيتين: من تفاعل نيتروجين الهواء مع الأكسجين في درجات الحرارة العالية جداً داخل غرف الاحتراق، ومن النيتروجين الموجود في الوقود نفسه. وتسهم هذه الأكاسيد في تكوين الضباب الدخاني والأوزون على مستوى سطح الأرض، وفي المطر الحمضي، ولها آثار تنفسية.

الجسيمات الدقيقة والرماد

تحمل غازات المداخن، خاصة من محطات الفحم، جسيمات صلبة من الرماد المتطاير والسخام، ويعد أدقها من أخطر ملوثات الهواء لأنها تتغلغل عميقاً في الرئتين، وتشير دراسات صحية كثيرة إلى ارتباطها بأمراض الجهاز التنفسي والقلب.

المعادن الثقيلة والمركبات العضوية

قد تحتوي غازات المداخن على آثار من الزئبق والرصاص والزرنيخ وغيرها، بحسب نوع الوقود، إضافة إلى مركبات عضوية متطايرة ومركبات عطرية ناتجة عن الاحتراق غير الكامل.

الآثار البيئية والصحية

  • تغير المناخ بسبب تراكم ثاني أكسيد الكربون وغازات الدفيئة الأخرى.
  • المطر الحمضي الذي يضر الغابات والبحيرات والتربة والمباني الأثرية.
  • الضباب الدخاني في المدن الصناعية وما يرافقه من تراجع جودة الهواء.
  • أمراض الجهاز التنفسي كالربو والتهاب القصبات، وأمراض القلب والأوعية.
  • تلوث المياه والتربة بالمعادن الثقيلة المترسبة من الجو.

تقنيات معالجة غازات المداخن

إزالة الجسيمات

تستخدم المرسبات الكهروستاتيكية التي تشحن الجسيمات كهربائياً ثم تجذبها إلى ألواح مجمعة، والمرشحات القماشية أو الأكياس التي تحجز الجسيمات كما تحجز المصفاة الغبار، والفواصل الدوامية للجسيمات الأكبر حجماً.

إزالة الكبريت

من أشهر التقنيات غسل غازات المداخن بمعلق من الحجر الجيري أو الجير، فيتفاعل ثاني أكسيد الكبريت معه، وينتج في بعض الأنظمة الجبس الذي يمكن استخدامه في صناعة مواد البناء. وتوجد أيضاً أنظمة جافة وشبه جافة. كما يمكن تقليل الانبعاثات من المصدر باستخدام وقود منخفض الكبريت.

خفض أكاسيد النيتروجين

تشمل الحلول تعديل عملية الاحتراق باستخدام حراقات منخفضة الأكاسيد وتوزيع الهواء على مراحل لخفض درجات الحرارة القصوى، ومعالجة الغازات بعد الاحتراق بتقنية الاختزال الحفزي الانتقائي التي تستخدم الأمونيا أو اليوريا مع محفز لتحويل الأكاسيد إلى نيتروجين وماء.

احتجاز الكربون وتخزينه

تعد تقنيات احتجاز ثاني أكسيد الكربون من غازات المداخن، باستخدام مذيبات كيميائية مثل الأمينات أو غيرها من الطرق، ثم ضغطه ونقله وتخزينه في تكوينات جيولوجية عميقة، من الحلول التي تدرس وتطبق في بعض المشروعات، لكنها ما زالت مكلفة وتستهلك جزءاً من الطاقة المنتجة.

المراقبة والتشريعات

تفرض كثير من الدول حدوداً قصوى لتراكيز الملوثات في انبعاثات المداخن، وتلزم المنشآت الكبيرة بتركيب أنظمة رصد مستمر تقيس الانبعاثات وترسل البيانات إلى الجهات الرقابية. كما تسهم الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالمناخ في دفع الدول إلى خفض انبعاثات غازات الدفيئة، عبر تحسين الكفاءة والتحول التدريجي إلى مصادر الطاقة المتجددة.

دور الأفراد في تقليل الانبعاثات

يمكن للأفراد الإسهام في تقليل الطلب على الطاقة المنتجة من الوقود الأحفوري، بترشيد استهلاك الكهرباء، واختيار الأجهزة الموفرة للطاقة، وتحسين عزل المنازل، واستخدام وسائل النقل العام أو المشاركة في السيارات، ودعم مشروعات الطاقة الشمسية حيث يتاح ذلك.

كفاءة الاحتراق واستعادة الحرارة

تحمل غازات المداخن عند خروجها جزءاً من الطاقة الحرارية الناتجة عن الاحتراق، ولذلك تستخدم المنشآت الحديثة أجهزة لاستعادة هذه الحرارة، مثل المبادلات الحرارية التي تسخن مياه التغذية أو هواء الاحتراق قبل دخوله إلى الفرن، مما يرفع الكفاءة ويقلل استهلاك الوقود ومن ثم الانبعاثات. وفي محطات الدورة المركبة تستخدم حرارة غازات العادم الخارجة من التوربينات الغازية لإنتاج البخار وتشغيل توربين بخاري إضافي، فتزداد الكهرباء المنتجة من الوقود نفسه.

أسئلة شائعة

لماذا يكون الدخان المتصاعد من المداخن أبيض أحياناً؟

غالباً ما يكون ذلك بخار ماء يتكثف عند ملامسة الهواء البارد، لكن ذلك لا يعني خلو الغازات من الملوثات غير المرئية.

أي أنواع الوقود الأحفوري أنظف؟

يعد الغاز الطبيعي الأقل انبعاثاً لثاني أكسيد الكربون والكبريت والجسيمات مقارنة بالفحم والنفط لإنتاج القدر نفسه من الطاقة، لكنه يبقى وقوداً أحفورياً.

ما المطر الحمضي؟

هو مطر تزداد حموضته بسبب ذوبان أكاسيد الكبريت والنيتروجين في بخار الماء الجوي وتحولها إلى أحماض، ويضر بالغابات والمياه والمباني.

خلاصة

غازات المداخن الناتجة عن احتراق الوقود الأحفوري خليط من مكونات غير ضارة وأخرى ملوثة، أبرزها ثاني أكسيد الكربون وأكاسيد الكبريت والنيتروجين والجسيمات الدقيقة. وقد طورت تقنيات فعالة لمعالجة كثير من هذه الملوثات، لكن الحل الأشمل يكمن في رفع كفاءة استهلاك الطاقة والتوسع في المصادر النظيفة، حفاظاً على صحة الإنسان واستقرار المناخ.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !