جمعية الخيار الديمقراطي: منظمة لتعزيز الديمقراطية في أوروبا

جمعية الخيار الديمقراطي: منظمة إقليمية لتعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان

جمعية الخيار الديمقراطي أو كما تُعرف بالاسم الإنجليزي Community of Democratic Choice هي منظمة حكومية دولية تأسست في الثاني من ديسمبر عام 2005 في مدينة كييف عاصمة أوكرانيا. نشأت هذه الجمعية بمبادرة من تسع دول تقع في شمال وشرق أوروبا بهدف تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون في المنطقة الممتدة بين البحر الأسود وبحر البلطيق وبحر قزوين وهي المنطقة التي يُطلق عليها تعبير البحار الثلاثة. تمثل الجمعية محاولة لتجميع الدول التي اختارت المسار الديمقراطي في إطار مؤسسي واحد يُعزز التعاون السياسي والقانوني بينها ويحمي مكتسباتها في مجال الحريات والديمقراطية.

جمعية الخيار الديمقراطي

إعلان بورجومي: البذرة الأولى لتأسيس الجمعية

سبق تأسيس جمعية الخيار الديمقراطي إعلان مشترك وقعه رئيسا جورجيا وأوكرانيا ميخائيل ساكاشفيلي وفيكتور يوشينكو في أغسطس عام 2005 في مدينة بورجومي الجورجية. عُرف هذا البيان باسم إعلان بورجومي وتصوّر قيام الجمعية بوصفها أداة فعالة لإزالة كل العوائق والانقسامات المتبقية في المنطقة ومعالجة انتهاكات حقوق الإنسان وأي شكل من أشكال المواجهة أو النزاعات المتجمدة. كان هذا الإعلان بمثابة البذرة الأولى التي نما منها مشروع الجمعية الذي تحول بعد بضعة أشهر إلى واقع مؤسسي رسمي.

نشأ إعلان بورجومي في سياق تاريخي بالغ الأهمية. فقد كانت منطقة شرق أوروبا تشهد تحولات ديمقراطية كبرى بعد ثورات الملونة في كل من جورجيا وأوكرانيا. ثورة الورود في جورجيا عام 2003 وثورة البرتقال في أوكرانيا عام 2004 أسقطتا أنظمة فاسدة وجلبتا قيادات جديدة تتبنى خطابا إصلاحيا وديمقراطيا. رأى قادة البلدين أن الوقت حان لبناء تحالف إقليمي يجمع الدول التي تسير في المسار ذاته ويرفض البقاء في دائرة النفوذ التقليدية التي فرضتها عقود من الهيمنة السوفيتية.

المؤتمر التأسيسي في كييف

في الأول والثاني من ديسمبر عام 2005 عقد في مدينة كييف مؤتمر تأسيسي استمر يومين تحت شعار تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان في منطقة البحار الثلاثة. حضر المؤتمر رؤساء الدول التسع المؤسسة إضافة إلى وفود من عدة دول مراقبة ومنظمات دولية. شهد المؤتمر توقيع الوثيقة التأسيسية للجمعية التي حددت أهدافها وآليات عملها ومبادئها الأساسية.

ألقى الرئيس الأوكراني فيكتور يوشينكو كلمة في المؤتمر أكد فيها أن المبادرة ليست موجهة ضد أي دولة أو مؤسسة ثالثة وأن غرضها ليس التحالف ضد أحد بل هي حوار بين أصدقاء يتبنون أفكار تعزيز الديمقراطية وسيادة القانون. في المقابل صرح جيورجي أرفيلادزي رئيس الإدارة الرئاسية في جورجيا أن الجمعية ستكون في جوهرها محورا لدول ديمقراطية لا ترغب في البقاء ضمن الفضاء المداري الروسي وهو تصريح حمل دلالات واضحة حول البعد الجيوسياسي للمشروع.

الدول الأعضاء المؤسسة

تأسست جمعية الخيار الديمقراطي من قبل تسع دول هي:

  • إستونيا: إحدى دول البلطيق الثلاث التي استعادت استقلالها بعد تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991 وحققت تحولا ديمقراطيا واقتصاديا لافتا جعلها من أكثر الدول تقدما في المنطقة
  • جورجيا: من أبرز المحركين لتأسيس الجمعية بعد ثورة الورود وسط تحديات جيوسياسية كبرى مع روسيا
  • ليتوانيا: أكبر دول البلطيق مساحة ومن أوائل الدول السوفيتية السابقة التي انضمت إلى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي
  • لاتفيا: دولة بلطيقية أخرى حققت تقدما ملحوظا في مسار التحول الديمقراطي والإصلاح المؤسسي
  • مقدونيا الشمالية: دولة من دول يوغوسلافيا السابقة سعت من خلال انضمامها إلى تعزيز مسارها الأوروبي الأطلسي
  • مولدوفا: واحدة من أفقر دول أوروبا وأكثرها عرضة لضغوط جيوسياسية خاصة مع وجود إقليم ترانسنيستريا الانفصالي
  • رومانيا: أكبر دول جنوب شرق أوروبا سكانيا وكانت في ذلك الوقت تسعى لتسريع انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي الذي تحقق عام 2007
  • سلوفينيا: أكثر جمهوريات يوغوسلافيا السابقة ازدهارا واستقرارا وكانت قد انضمت إلى الاتحاد الأوروبي عام 2004
  • أوكرانيا: الدولة المضيفة وأحد المحركين الرئيسيين لتأسيس الجمعية بعد ثورة البرتقال

تشترك هذه الدول جميعا في كونها خرجت من تحت ظل النفوذ السوفيتي أو الشيوعي واختارت المسار الديمقراطي والتوجه نحو المؤسسات الأوروبية والأطلسية. ويمثل انضمامها إلى الجمعية تعبيرا عن رغبتها في ترسيخ هذا الخيار وتعميقه عبر التعاون الإقليمي المتبادل.

دول ومنظمات المراقبة

إلى جانب الأعضاء المؤسسين شاركت في مؤتمر كييف وفود من دول ومنظمات بصفة مراقبة وتشمل:

  • أرمينيا: الدولة القوقازية التي كانت تبحث عن توازن بين علاقاتها مع روسيا وتطلعاتها الأوروبية
  • أذربيجان: الدولة الغنية بالنفط والغاز التي رغبت في متابعة مسار التطور الديمقراطي في المنطقة
  • بلغاريا: الدولة التي كانت في مرحلة انتقالية قبل انضمامها الكامل إلى الاتحاد الأوروبي عام 2007
  • التشيك: من أنجح الدول في التحول الديمقراطي بعد سقوط الشيوعية عام 1989
  • المجر: دولة من دول وسط أوروبا تمتلك تجربة غنية في التحول الديمقراطي
  • بولندا: أكبر دولة في وسط وشرق أوروبا وأكثرها تأثيرا سياسيا في مسألة التوسع الأوروبي
  • الولايات المتحدة: الراعي الدولي الأكبر لمشاريع التحول الديمقراطي في أوروبا الشرقية
  • الاتحاد الأوروبي: المؤسسة الأكثر جاذبية لدول المنطقة والهدف النهائي لتكاملها
  • منظمة الأمن والتعاون في أوروبا: المنظمة الأمنية الأوسع في القارة التي تشرف على مراقبة الانتخابات وحقوق الإنسان

أهداف الجمعية ومبادئها

حددت الوثيقة التأسيسية لجمعية الخيار الديمقراطي أهدافا رئيسية تتمحور حول ثلاثة محاور أساسية هي الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون. وتسعى الجمعية إلى تحقيق هذه الأهداف من خلال عدة آليات تشمل:

  • تعزيز الحوكمة الديمقراطية والمؤسسات التمثيلية في الدول الأعضاء
  • دعم سيادة القانون واستقلال القضاء وضمان المحاكمات العادلة
  • حماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية وفقا للمواثيق الدولية
  • معالجة النزاعات المتجمدة والانقسامات الإقليمية التي تعيق التنمية والاستقرار
  • تعزيز التعاون بين المنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني في المنطقة
  • دعم الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بالتحول الديمقراطي

صرح وزير الخارجية الأوكراني بوريس تاراسيوك أن الجمعية ليست مشروعا ضد أي شخص بل هي مشروع لصالح الديمقراطية والاستقرار والازدهار. هذا التصريح يعكس الرغبة في تقديم الجمعية كمنظمة بناءة لا تصادمية على الرغم من أن بعض التصريحات الجورجية أشارت إلى بعد آخر يتعلق بالخروج من دائرة النفوذ الروسي. فمن وجهة نظر جيورجي أرفيلادزي فإن الجمعية تمثل محورا لدول ديمقراطية لا ترغب في البقاء في الفضاء المداري لروسيا. أما تيموري ياكوباشفيلي نائب رئيس مؤسسة جورجيا للدراسات الاستراتيجية والدولية فقد وصف الجمعية بأنها تقع بين قطبي الجذب الرئيسيين في المنطقة وهما الاتحاد الأوروبي ومنظمة شنغهاي للتعاون وأن الفكرة قد تجذب الدول العالقة بين الكتلتين ولكنها تميل نحو الديمقراطية والغرب.

اجتماعات الجمعية

عقدت جمعية الخيار الديمقراطي عدة اجتماعات قارية منذ تأسيسها تناوبت فيها الدول الأعضاء على استضافة القمم والمنتديات:

  • ديسمبر 2005 كييف أوكرانيا: المؤتمر التأسيسي الذي شهد ميلاد الجمعية وتوقيع الوثيقة التأسيسية
  • مارس 2006 تبليسي جورجيا: أول اجتماع بعد التأسيس نوقشت فيه آليات تنفيذ الأهداف المعلنة ومتابعة الملفات العالقة
  • مايو 2006 فيلنيوس ليتوانيا: مؤتمر موسع شمل منتديات للمنظمات غير الحكومية والمثقفين والشباب وهو ما أضاف بعدا مجتمعيا مدنيا إلى العمل الدبلوماسي الرسمي
  • مارس 2007 تالين إستونيا: اجتماع ركز على تعزيز المؤسسات وتطوير المنتدى الشبابي للجمعية
  • أبريل 2007 لفيف أوكرانيا: مواصلة العمل المؤسسي والتنسيق بين الأعضاء
  • مارس 2008 نوتنغهام المملكة المتحدة: أول اجتماع خارج حدود المنطقة الجغرافية وهو ما أظهر اهتماما دوليا أوسع بمسار الجمعية

المنتدى الشبابي لجمعية الخيار الديمقراطي

أحد أهم المخرجات العملية لجمعية الخيار الديمقراطي هو إنشاء المنتدى الشبابي الذي تأسس خلال مؤتمر فيلنيوس عام 2006. بدأ هذا المنتدى تحت اسم منتدى شباب الديمقراطيات الجديدة في أوروبا ثم تغير اسمه لاحقا إلى المنتدى الشبابي لجمعية الخيار الديمقراطي لتأكيد الارتباط المؤسسي بالمنظمة الأم. سُجل المنتدى كمنظمة دولية في مدينة ريغا عاصمة لاتفيا ويضم أعضاء من أرمينيا وأذربيجان وبيلاروسيا وبلغاريا وإستونيا وألمانيا وجورجيا ولاتفيا وليتوانيا ومولدوفا وبولندا ورومانيا وروسيا وأوكرانيا والمملكة المتحدة.

يهدف المنتدى الشبابي إلى تعزيز الشراكة والحوار بين شباب منطقة الجمعية ونشر قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون بين الأجيال الشابة. كما يسعى من خلال مبادرة بعنوان صوتك إلى تشجيع النقاش الشامل حول الديمقراطية وقيمها بين الشباب. مثل هذا المنتدى إضافة مهمة لأنه يربط العمل الرسمي الدبلوماسي بالقاعدة الشعبية والمجتمع المدني وهو ما تحتاجه المنظمات الإقليمية كثيرا لتجاوز كونها مجرد منتديات حكومية.

التحديات والانتقادات

على الرغم من الطموحات الكبيرة التي رافقت تأسيسها واجهت جمعية الخيار الديمقراطي تحديات جمة أعاقت تطورها وتأثيرها. أبرز هذه التحديات:

  • الغموض المؤسسي: لم تتبلور للجمعية هوية مؤسسية واضحة المعالم. فكما صرح وزير الخارجية الأوكراني تاراسيوك فإن الجمعية لا تملك شكلا واضحا محددا. غاب تعريف دقيق للعضوية وآليات الانضمام والانسحاب وصلاحيات الأمانة العامة وهو ما جعل منظورها المستقبلي ضبابيا
  • التباين في الرؤية: انقسمت تصريحات القادة حول طبيعة الجمعية. فبينما صرح القادة الأوكرانيون وال Moldovan بأنها مشروع بنّاء لصالح الديمقراطية اعتبر الجانب الجورجي أنها محور لدول ترفض البقاء في الفضاء الروسي. هذا التباين أثر على تماسك المنظمة ووضوح أجندتها
  • الضغوط الجيوسياسية: نظرت روسيا إلى الجمعية بعين الريبة واعتبرتها جزءا من محاولة غربية لاحتواء نفوذها في منطقة الفضاء السوفيتي السابق. هذا الموقف الروسي شكل ضغطا على الدول التي تحاول الموازنة بين علاقاتها مع روسيا وتطلعاتها الأوروبية
  • غياب مؤسسات دائمة: نبه رئيس مولدوفا فلاديمير فورونين إلى ضرورة تطوير مؤسسات الجمعية بما فيها إنشاء جمعية برلمانية خاصة بها لكن هذه الدعوة لم تُترجم إلى واقع ملموس
  • التنافس مع المنظمات القائمة: واجهت الجمعية تنافسا ضمنيا مع منظمات إقليمية أخرى كمنظمة غوام للتطوير الديمقراطي والاقتصادي ومنظمة التعاون الاقتصادي للبحر الأسود والشراكة الشرقية للاتحاد الأوروبي وهو ما أضعف قدرتها على استقطاب اهتمام متجدد

مكانة الجمعية في المشهد الإقليمي والدولي

تأتي جمعية الخيار الديمقراطي في سياق تاريخي شهد ظهور عدة تنظيمات إقليمية في أوروبا الشرقية بعد تفكك الاتحاد السوفيتي. فمنظمة غوام التي تضم جورجيا وأوكرانيا وأذربيجان ومولدوفا سبقتها في التأسيس عام 1997 وشاركتها بعض الأهداف. كما أن الشراكة الشرقية التي أطلقها الاتحاد الأوروبي عام 2009 استهدفت ست دول من منطقة الجمعية. كل هذه المبادرات تتقاطع في أهدافها لكنها تختلف في آلياتها ومدى التزامها.

تتميز جمعية الخيار الديمقراطي بأنها الأكثر شمولية من حيث الانتشار الجغرافي إذ تجمع دولا من البلطيق والبحر الأسود والقوقاز وجنوب شرق أوروبا. لكنها في المقابل الأقل تأسيسا والأضعف من حيث القدرة المؤسسية. فقد تلاشت أنشطتها بشكل شبه كامل بعد عام 2008 مع تصاعد التوترات بين روسيا والدول الغربية خاصة بعد حرب جورجيا عام 2008 ثم الأزمة الأوكرانية اللاحقة.

الخلاصة

جمعية الخيار الديمقراطي هي منظمة حكومية دولية تأسست عام 2005 في كييف من تسع دول من شمال وشرق أوروبا تجمعها رغبة مشتركة في تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون في منطقة البحار الثلاثة. نشأت عن إعلان بورجومي الذي وقعه رئيسا جورجيا وأوكرانيا كأداة لإزالة الانقسامات والنزاعات المتجمدة. لكن الجمعية واجهت تحديات جمة أبرزها الغموض المؤسسي والضغوط الجيوسياسية والتنافس مع منظمات إقليمية أخرى مما أدى إلى تراجع نشاطها بعد عام 2008. ورغم ذلك تبقى فكرة تجميع الدول الديمقراطية في المنطقة مشروعا ذا أهمية استراتيجية متجددة خاصة في ظل التحولات الجذرية التي تشهدها أوروبا الشرقية منذ عام 2022.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !