فريدريش شيلر: الشاعر والمسرحي والفيلسوف الألماني

يُعد فريدريش شيلر واحدًا من أعمدة الأدب الألماني، فقد جمع بين الشعر والمسرح والفلسفة والتاريخ، وأسهم مع صديقه غوته في تأسيس ما يعرف بالكلاسيكية الألمانية في مدينة فايمار. وما زالت مسرحياته تُعرض على خشبات المسارح، وقصائده تُدرّس في المدارس، وأفكاره عن الحرية والجمال تُناقش في أروقة الجامعات.

نستعرض في هذا المقال أبرز أعماله المسرحية وموضوعاتها، وقصيدته الشهيرة نشيد الفرح وعلاقتها بالسيمفونية التاسعة لبيتهوفن، وإسهاماته في الفلسفة الجمالية والتاريخ، وصداقته مع غوته، وأثره في الأدب العالمي.

حياته ونشأته وبداياته

الشاعر والمسرحي والفيلسوف الألماني فريدريش شيلر

يوهان كريستوف فريدريش فون شيلر: هو شاعر ومسرحي كلاسيكي وفيلسوف ومؤرخ ألماني ولد في 10 نوفمبر 1759 في مارباخ في ألمانيا وتوفي في 9 مايو 1805 في مدينة فايمار وكان عمره 45 عاماً.



 يعتبر هو وزجوته مؤسسي الحركة الكلاسيكية في الأدب الألماني، ويعتبر من الشخصيات الرئيسية في التاريخ الأدبي الألماني.

نشأته

ولد شيلر في 10 نوفمبر 1759 في مارباخ الواقعة علي نهر النيكار في الجنوب الألماني وكان فريدرخ هو الولد الوحيد لأبيه يوهان كاسبر شيلر (1733-1796) الذي كان طبيبا في الجيش وأمه إليزابيث(1732-1802) الذي كانت لديها نزعة متدينة فزرعت في نفس شيلر حب الدين والأخلاق والمثل العليا.

 كان لفريدرخ خمس أخوات، كان أبوه يوهان كاسبر شيلر بعيد عن العائلة في حرب السنوات السبع عندما وُلد فريدرخ، سمي فريدرخ على الملك فريدرخ الكبير، لكنه كان ينادى فريتز من الجميع تقريباً.

 كان والده يزورهم نادراً خلال الحرب لكنه مع ذلك كان يزورهم كل فترة، كانت أيضاً أم فريدرخ أحياناً تأخذ أطفالها وتزور زوجها في أي مكان يكون هو مرابط فيه.

 بعد ما انتهت الحرب في 1763، والد شيلر أصبح ضابطاً مجند وتم إرساله إلى مدينة شفيبش كموند لذلك انتقلت عائلته للعيش هناك معه، نظراً لثمن المعيشة العالي في مدينة شفيبش كموند، إضطرت العائلة للانتقال بالقرب من مدينة لورتش.

وقد التحق شيلر في طفولته وصباه بمدرسة القرية في لورش، ثم بالمدرسة اللاتينية في لودفيغسبورغ. وبعد أن أنهي دراسته فيهما أراد أن يدرس اللاهوت، ولكن آماله تلك فشلت بسبب الدوق تشارلز يوجين الذي فرض على شيلر الدخول إلى الأكاديمية العسكرية. وكان الدوق كارل أويجين قد أسس مدرسة عسكرية تكون مهمتها تخريج الضباط والجنود والقادة في جيش الدوقية.

والتحق بها شيلر عام 1773 واختار في البداية أن يدرس القانون، ولكنه تحول في عام 1775 إلى دراسة الطب، وقد بدأ شيلر يكتب في هذه الفترة محاولات شعرية ومسرحية تحت تأثير فريدريش جوتليب كلوبشتوك وجوتهولد إفرايم ليسسنج، وقد نشر من هذه المحاولات الأولي في الكتابة قصيدة «المساء».

زواجه
في 22 فبراير 1790، تزوج فريدرخ شيلر من شارلوت فون لينقفيلد (1766-1826). رزق منها بولدين وهما كارل وارنست وبنتين وهما كارولين ولويس.

البداية
وبدأ شيلر في عام 1777 في مسرحيته الأولي اللصوص تحت تأثير أفكار عصر التنوير، وفي هذه المسرحية يتجسد الرفض المطلق للسلطة المطلقة، والنزوع نحو الحرية الإنسانية من الاضطهاد والظلم الاجتماعي. وبذلك أصبح شيلر من الممثلين الأساسيين لأفكار حركة العاصفة والاندفاع «روحي ظامئة إلى الحرية».

وكان العرض المسرحي الأول لمسرحية شيلر اللصوص في 13 يناير 1782 في مانهايم، والذي نجح نجاحا أسطوريا جعلت من شيلر بين ليلة وضحاها من ألمع الشخصيات الأدبية في ألمانيا.

 وحين فرض الدوق كارل أويجين قرارا بمنع كتابات شيلر لما فيها من التحريض عبي الطغيان والاستبداد والدعوة إلي الحرية، قرر شيلر الهروب مع صديق صانع آلات الكمان شترايشر إلي مانهايم.

وهناك بدأ شيلر كتابة مسرحية جديدة هي فيسكو والتي اكتملت وعرضت في عام 1784. وأصابت شيلر في هذه الفترة أزمة مالية ونفسية، والتي نجح في اجتيازها وذلك بفضل عمله في صحيفة تاليا.

وتوالت بعد ذلك أعماله الدرامية، فكتب دسيسة وحب التي ينقد فيها زيف المجتمع وقسوته. وكانت دوقية فايمار في ذلك الوقت عاصمة للأدب في ألمانيا ففيها جوته وهردر وفيلاند، وكان الدوق كارل أوجوست محبا للفن والمسرح، فازدهرت الحياة الفنية والأدبية في دوقيته.

من العاصفة والاندفاع إلى الكلاسيكية

ظهر الأديب في مرحلة أدبية تُعرف بحركة العاصفة والاندفاع، وهي حركة شبابية ألمانية في سبعينيات القرن الثامن عشر وثمانينياته، تمردت على القيود العقلانية الصارمة، ومجدت العاطفة والعبقرية الفردية والحرية. وكانت مسرحيته الأولى اللصوص من أبرز أعمال هذه الحركة، وقد أحدث عرضها الأول في مدينة مانهايم ضجة كبيرة بين الجمهور. لكنه تطور لاحقًا نحو الاتزان والانسجام، متأثرًا بدراسة الأدب اليوناني وفلسفة كانط، فأصبح من رموز الكلاسيكية الألمانية التي سعت إلى التوازن بين العقل والعاطفة والشكل والمضمون.

أعماله المسرحية الكبرى

  • اللصوص: مأساة عن أخوين متناقضين، تطرح قضايا الظلم والتمرد على الفساد الاجتماعي.
  • الدسيسة والحب: مسرحية برجوازية تنتقد استبداد الطبقة الأرستقراطية وفساد البلاط في الإمارات الألمانية الصغيرة.
  • دون كارلوس: تدور في البلاط الإسباني، وتطرح فكرة حرية الفكر عبر شخصية الماركيز بوزا الذي يطالب الملك بمنح رعاياه حرية التفكير.
  • ثلاثية فالنشتاين: عمل ضخم عن قائد عسكري في حرب الثلاثين عامًا، ويُعد من أعظم الأعمال الدرامية الألمانية.
  • ماري ستيوارت: عن الصراع بين ملكة إسكتلندا وملكة إنجلترا إليزابيث الأولى، وتتناول السلطة والضمير.
  • عذراء أورليان: معالجة درامية لقصة جان دارك.
  • فيلهلم تل: آخر مسرحياته المكتملة، عن البطل الشعبي السويسري الذي قاوم الطغيان، وأصبحت رمزًا للنضال من أجل الحرية.

قصائده القصصية وشعره الفلسفي

لم يقتصر إبداعه على المسرح، بل كتب قصائد قصصية طويلة تُعرف في الألمانية باسم البالادات، تروي حكايات بطولية أو أسطورية تحمل مغزى أخلاقيًا، ومن أشهرها قصيدة الغطاس التي تحكي عن شاب يغامر بالغوص في دوامة بحرية لاستعادة كأس ذهبية ألقاها ملك، وقصيدة القفاز، وقصيدة الكفالة التي تمجد الوفاء بين صديقين. كما كتب قصيدة الجرس الطويلة التي تمزج وصف صناعة جرس الكنيسة بتأملات في مراحل الحياة الإنسانية. وتمتاز هذه القصائد بإيقاعها القوي ولغتها الواضحة، ولذلك حفظها أجيال من الطلاب الألمان، وأصبحت جزءًا من الذاكرة الثقافية في البلدان الناطقة بالألمانية.

أما شعره الفلسفي فيتناول قضايا مثل علاقة المثال بالواقع، والحنين إلى عالم اليونان القديم بوصفه نموذجًا للانسجام، ومصير الإنسان في عالم متغير، وهو شعر يتطلب قراءة متأنية لكنه يكشف عن عمق تفكيره.

نشيد الفرح وبيتهوفن

كتب قصيدته المعروفة نشيد الفرح في منتصف ثمانينيات القرن الثامن عشر، وهي احتفاء بالأخوة الإنسانية والفرح الذي يوحد البشر. وبعد عقود اختار الموسيقار لودفيغ فان بيتهوفن مقاطع منها لتكون نص الحركة الأخيرة من سيمفونيته التاسعة، التي قدمت لأول مرة عام 1824، فاكتسبت القصيدة شهرة عالمية. واعتُمد اللحن لاحقًا نشيدًا للاتحاد الأوروبي في نسخة موسيقية دون كلمات.

الفيلسوف والمؤرخ

الفلسفة الجمالية

تأثر صاحب اللصوص بفلسفة إيمانويل كانط، لكنه طورها في اتجاه خاص، فكتب رسائل في التربية الجمالية للإنسان، رأى فيها أن الجمال والفن طريق لتحقيق الحرية والتوازن الإنساني، وأن الإنسان لا يكون إنسانًا كاملًا إلا حين يلعب، أي حين يمارس نشاطًا حرًا يجمع فيه بين الحس والعقل. كما كتب دراسة عن الشعر الساذج والشعر العاطفي، ميز فيها بين الشاعر الذي يعيش في انسجام عفوي مع الطبيعة، والشاعر الحديث الذي يتوق إلى هذا الانسجام المفقود، وهي دراسة مؤثرة في النقد الأدبي.

كتابة التاريخ

عُيّن أستاذًا للتاريخ في جامعة يينا، وكتب مؤلفات تاريخية، منها تاريخ انفصال الأراضي المنخفضة عن الحكم الإسباني، وتاريخ حرب الثلاثين عامًا، وقد أفادته دراساته التاريخية في كتابة مسرحياته التي تستلهم أحداثًا وشخصيات حقيقية.

الصداقة مع غوته

بدأت العلاقة بين شيلر ويوهان فولفغانغ فون غوته في تسعينيات القرن الثامن عشر، وتحولت إلى واحدة من أشهر الصداقات الأدبية في التاريخ. تبادل الأديبان الرسائل والأفكار، وشجع كل منهما الآخر على إكمال أعماله، وأصدرا معًا مجموعة من الأبيات الساخرة القصيرة، وتنافسا في كتابة القصائد القصصية. وانتقل صاحب فالنشتاين إلى فايمار ليكون قريبًا من غوته ومن مسرحها الذي كان غوته يديره، فعرضت عليه أهم أعماله. ويقف اليوم أمام المسرح الوطني في فايمار تمثال شهير يجمعهما جنبًا إلى جنب.

السنوات الأخيرة والإرث

عانى الشاعر من المرض سنوات طويلة، ومنحه الإمبراطور لقب النبالة عام 1802 فأصبح اسمه يسبق بأداة فون، وتوفي في فايمار وهو في منتصف الأربعينيات من عمره. وترك إرثًا ضخمًا جعله في نظر كثير من الألمان شاعر الحرية، وتحمل اسمه مدارس وشوارع ومسارح ومؤسسات ثقافية، ويُحتفى بذكراه في بلدته مارباخ التي تضم اليوم أرشيف الأدب الألماني.

أثره في العالم العربي

ترجمت بعض مسرحياته وقصائده إلى العربية، ودرسها النقاد العرب في إطار الاهتمام بالأدب الألماني والرومانسية الأوروبية، وكان لفكرته عن الحرية صدى لدى المهتمين بالمسرح الجاد.

أسئلة شائعة

ما أشهر أعمال شيلر؟

من أشهرها مسرحيات اللصوص ودون كارلوس وفالنشتاين وماري ستيوارت وفيلهلم تل، وقصيدة نشيد الفرح.

ما علاقة أعماله بالموسيقى؟

اقتبس موسيقيون كثيرون أعماله، فإلى جانب سيمفونية بيتهوفن، ألّف جوزيبي فيردي أوبرا مستوحاة من دون كارلوس، واستلهم جواكينو روسيني أوبراه الشهيرة من فيلهلم تل.

لماذا يُلقب بشاعر الحرية؟

لأن الحرية بأبعادها السياسية والأخلاقية والجمالية تمثل محورًا ثابتًا في مسرحياته وقصائده وكتاباته الفلسفية.

خلاصة

كان شيلر أديبًا شاملًا انتقل من تمرد الشباب إلى نضج الكلاسيكية، وكتب مسرحيات خالدة عن الحرية والضمير، وقصيدة صارت نشيدًا للإنسانية بفضل بيتهوفن، وأفكارًا فلسفية عن الجمال والتربية. ومع صديقه غوته شكّل ثنائيًا صنع عصرًا ذهبيًا للأدب الألماني، ولا يزال تأثيره حاضرًا في الثقافة الأوروبية والعالمية.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !