
مبادرة معاشات تقاعد الكلاب البوليسية في بريطانيا
أصبحت قوة في الشرطة البريطانية الأولى من نوعها في المملكة المتحدة تمنح كلابها البوليسية معاشات تقاعدية بعد انتهاء فترة خدمتها. وتُعدّ هذه المبادرة سابقة لم تعرفها أجهزة الشرطة البريطانية من قبل، حيث كانت الكلاب البوليسية المتقاعدة تُترك دون أي دعم مالي يضمن رعايتها بعد انتهاء خدمتها الفعلية. وتأتي هذه الخطوة في سياق اهتمام متزايد بحقوق الحيوان ورفاهيته في المملكة المتحدة، وهو ما انعكس في تشريعات متعددة صدرت خلال السنوات الأخيرة تهدف إلى تحسين معاملة الحيوانات العاملة في مختلف القطاعات.
خلفية المبادرة
وقالت صحيفة ديلي ميل إن شرطة مقاطعة نوتنغهامشاير ستمنح كل كلب بوليسي ألفاً وخمسمئة جنيه إسترليني أي ما يعادل نحو ألفين وأربعمئة دولار في إطار مشروع جديد تبنته بعد أن كانت الكلاب البوليسية لا تحصل على أي دعم سابقاً لضمان رعايتها بعد تقاعدها ويتم منحها للأفراد الراغبين الاحتفاظ بها كحيوانات أليفة. وتكمن المشكلة التي كان يواجهها متبنو الكلاب المتقاعدة في الأعباء المالية الباهظة المرتبطة برعايتها، لا سيما تلك المتعلقة بالعلاج البيطري الذي تحتاجه هذه الكلاب بعد سنوات طويلة من العمل الشاق والمخاطر التي واجهتها في ميدان الواجب.
تفاصيل المشروع وميزانيته
وأضافت أن هذا المبلغ سيغطي نفقات علاج الكلاب البوليسية بعد تقاعدها بما في ذلك فواتير الأطباء البيطريين واللقاحات وتكاليف تربيتها. وأكدت شرطة مقاطعة نوتنغهامشاير أنها ستدفع خمسمئة جنيه إسترليني سنوياً وعلى مدى ثلاثة أعوام لكل كلب بوليسي يتقاعد عن الخدمة لديها لتغطية تكاليف رعايته. وقد صُمّم هذا النظام ليكون متوازناً بين توفير الرعاية اللازمة للكلاب المتقاعدة وبين عدم إرهاق ميزانية الشرطة بأعباء مالية ثقيلة.
التكلفة الإجمالية وعدد المستفيدين
وأشارت الصحيفة إلى أن مشروع التقاعد للكلاب البوليسية جوبه بانتقادات من معارضين اشتكوا من أن المال البالغ نحو تسعة وثلاثين ألف جنيه إسترليني والذي ستدفعه شرطة نوتنغهامشاير إلى ستة وعشرين كلباً بوليسياً بعد انتهاء خدمتها يمثل صفقة خاسرة لدافعي الضرائب البريطانيين. ورأى هؤلاء المعارضون أن المبالغ المخصصة لهذا المشروع يمكن توجيهها لخدمات أكثر إلحاحاً تهم المجتمع مباشرة كتحسين الخدمات الصحية أو التعليمية بدلاً من إنفاقها على رعاية الكلاب.
موقف شرطة نوتنغهامشاير من الانتقادات
ونُسب إلى متحدث باسم شرطة نوتنغهامشاير قوله إنهم يهتمون بالناس الذين يعملون لديهم سواء أكانوا رجال شرطة أو موظفين مدنيين ويمنحونهم معاشات تقاعدية لائقة بعد انتهاء خدمتهم ويعتقدون أن من المهم أن يعاملوا الكلاب البوليسية بهذه الطريقة. ويعكس هذا الموقف فلسفة تُميّز الشرطة البريطانية تقوم على مبدأ الرعاية الشاملة لكل من يُسهم في أداء رسالة الأمن والعدالة بغض النظر عن كونه إنساناً أو حيواناً.
منظور الرفق بالحيوان
ويُجَادل المؤيدون للمشروع بأن الكلاب البوليسية ليست مجرد أدوات تُستخدم ثم تُرمى حين تنتهي صلاحيتها، بل هي شركاء فعلية لرجال الشرطة تتعرض لمخاطر جسيمة أثناء أداء واجبها وقد تُصاب بإعاقات دائمة نتيجة عملها. وأن التخلي عن هذه الكلاب بعد استنزاف قدراتها في خدمة المجتمع يُمثل قصوراً أخلاقياً لا يليق بمؤسسة تُفترض فيها أعلى معايير العدالة والإنصاف. كما يُشيرون إلى أن تكلفة المعاشات تُعدّ ضئيلة مقارنة بالخدمات الجليلة التي تقدمها هذه الكلاب على مدار سنوات خدمتها.
أدوار الكلاب البوليسية في بريطانيا
وتتقاعد نحو ستة كلاب بوليسية عن الخدمة كل عام بعد أن أمضت حياتها في مساعدة قوى الشرطة البريطانية في اعتقال المطلوبين والسيطرة على الحشود ومكافحة المخدرات وتفتيش العقارات. وتتنوع المهام التي تُؤديها الكلاب البوليسية بحسب تدريبها وتخصصها، فمنها كلاب التتبع التي تتعقب آثار المشتبه بهم لمسافات طويلة، ومنها كلاب الكشف المتخصصة في اكتشاف المواد المخدرة والمتفجرات والأسلحة، ومنها كلاب التدخل السريع التي تُستخدم في عمليات الاقتحام والاعتقال.
أنواع الكلاب المستخدمة في العمل الشرطي
يعتمد العمل الشرطي على سلالات محددة من الكلاب تتميز بصفات تجعلها مؤهلة لأداء المهام الأمنية. وتُعدّ فصيلة الجيرمن شيبرد من أشهر السلالات المستخدمة نظراً لذكائها العالي وقابليتها للتدريب وقدرتها على العمل في ظروف متنوعة. كما تُستخدم فصيلة المالينوا البلجيكية المتخصصة في العمليات السريعة والمطاردات، وفصيلة اللابرادور والسبانيل المتخصصة في الكشف عن المواد المخدرة والمتفجرات بفضل حاستها الشمية الفائقة.
حياة الكلاب البوليسية بعد التقاعد
قبل إطلاق مشروع المعاشات كان مصير الكلاب البوليسية المتقاعدة يتوقف على مدى توفر أشخاص راغبين في تبنيها والاعتناء بها. فبعد سنوات من الخدمة المكثفة يجد بعضها نفسه بدون مأوى أو رعاية بيطرية كافية، لا سيما وأن الكلاب العاملة في مجال الأمن تُعاني غالباً من مشكلات صحية مزمنة نتيجة الإجهاد البدني والمواقف الخطرة التي واجهتها طوال حياتها المهنية. وقد أدركت شرطة نوتنغهامشاير أن هذه المشكلات تستدعي تدخلاً رسمياً يضمن حياة كريمة لهذه الشريكة بعد تقاعدها.
التبني والرعاية المنزلية
يُفضّل كثير من ضباط الشرطة الذين عملوا مع الكلاب البوليسية الاحتفاظ بها بعد تقاعدها نظراً للرابطة القوية التي تنشأ بين الضابط وكلبه خلال سنوات العمل المشترك. وتُشكّل هذه الرابطة علاقة مبنية على الثقة المتبادلة والتفاهم التي يصعب تعويضها مع كلب آخر. غير أن تكاليف الرعاية البيطرية والغذائية يمكن أن تكون مرهقة مالياً للضابط أو الأسرة التي تتبنى الكلب المتقاعد، وهو ما يجعل المعاش التقاعدي دعماً محورياً في ضمان استمرار الرعاية المناسبة.
مقارنة مع ممارسات دول أخرى
لا تقتصر ظاهرة استخدام الكلاب في العمل الأمني على بريطانيا بل تُعدّ ممارسة عالمية تشترك فيها أجهزة الشرطة في معظم دول العالم. غير أن مستوى الرعاية المقدمة بعد التقاعد يتفاوت بشكل كبير بين دولة وأخرى. ففي الولايات المتحدة أنشئت منظمات خيرية متخصصة في رعاية الكلاب العسكرية والشرطية المتقاعدة تجمع التبرعات لتغطية نفقات علاجها. وأصدر الكونغرس الأمريكي عام 2016 قانون حيوانات العمل العسكرية الذي يسمح بتبني هذه الكلاب من قبل أفراد القوات المسلحة أو مدربيها السابقين. أما في الدول التي لا تملك مثل هذه المنظمات أو التشريعات فقد تنتهي حياة الكلاب المتقاعدة في ملاجئ الحيوانات أو حتى بالإهمال والتخلي عنها وهو مصير مؤسف لحيوانات قضت سنوات في خدمة مجتمعاتها.
التشريعات الحامية لحيوانات العمل
شهدت السنوات الأخيرة حركة متصاعدة للمطالبة بتشريعات تحمي حيوانات العمل وتضمن رعايتها بعد انتهاء خدمتها. وتُعدّ مبادرة شرطة نوتنغهامشاير خطوة رائدة في هذا الاتجاه قد تُلهم أجهزة شرطة أخرى داخل المملكة المتحدة وخارجها لاتخاذ إجراءات مشابهة. ويرى المؤيدون أن الاعتراف بحقوق حيوانات العمل ورفاهيتها ليس ترفاً بل هو التزام أخلاقي ينعكس على قيم المجتمع بأسره وطريقة تعامله مع الكائنات التي تُسهم في حمايته وأمنه. وتبقى الأمل أن تتحول هذه المبادرة المحلية إلى نموذج يُحتذى به على نطاق أوسع بحيث يُصبح حق الكلاب البوليسية في معاش تقاعدي أمراً معترفاً به في كل مكان تعمل فيه هذه الكلاب الشريكة في سبيل حماية المجتمع وأمنه.
.png)