تثير المنظمات السرية فضول الناس منذ قرون، وتأتي الماسونية في مقدمتها لما يحيط بها من رموز وطقوس ونظريات متداولة. ويسأل كثيرون عن مراتب ودرجات الماسونية وما تعنيه كل مرتبة، وكيف يتدرج العضو فيها، وما الفرق بين الدرجات الأساسية والدرجات الإضافية في الأنظمة الأخرى.
نقدم في هذا المقال خلفية تاريخية عن نشأة هذه الجماعة، ثم نشرح بنية المحافل، والدرجات الثلاث الرمزية، والأنظمة الملحقة بها، مع عرض موجز للمواقف النقدية منها، ومنها موقف عدد من العلماء والمجامع الفقهية الإسلامية.
المراتب الثلاث في الفكر الماسوني
الماسونية منظمة عالمية معروفة لدى العديد من الاشخاص وهي منظمة تدعي بأنها تعنى بالاخوة البشرية ، وهي تصنف اعضائها الى مراتب ثلاث سوف نقوم بشرحها.
مرتبة المبتدئ
مرتبة المبتدئ أو (Entered Apprentice Degree) تجب على المبتدئ حسب المبادئ العامة للماسونية الحياة، ويجب عليه عند أدائه قسم العضوية أن يلبس رداءً خاصاً يزوده به المقر، وحسب الماسونيين فإن الطقوس التي يصفها البعض بالمرعبة ما هي إلا رموز استخدمها أوائل الماسونيين، حيث كان الإنسان القديم يؤمن بأن روح الإنسان تهبط من أجواء كونية قبل استقرارها في جسد الإنسان عند الولادة، وحسب المعتقدات القديمة فإن تلك الروح تتحلى بصفات ذلك الفضاء الكوني الخاص الذي مرت به الروح أثناء رحلتها إلى الجسد.
يفسر الماسونيون وضع عصابة على عيني المبتدئ أثناء أدائه القسم على أنه رمز إلى الجهل أو الظلام الذي كان فيه الشخص قبل اكتشافه لحقيقة نفسه عن طريق الماسونية، وإن هذه العصابة ستزال عندما يصبح المبتدئ الذي يؤدي القسم مستعداً لاستقبال الضياء، وبالنسبة للحبل المستخدم أثناء تأدية قسم العضوية فيفسره الماسونيون كرمز للحبل السري الذي يعتبر ضرورياً لبدء الحياة ولكنه يقطع أو يستبدل بعد القسم بمفاهيم الحب والعناية التي تعتبر ضرورية لإدامة الحياة.
صعود السلم طقس يستعمل في مراسيم وصول الماسوني إلى مرتبة أهل الصنعة.
تبدأ بعد ذلك عملية الطواف حول الهيكل باتجاه دوران عقارب الساعة والذي يعتبره الماسونيون رمزاً لحركة الشمس، وأثناء الطواف يدرك المبتدئ النظام الكوني وبعد الطواف حول الهيكل يقوم المبتدئ بالسجود للهيكل، وهذا الهيكل حسب المفهوم الماسوني هو رمز لنقطة التقاء الشخص مع الخالق بغض النظر عن الدين السماوي الذي يتبعه المبتدئ، ويقع هذا الهيكل في وسط المقر. تكون صلاحيات المبتدئ محدودة فلا يحق له مثلاً التصويت لقبول عضو جديد ولا يحق له تنظيم أعمال خيرية، ولكنه يستطيع حضور الاجتماعات والطقوس الجنائزية عند موت عضو ماسوني.
مرتبة أهل الصنعة
مرتبة أهل الصنعة أو (Fellowcraft Degree) تمثل هذه المرحلة حسب الفكر الماسوني مرحلة البلوغ والمسؤولية في حياة الإنسان على الأرض، ويجب على العضو في هذه المرحلة أن يبني صفاته الحسنة ويساهم في تحسين ظروف المجتمع الذي يعيش فيه. يستخدم في مراسيم هذه المرتبة مواد للقياس كانت تستعمل من قبل البنائين القدماء، ويجب على العضو أن يصعد سلماً ينتهي إلى وسط الهيكل كرمز للصعود والتطور في فهم العضو لمبادئ الماسونية. في هذه المرتبة يتعرف العضو على التفاصيل الدقيقة لمعاني ورموز الطقوس المتبعة في الماسونية. من أهم الأدوات التي تستعمل في طقوس هذه المرتبة هي الزاوية القائمة التي ترمز حسب معتقد الماسونيين إلى الزاوية المطلوبة في بناء جدار على أساس قوي، وهناك في هذه المرحلة عمودين عند مدخل قبر رمزي لمعبد سليمان، ويعتقد البعض أن العمودين يمثلان الليل والنهار الذين ـ حسب المعتقدات القديمة ـ استعملهما الخالق الأعظم لإرشاد بني إسرائيل إلى الطريق المؤدي إلى الأرض الموعودة.
مرتبة الخبير
مرتبة الخبير أو (Master Mason Degree) وهي أعلى المراتب في الماسونية. وهناك مقرات تقبل فقط عضوية الماسونيين الواصلين إلى مرحلة الخبير، في هذه المرحلة وحسب المعتقد الماسوني يصل العضو إلى حالة توازن بين العوامل الداخلية التي تحرك الإنسان والجانب الروحي الذي يربطه بالخالق الأعظم.
من الرموز المستخدمة في طقوس هذه المرتبة هي آلة البناء المسماة المسطرين أو المالج والتي ترمز إلى ربط جميع مفاهيم الماسونية ونشر الحب الأخوي. ومن وجهة نظر الماسونيين فإن طقوس هذه المرتبة فيها إشارة إلى الخبير في المعمار حيرام آبيف - Hiram Abiff - والذي كان أحد البنائين الرئيسيين في مشروع بناء معبد القدس في عهد سليمان. ومن الرموز الأخرى في مراسيم هذه المرحلة هو شعار الأسد الملكي الذي يرمز لقبائل بني إسرائيل القديمة. ومن مسؤوليات الخبير الاقتراع على قبول أعضاء جدد والقيام بأعمال أو مشاريع خيرية والبحث والتحري عن خلفية طالبي العضوية ومسؤوليات مالية متفرقة.
يعتقد البعض أن هناك مراتب رقمية في الماسونية، وهذا الادعاء يعتبره الماسونيون ادعاءً خاطئاً. على سبيل المثال يتبع المقر الأعظم في إسكتلندا نظاماً رقمياً، ومن أشهر هذه المراتب هي المرتبة 33 وهذه لا تعني أن هناك 32 مرتبة تحت هذه المرتبة، ولا تعني أيضاً أنها تصنيف آخر لمراتب الماسونية، فالماسونية لها 3 مراتب فقط، وتعتبر المرتبة 33 كشهادة تقدير فخرية للأعمال المميزة التي قام بها شخص معين في خدمة الماسونية.
وهناك أيضاً في النظام الماسوني الإسكتلندي مرتبة فخرية أخرى مشهورة ألا وهي المرتبة 14. ويرتدي هؤلاء عادة خواتم خاصة عند منحهم هذه الشهادات الفخرية. بينما يصر البعض على أن هناك مراتب رقمية في الماسونية تبدأ من المرتبة 1 وتنتهي بالمرتبة 33.
النشأة التاريخية للحركة
يربط المؤرخون أصول هذه الجماعة بنقابات البنائين الحجريين في أوروبا خلال العصور الوسطى، إذ كان البناؤون المهرة الذين يشيدون الكاتدرائيات والقلاع ينتظمون في جمعيات مهنية تحفظ أسرار الصنعة وتنظم التدريب والتدرج من متعلم إلى معلم. ومع مرور الوقت بدأت هذه الجمعيات تقبل أعضاء من غير البنائين، فتحولت تدريجياً من نقابات حرفية إلى جمعيات فكرية رمزية.
ويُعد تأسيس المحفل الأعظم في لندن عام 1717 محطة فارقة في تاريخها الحديث، إذ اتخذت بعده شكلاً تنظيمياً واضحاً انتشر إلى أوروبا والأمريكتين ثم إلى مناطق أخرى من العالم عبر التجارة والاستعمار.
بنية المحفل وتنظيمه
الوحدة الأساسية في هذا التنظيم هي المحفل، وهو مجموعة من الأعضاء يجتمعون في مكان مخصص، ويرأسهم من يُعرف بالأستاذ الأعظم للمحفل. وتتبع المحافل المحلية محفلاً أعظم في كل دولة أو إقليم، ويتمتع كل محفل أعظم باستقلالية في إدارة شؤونه، مع وجود اعتراف متبادل بين بعضها وخلافات بين بعضها الآخر.
الرموز المستعملة
- الزاوية والفرجار: وهما أشهر الشعارات، ويرمزان في تفسيرهم إلى ضبط السلوك والاعتدال.
- المئزر: رداء رمزي مستوحى من مآزر البنائين.
- العمودان: اللذان يرمزان إلى مدخل هيكل سليمان كما يصوره التراث الماسوني.
- العين داخل المثلث: رمز تُنسب إليه دلالات كثيرة، ويرى مؤرخون أن ربطه الحصري بالماسونية مبالغ فيه.
الدرجات الرمزية الثلاث
تتفق أغلب المحافل على أن العضوية الأساسية تقوم على ثلاث درجات، تُعرف بالدرجات الزرقاء أو الرمزية:
- المبتدئ أو المتدرب: وهي مرحلة الدخول وتعلم الأساسيات.
- رفيق الصنعة: وتركز على التعلم والفنون الحرة في التصور الماسوني.
- الأستاذ الماسوني: وهي أعلى الدرجات الأساسية، وترتبط طقوسها بأسطورة رمزية عن مهندس بناء الهيكل المسمى حيرام أبيف، وتدور حول معاني الوفاء والموت والبعث الرمزي.
الدرجات الإضافية
بعد بلوغ درجة الأستاذ يمكن للعضو في بعض البلدان الانضمام إلى أنظمة إضافية، أشهرها الطقس الاسكتلندي القديم والمقبول الذي يضم ثلاثاً وثلاثين درجة، وطقس يورك الذي يضم مجموعة من الهيئات المتتابعة. ويؤكد الماسونيون أن هذه الدرجات لا تعني سلطة أعلى من درجة الأستاذ، بل هي مراحل تعليمية رمزية إضافية، بينما يرى منتقدون أن هذا التدرج يخفي هرمية غير معلنة.
شروط الانتساب وطقوس الترقي
تشترط المحافل التقليدية عادة أن يكون المتقدم بالغاً، حسن السمعة، مؤمناً بوجود خالق، وأن يزكيه عضوان أو أكثر من الأعضاء. ولا ينتقل العضو من درجة إلى أخرى إلا بعد مدة من الدراسة وحفظ نصوص الطقوس وإثبات فهمه لرموزها أمام زملائه.
المواقف النقدية من الماسونية
واجهت هذه الجماعة انتقادات واسعة عبر تاريخها، فقد أصدرت الكنيسة الكاثوليكية مواقف تمنع أتباعها من الانضمام إليها، وحظرتها أنظمة سياسية متعددة في أوقات مختلفة. كما أصدرت مجامع فقهية إسلامية وعلماء كثيرون قرارات وفتاوى تحذر من الانتماء إليها، معللين ذلك بغموض أهدافها وطقوسها السرية ومساواتها بين الأديان. وفي المقابل تنتشر حولها نظريات مؤامرة مبالغ فيها لا يقوم أغلبها على أدلة موثقة، ولذلك يحرص الباحثون الجادون على التمييز بين ما هو ثابت تاريخياً وما هو من قبيل الإشاعات.
أسئلة شائعة
كم عدد درجات الماسونية؟
الدرجات الأساسية ثلاث فقط، أما الحديث عن ثلاث وثلاثين درجة فيخص الطقس الاسكتلندي بوصفه نظاماً إضافياً لا يلتحق به جميع الأعضاء.
هل الماسونية دين مستقل؟
يقدم أعضاؤها أنفسهم بوصفهم جمعية أخوية لا ديناً، ويشترطون الإيمان بكائن أعلى دون تحديد دين معين، وهذا بالذات من أسباب انتقادها من علماء الأديان.
ما معنى كلمة ماسوني؟
الكلمة مأخوذة من اللفظ الإنجليزي الدال على البنّاء، ويُترجم الاسم أحياناً إلى البنائين الأحرار.
خلاصة
نشأت هذه الحركة من نقابات البنائين الأوروبية ثم تحولت إلى تنظيم رمزي ذي محافل ودرجات، أساسها ثلاث مراتب تبدأ بالمبتدئ وتنتهي بالأستاذ، وتليها أنظمة إضافية في بعض البلدان. وبين رواية أعضائها عن أنفسهم وانتقادات خصومها ونظريات المؤامرة المتداولة، يبقى المنهج العلمي القائم على المصادر الموثقة هو السبيل الأمثل لفهم حقيقتها.