أراضي الأشجار القمئية

ليست الغابات الكثيفة والصحارى الجرداء هي وحدها ما يغطي سطح اليابسة، فبينهما مساحات واسعة تكسوها الشجيرات والنباتات الخشبية المنخفضة، وهي ما يُعرف بأراضي الأشجار القمئية أو أراضي الجنيبات. ويضم هذا النظام البيئي تنوعاً نباتياً وحيوانياً لافتاً، وله أهمية كبيرة للإنسان والطبيعة.

بعد عرض تعريف هذه الأراضي وتصنيفاتها كما وردت في المقال، نتناول تكيفات نباتاتها مع الجفاف والحرائق، وأشهر نماذجها حول العالم، وحضورها في البلدان العربية، والأخطار التي تهددها، وسبل حمايتها.

تعريف أراضي الجنيبات وتصنيفها

أراضي الأشجار القمئية أو أراضي الجنيبات



أراضي الأشجار القمئية، وبتسمية اخرى أراضي الجُنيبات، أو أراضي الأشجار المُنخفضة، أو أراضي الآجام، هي عبارة عن مجمع نباتي يُشكّل موئلاً طبيعيًا، تُهيمن عليه الشجيرات بصورة رئيسيّة، وتنمو إلى جانبها بعض الأعشاب والعطريّات وذوات البراعم التحتأرضيّة.



 يُمكن لهذا النوع من الاشجار الموائل أن يتشكّل بصورة طبيعية، أو بفعل النشاط البشري، إذ يجوز أن تكون الجُنيبات هي النباتات الوحيدة السائدة في المنطقة لفترة معينة، أو أن تكون قد سيطرت على المنظر الطبيعي بسبب حادث ما، كحريق دمّر الغابات وأشجارها.


غالبًا ما تبقى الجنبات سائدة لفترة زمينة محددة قبل أن تؤول إلى أحراج أو غابات ثانوية، لكن يمكن أن تبقى على حالها بحال استمرت تتعرض لضغط الرعي أو للحرائق والتحطيب، وهي في العادة غير مُلائمة للاستيطان البشري بسبب ارتفاع نسبة الحرائق فيها. صيغ مُصطلح shrubland الإنگليزي، الذي عُرّب إلى أراضي الأشجار القمئية وما يُرادفها، صيغ لأوّل مرة في سنة 1903.

 تُظهر أنواع الشجيرات النامية في أراضي الجُنيبات طائفة واسعة من التكيفات مع الحرائق، فهي على سبيل المثال تُنتج بذورًا بكثافة، ودرناتها مُخشبة، بل أن الحريق ذاته يُحفّز بذورها المدفونة على الإنبات.

الهيكلية النباتية في أراضي الأشجار القمئية

تُعرّف الجنبة أو الشجيرة أو الشجرة القمئية في علميّ النبات والبيئة، أنها نبتة مُتخشبة كثيرة الفروع يقل حجمها عن 8 أمتار وتمتلك عددًا من السوق.

 يتراوح ارتفاع الجنبات الطويلة بين مترين و8 أمتار، وتلك الصغيرة بين متر ومترين، أما شبه الجنبات فارتفاعها يقل عن المتر.

يصف أحد النظم التصويرية المُقتبس على نطاق واسع في إستراليا، يصف الأنواع المختلفة من النبات بالاعتماد على خصائصها الهيكلية بالاستناد إلى مُخططات الحياة النباتية التي وضعها علماء مختصون، وبالاستناد إلى ارتفاع النوع الأكثر هيمنةً وكثافة غطائه الأخضر.

 وبناءً على هذا تبيّن أن الجُنيبات التي يتراوح طولها بين 2 و8 أمتار يمكن تقسيمها من حيث الهيكلية إلى ما يلي:
1- ذات الغطاء الكثيف (70–100%) - جُنيبات مُغلقة.
2- ذات الغطاء المعتدل (30–70%) - جُنيبات مكشوفة.
3- ذات الغطاء الهزيل (10–30%) - جُنيبات طويلة.
4- ذات الغطاء شديد الهُزال (<10%) - جُنيبات طويلة مكشوفة.

أما الجُنيبات التي يقل ارتفاعها عن مترين فيمكن تقسيمها من حيث الهيكلية إلى ما يلي:
1- ذات الغطاء الكثيف (70–100%) - خلنج مُغلق.
2- ذات الغطاء المُعتدل (30–70%) - خلنج مكشوف.
3- ذات الغطاء الهزيل (10–30%) - جُنيبات منخفضة.
4- ذات الغطاء شديد الهُزال (<10%) - جُنيبات منخفضة مكشوفة.

الأشجار القمئية كمجموعة نباتية أحيائية

يُطلق مُصطلح أراضي الأشجار القمئية على عدّة أشكال من التجمعات النباتية المُشكلة مجالاً حيويًا بيئيًا.

 وفي هذا السياق يُقصد بأراضي الأشجار القمئية تلك الأراضي المكسوّة بأجمات أو أيكات كثيفة دائمة الخضرة وخشنة الأوراق، وهي تضم:
1- جنبات بلوط التشاپارل في كاليفورنيا.
2- أراضي "الماتورال" في التشيلي وإسبانيا.
3- أراضي "الماكي" في حوض البحر المتوسط.
4- الكوونگان في إستراليا.
5- جنبات الأرز في مُقاطعة التلال بولاية تكساس الأمريكية.

تتكوّن أراضي الأشجار القمئية في بعض المناطق نتيجة العوامل الطبيعية، وحينها يُلاحظ أن الجنبات تُشكّل النباتات المهيمنة في ذاك الموائل، أما في مناطق أخرى فهي تتشكل بفعل تآكل الغابات أو الأحراج بفعل التحطيب أو الرعي الجائر، أو بسبب الحرائق الهائلة.

 يُصنّف صندوق الحفاظ على الحياة البرية عدد من المجالات الحيوية البيئية على أساس أنها تدخل ضمن أراضي الأشجار القمئية، ومنها:

أراضي الجنبات الصحراوية
توجد هذه الأراضي في المناطق الصحراوية الآجاميّة حول العالم، أو في المناطق التي تتعرض تربتها للجفاف السريع وتستحيل رمالاً لا خير فيها. تتميز نباتات هذه الأراضي بتكيفها مع المناخ الجاف، حيث تمتلك أوراقًا صغيرة تحدّ من خسارة المياه، وأشواك تحميها من شراهة الحيوانات الراعية، وأوراق أو سوق عُصاريّة، وأعضاء تخزن فيها الماء، وجذور طويلة تمتد طويلاً تحت الأرض.

أراضي الجنبات المتوسطيّة
تنمو هذه الجنبات بشكل طبيعي في البيئة المتوسطية، في خمسة أقاليم حول العالم. ويُلاحظ أن الأشجار القمئية في هذه المنطقة البيئية أكثر شيوعًا بالقرب من الشواطئ، وأنها قد تكيّفت مع الرياح العاتية حاملة الأملاح. تُعرف الجنبات القصيرة ناعمة الأوراق بأسماء مختلفة في دول حوض البحر المتوسط، فهي الگاريغ في فرنسا، والفرايگنة في اليونان، والتوميلاريس في إسبانيا، والباثا في إسرائيل. وإلى جانب حوض المتوسط سالف الذكر، يُمكن العثور على أراضي الجنبات المتوسطية في كلٍ من: كاليفورنيا، الممثلة فيها عبر جنبات الساحل الشمالي، وجنبات المريمية الساحلية، وفي غربيّ رأس الرجاء الصالح بجنوب أفريقيا حيث تُعرف باسم الستراندڤلد، وفي وسط التشيلي، وجنوب غرب أستراليا.

أراضي الجنبات الداخلية
توجد هذه الأراي بشكلٍ طبيعي في المناطق شبه القاحلة، حيث التربة فقيرة بالمغذيات، كما في مناطق الماتاس في البرتغال التي تُبطن صخور الشست العائدة للحقبتين الكمبرية والسيلورية، وأراضي الجنبات في ولاية فلوريدا الأمريكية.

الجنبات القزمة
تنمو بعض الجنبات حتى تبلغ حجمًا صغيرًا لا تتعداه، فتعرف باسم الجنبات القزمة، أو شبه الجنبات، أو الجنبات الزاحفة، أو المُنخفضة.

وهذه تضم "الماكي" المتوسطية، والجنبات القزمة مُحبة الحمض، والتي تنمو في الأراضي البور وأراضي الخلنج.

كيف تتكيف الشجيرات مع بيئتها؟

تعيش نباتات هذه الأراضي في ظروف صعبة غالباً، كالصيف الحار الجاف والتربة الفقيرة والرياح القوية، ولذلك طورت عبر الزمن مجموعة من التكيفات اللافتة:

الأوراق الجلدية الصلبة

تمتلك كثير من الشجيرات أوراقاً سميكة صلبة مغطاة بطبقة شمعية، تُعرف علمياً بالأوراق المتصلبة، وهي تقلل فقدان الماء بالتبخر وتبقى على النبات طوال العام، فلا يحتاج إلى إنفاق طاقة في تجديدها كل موسم.

الزيوت العطرية

تنتج نباتات كثيرة في هذه البيئات زيوتاً عطرية قوية الرائحة، مثل الزعتر وإكليل الجبل والخزامى والمريمية، ويرى الباحثون أن هذه الزيوت تحمي النبات من الحيوانات الراعية والحشرات، وقد تقلل من فقدان الماء.

التعايش مع الحرائق

الحريق جزء من دورة حياة كثير من هذه الأنظمة، ولذلك تمتلك بعض الأنواع جذوراً أو قواعد خشبية متضخمة تخزن الغذاء وتسمح بنمو براعم جديدة بعد احتراق الأجزاء العلوية، بينما تحتفظ أنواع أخرى ببذورها في ثمار صلبة لا تتفتح إلا بفعل الحرارة، فتنبت بعد الحريق في تربة غنية بالرماد وخالية من المنافسين.

نماذج شهيرة حول العالم

  • الماكي والغاريغ: في حوض البحر المتوسط، الأول كثيف مرتفع نسبياً والثاني أقصر وأكثر انفتاحاً.
  • التشابارال: في كاليفورنيا، ويشتهر بحرائقه الموسمية التي تُعد جزءاً من دورته الطبيعية.
  • الفينبوس: في منطقة الكاب بجنوب أفريقيا، ويُعد من أغنى مناطق العالم بالأنواع النباتية المتوطنة.
  • الماتورال: في وسط تشيلي، ويتشابه مناخه مع مناخ المتوسط.
  • المالي والكوونغان: في جنوب غرب أستراليا، وتسودها أنواع من الأوكالبتوس القزمة وشجيرات متنوعة.

ويلاحظ العلماء أن هذه المناطق المتباعدة جغرافياً تشترك في مناخ متشابه ذي شتاء ماطر وصيف جاف، مما أدى إلى تشابه مظهر نباتاتها رغم اختلاف أصولها، وهي ظاهرة تُعرف بالتطور التقاربي.

الجنيبات في البلاد العربية

تنتشر أراضي الشجيرات في المناطق المتوسطية من بلاد الشام وشمال أفريقيا، على السفوح والتلال التي تعرضت غاباتها الأصلية للقطع والرعي عبر قرون طويلة. ومن نباتاتها المعروفة البلوط القزم والبطم والقندول والزعتر البري والقصعين. كما تنتشر في المناطق الجافة وشبه الجافة شجيرات صحراوية مثل الرتم والغضا والشيح والرمث، وهي مصدر مهم لرعي الإبل والأغنام، ولبعضها استخدامات تقليدية في الوقود والطب الشعبي.

وقد ارتبطت هذه النباتات بالحياة اليومية لسكان الريف والبادية، فمنها يُجمع الحطب، ومن أزهارها يتغذى النحل البري، ومن أوراق بعضها تُصنع مشروبات عشبية تقليدية. لكن الضغط المتزايد عليها جعل كثيراً من المواقع يتدهور، فتحولت شجيرات كثيفة إلى أرض شبه عارية، وهو ما دفع جهات بيئية في عدد من الدول إلى إطلاق برامج لحماية المراعي وإعادة زراعة الأنواع المحلية.

الأهمية البيئية والاقتصادية

  1. حماية التربة من الانجراف بفعل الأمطار والرياح.
  2. توفير المأوى والغذاء لعدد كبير من الطيور والزواحف والثدييات الصغيرة والحشرات الملقحة.
  3. إنتاج النباتات العطرية والطبية والعسل.
  4. توفير المراعي الطبيعية للماشية.
  5. تخزين قدر من الكربون في النباتات والتربة.

الأخطار وسبل الحماية

تواجه هذه الأنظمة تهديدات متعددة، منها التوسع العمراني والزراعي، والرعي الجائر، والاحتطاب، وتغير أنماط الحرائق بسبب الاحترار وتدخل الإنسان، إضافة إلى انتشار النباتات الغازية الدخيلة. وتشمل سبل الحماية تنظيم الرعي، وإنشاء المحميات، وإدارة الحرائق بطرق علمية، وإعادة تأهيل المواقع المتدهورة بالأنواع المحلية.

أسئلة شائعة

ما الفرق بين الشجيرة والشجرة؟

الشجرة غالباً ذات جذع رئيسي واحد وارتفاع كبير، أما الشجيرة فنبات خشبي أقصر تتفرع سيقانه المتعددة من قرب سطح الأرض.

هل أراضي الجنيبات مرحلة مؤقتة؟

قد تكون مرحلة انتقالية بعد حريق أو قطع للغابة، وقد تكون نظاماً مستقراً تفرضه ظروف المناخ والتربة.

لماذا تتكرر فيها الحرائق؟

بسبب الصيف الجاف وتراكم المواد النباتية القابلة للاشتعال وغناها بالزيوت العطرية.

خلاصة

تمثل أراضي الشجيرات نظاماً بيئياً قائماً بذاته، تكيفت نباتاته مع الجفاف والحرائق والتربة الفقيرة، وانتشر في قارات متعددة تجمعها ظروف مناخية متشابهة. وحمايتها تعني حماية تنوع حيوي غني ومراعٍ ونباتات طبية وعطرية ارتبطت بها حياة الإنسان منذ القدم.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !