تُعد الطاقة الكهرومائية من أقدم مصادر الطاقة المتجددة وأوسعها استخداماً في توليد الكهرباء حول العالم، فهي تعتمد على حركة المياه المتدفقة أو المنحدرة من مكان مرتفع لتدوير التوربينات. وتسهم محطاتها في تغذية مدن كاملة بالكهرباء، وتؤدي دوراً مهماً في استقرار الشبكات الكهربائية.
في هذا المقال نستعرض تاريخ استغلال قوة المياه، ونشرح أنواع المحطات والتوربينات، ونتعرف إلى أشهر السدود في العالم والعالم العربي، ثم نوازن بين مزايا هذا المصدر وآثاره البيئية والاجتماعية، ونجيب عن أسئلة شائعة حوله.
كيف تُولَّد الكهرباء من الماء؟
.jpg)
الطاقة الكهرومائية اي طاقة الكهرباء وطاقة الماء معاً ، هذه الطاقة من انواع الطاقة النظيفة التي لاتؤذي البيئة ، تنتج هذه الطاقة من خلال استخدام المياه الكامنة لانتاج الكهرباء وهذه الطريقة مستخدمة بشكل واسع في العالم.
طريقة توليد الطاقة الكهرومائية:
تعتمد طريقة التوليد على تحويل طاقة الوضع للمياه إلى طاقة حركية أولا حيث ينهدر الماء من عالي ليدير توربينا ، فيدير بدوره مولد كهربائي وينتج لنا طاقة كهربائية.
تعتمد كمية الطاقة المنتجة على كمية الماءالمارة بالثانية وعلى ارتفاع الماء ، فكلما زاد معدل كمية الماء المار في التوربين زادت الطاقة المنتجة، وكلما زاد ارتفاع الماء زادت الطاقة الناتجة أيضا ، ومعامل التناسب هو عجلة الجاذبية الأرضية كما سنراه هنا.
ولتوليد الكهرباء من طاقة وضع الماء يستلزم الآتي :
يبنى سد على مجرى مائي , فيحجز الماء خلفه لتتكون بحيرة اصطناعية عالية بسعة مائية كبيرة. وتعتمد طاقة الوضع في ذلك الخزان الكبير على كمية المياه التي يحتويها (وبالتالي كتلتها) , وعلى ارتفاع منسوب الماء ، وعلى الجاذبية الأرضية ، طبقا للمعادلة الرياضية:
طاقة الوضع = كتلة × الجاذبية الأرضية × ارتفاع
حيث: نقيس الكتلة بالكيلوجرام
- والجاذبية : 81 .9 متر/ مربع الثانية
- الارتفاع : بالمتر (ارتفاع منسوب الماء بالنسبة للتوربين)
عند فتح المنفذ المائي في السد, تتدفق المياه بتأثير الجاذبية, وتتحول طاقة الوضع الكامنة في الماء إلى طاقة حركية. وإذا أهملنا مقاومة أنبوب تدفق المياه أثناء حركتها إلى التوربين يمكن القول أن طاقة الوضع للماء تتحول بكاملها تقريبا إلى طاقة حركية تدير التوربين.
يدير التوربين بدوره مولد الكهرباء في معمل التوليد وينشأ التيار الكهربائي.
يعتمد مردود هذه العملية على كفاءة تدوير العنفات, ومقدار الطاقة المهدورة بالاحتكاك خلال التدوير.
في المولد الكهربائي تتحول طاقة التدوير الآلية بواسطة المجال المغناطيسي العالي الموجود به إلى توليد الطاقة الكهربائية بالحث المغناطيسي , تماما كما في مولد الدراجة (يسمى أحيانا "الدينامو") أو السيارة.
أخيرا تنقل الطاقة الكهربائية المولدة إلى شبكة التغذية بتوتر عال لتقليل الهدر الناجم عن مقاومة التيار الكهربائي في الأسلاك.
تستعمل تقنيات أخرى في توليد الطاقة الكهرَمائية، كاستخدام طاقة المياه الحركية في الأمواج مثلا أو طاقة المد والجزر.
الاستخدام العالمي ومزايا الطاقة الكهرَمائية:
تقدر حصة الطاقة الكهرمائية بنسبة 19 بالمئة من إنتاج الطاقة الكهربائية العالمي(المصدر: الويكي الفرنسية).
وتكمن أهميتها في أنها من مصادر الطاقة المتجددة, والأقل خطرا على البيئة مقارنة بمعامل الكهرباء الحرارية التي تعمل بالوقود العضوي (فحم, نفط...) أو النووي.
و بشكل عام، تعتبر عملية توليد هذا النوع من الطاقة عالية المردود، إذ يصل مردودها إلى نسبة 80% - 90% وأكثر.
أكبر قدرة لمحطة توليد مائية موجودة حاليا تصل إلى 18.000 ميغاواط (سد الصين العظيم).
تاريخ استغلال قوة المياه
استخدم الإنسان قوة المياه منذ آلاف السنين قبل اكتشاف الكهرباء، إذ عرفت الحضارات القديمة النواعير والطواحين المائية لطحن الحبوب ورفع المياه للري. وما تزال نواعير حماة في سوريا شاهداً شهيراً على هذا التراث في العالم العربي. وفي الحضارة الإسلامية وصف المهندسون آلات تعمل بقوة الماء، كما انتشرت الطواحين المائية في أوروبا في العصور الوسطى.
ومع اختراع المولد الكهربائي في القرن التاسع عشر، بدأ استخدام التوربينات المائية لإنتاج الكهرباء، وظهرت أولى المحطات الكهرومائية في ثمانينيات ذلك القرن في الولايات المتحدة وبريطانيا. ثم توسع بناء السدود الكبرى خلال القرن العشرين، وأصبح هذا المصدر في فترات طويلة أكبر مصدر متجدد للكهرباء في العالم.
تصحيح قيمة الجاذبية
تجدر الإشارة إلى أن قيمة تسارع الجاذبية الأرضية المستخدمة في معادلة طاقة الوضع تبلغ نحو تسعة فاصلة واحد وثمانين متراً لكل ثانية مربعة، وهي القيمة المقصودة في المعادلة الواردة في المقال.
أنواع المحطات الكهرومائية
محطات السدود والخزانات
وهي الأكثر شيوعاً، وتقوم على بناء سد يحجز المياه خلفه في بحيرة صناعية، ثم يُطلق الماء عبر أنابيب ضخمة نحو التوربينات. وتتميز بقدرتها على التحكم في كمية الكهرباء المنتجة حسب الطلب.
محطات مجرى النهر
تستفيد من التدفق الطبيعي للنهر دون خزان كبير، أو بخزان صغير فقط، فيكون أثرها البيئي أقل، لكن إنتاجها يتغير بحسب موسم الأمطار وتدفق المياه.
محطات التخزين بالضخ
تعمل مثل بطارية عملاقة؛ ففي أوقات انخفاض الطلب يُستخدم فائض الكهرباء لضخ المياه من خزان سفلي إلى خزان علوي، وفي أوقات الذروة تُطلق المياه لتوليد الكهرباء من جديد. وتكتسب هذه المحطات أهمية متزايدة لتخزين الكهرباء المنتجة من الشمس والرياح.
المحطات الصغيرة والمتناهية الصغر
تُقام على الجداول والأنهار الصغيرة لتزويد القرى والمناطق النائية بالكهرباء، وتُعد حلاً عملياً في المناطق الجبلية البعيدة عن الشبكة.
مكونات المحطة من الخزان إلى الشبكة
تتكون المحطة النموذجية من عدة أجزاء يعمل كل منها في تسلسل محدد:
- السد والخزان: يحجزان المياه ويرفعان منسوبها لتوفير فرق الارتفاع المطلوب.
- مأخذ المياه: فتحة مزودة ببوابات وشبكات تمنع دخول الأغصان والمخلفات.
- أنبوب الضغط: مجرى مغلق ينقل الماء من المأخذ إلى التوربين، ويزداد ضغطه كلما انحدر.
- التوربين: يحول الطاقة الحركية للماء إلى حركة دورانية.
- المولد: متصل بمحور التوربين، ويحول الدوران إلى تيار كهربائي بالحث المغناطيسي.
- المحول: يرفع الجهد الكهربائي إلى مستويات عالية لتقليل الفاقد أثناء النقل لمسافات طويلة.
- مخرج المياه ومفيض الطوارئ: يعيد الماء إلى مجرى النهر، بينما يسمح المفيض بتصريف الفائض في مواسم الفيضان حماية لجسم السد.
ويُحسب إنتاج المحطة نظرياً بضرب كثافة الماء في تسارع الجاذبية في معدل التدفق في ارتفاع السقوط، ثم يُضرب الناتج في كفاءة المنظومة التي تكون مرتفعة نسبياً في المحطات الحديثة مقارنة بكثير من أنظمة توليد الطاقة الأخرى.
أنواع التوربينات المائية
- توربين فرانسيس: الأكثر استخداماً في المحطات الكبيرة، ويناسب الارتفاعات المتوسطة.
- توربين كابلان: يشبه مروحة السفينة بشفرات قابلة للضبط، ويناسب الارتفاعات المنخفضة والتدفقات الكبيرة.
- عجلة بيلتون: تتلقى نفاثات ماء قوية على أكواب مثبتة على محيطها، وتناسب الارتفاعات العالية جداً والتدفقات الصغيرة.
أشهر المشروعات في العالم
يُعد سد الممرات الثلاثة على نهر اليانغتسي في الصين أكبر محطة كهرومائية في العالم من حيث القدرة المركبة، ويليه في الشهرة سد إيتايبو على نهر بارانا بين البرازيل والباراغواي، الذي يُعد من أكبر المحطات إنتاجاً للكهرباء سنوياً. وفي العالم العربي يُعد السد العالي في أسوان على نهر النيل من أبرز المشروعات، فقد اكتمل بناؤه في ستينيات القرن العشرين ووفر الكهرباء والحماية من الفيضانات ومياه الري، كما توجد سدود ومحطات أخرى على نهري دجلة والفرات وفي المغرب ولبنان.
المزايا والتحديات
أبرز المزايا
- مصدر متجدد لا يطلق غازات احتراق أثناء التشغيل.
- تكاليف تشغيل منخفضة بعد البناء، وعمر طويل للمحطات قد يتجاوز عقوداً كثيرة.
- مرونة عالية في تعديل الإنتاج بسرعة لمواجهة تقلب الطلب.
- فوائد إضافية كالري ومكافحة الفيضانات وتوفير مياه الشرب والملاحة النهرية.
أبرز التحديات
- ارتفاع تكاليف البناء وطول مدة التنفيذ.
- تهجير السكان من المناطق التي تغمرها البحيرات الصناعية، وغرق مواقع أثرية أحياناً.
- التأثير في النظم البيئية للأنهار، كإعاقة هجرة الأسماك وحجز الطمي الذي يغذي الأراضي الزراعية.
- تأثر الإنتاج بالجفاف وتغير المناخ.
- انبعاث غاز الميثان من تحلل النباتات المغمورة في بعض الخزانات الاستوائية.
- الخلافات السياسية بين الدول المتشاطئة على الأنهار المشتركة.
آفاق المستقبل
تتجه كثير من الدول اليوم إلى تحديث المحطات القديمة بدلاً من بناء سدود جديدة ضخمة، وذلك باستبدال التوربينات والمولدات بأخرى أعلى كفاءة، وهو ما يرفع الإنتاج دون إغراق أراضٍ إضافية. كما يزداد الاهتمام بمحطات التخزين بالضخ لأنها تساعد على موازنة تقلب إنتاج الشمس والرياح، فتخزن الفائض نهاراً أو في أوقات الرياح القوية وتعيده إلى الشبكة عند الحاجة. ويعمل المهندسون كذلك على تصميم توربينات صديقة للأسماك، وسلالم تسمح لها بتجاوز السدود أثناء هجرتها، في محاولة للتوفيق بين إنتاج الكهرباء وحماية الأنهار.
أسئلة شائعة
هل الطاقة الكهرومائية نظيفة تماماً؟
هي منخفضة الانبعاثات أثناء التشغيل مقارنة بمحطات الوقود الأحفوري، لكن بناء السدود وتشغيلها له آثار بيئية واجتماعية لا يمكن تجاهلها.
ما العوامل التي تحدد كمية الكهرباء المنتجة؟
أهمها ارتفاع سقوط الماء وكمية التدفق في الثانية وكفاءة التوربينات والمولدات.
هل يمكن توليد الكهرباء من الأمواج والمد والجزر؟
نعم، وهي تقنيات مرتبطة باستغلال حركة المياه، لكنها ما تزال أقل انتشاراً وأكثر كلفة من المحطات النهرية التقليدية.
خلاصة
تحول استغلال قوة المياه من النواعير والطواحين القديمة إلى محطات عملاقة تنتج كميات هائلة من الكهرباء النظيفة نسبياً. وتتنوع المحطات بين السدود الكبرى ومحطات مجرى النهر والتخزين بالضخ، ولكل منها مزايا وتحديات. ويبقى التخطيط المتوازن الذي يراعي البيئة والسكان والعلاقات بين الدول شرطاً لنجاح هذه المشروعات واستدامتها، وضماناً لأن تبقى المياه مصدر خير ونماء للأجيال القادمة في كل مكان.
.png)