الجاذبية الأرضية

الجاذبية الأرضية هي القوة التي تبقينا على سطح الكوكب، وتجعل الأجسام تسقط نحو الأرض، وتحفظ الغلاف الجوي والمحيطات في أماكنها، وتمسك القمر في مداره. ورغم أننا نعيش معها في كل لحظة، فإن فهمها العلمي احتاج إلى قرون من التأمل والتجربة، من جاليليو ونيوتن إلى آينشتاين وعلماء الفيزياء المعاصرين.

نعرض في هذا المقال التعريف العلمي لتسارع الجاذبية وقيمته وتغيراته كما وردت، ثم نتوسع في تاريخ اكتشاف قوانين الجاذبية، والفرق بين الكتلة والوزن، وتأثير الجاذبية في المد والجزر، ومعنى انعدام الوزن في محطة الفضاء، وسرعة الإفلات، ورسم خرائط الجاذبية بالأقمار الصناعية، والموجات الثقالية.

تعريف تسارع الجاذبية الأرضية وقيمته

الجاذبية الأرضية وتسارع الأجسام نحو الأرض

جاذبية الأرض أو الجاذبية الأرضية، يرمز لها في الفيزياء بـg، تشير إلى التسارع الذي تمنحه الأرض للأجسام على السطح أو بالقرب منه. يقاس هذا التسارع بوحدات SI بـm/s2 أو م\ث2 في بعض التراجم العربية ولها قيمة تقريبية مقدارها 9.81 m/s2. معنى هذه القيمة أنه وعند إهمال تأثير الاحتكاك بالهواء أن سرعة السقوط الحر لجسم تزداد بمعدل 9.81 متر في الثانية في كل ثانية. ينبغي التفريق بين الرمز الصغير g وبين الكبير G والذي يرمز لـثابت الجذب العام.

يمكن القول أن هناك علاقة خطية تربط بين كل من وزن وكتلة الجسم، وبين تسارع الثقالة هذا ولذا قد يعبر عن الوزن بدلالة الكتلة تحت اسم مماثل يدعى قوة ثقالة. مع ذلك قد يتأثر هذا الوزن مع دوران الأرض حول نفسها بسبب تغير صافي التسارع الناجم عن كل من الجاذبية والطرد المركزي.

تعطى القيمة الدقيقة لقيمة الجاذبية الأرضية من تعريف الجاذبية القياسية وهي 9.80665 m/s2 كما أنها ليست القيمة الموجودة على خط الاستواء والتي تساوي 9.78033 m/s2.

يمكن تصور قوة الثقالة على أنها كرة عطالية ذات كثافة منتظمة. مثل هذا الجسم يمكن أن يولد حقلا متماثلا في القيمة والاتجاه على جميع النقاط على سطحه. في الواقع هناك بعض الاختلاف الطفيف في كل من القيمة والاتجاه عبر السطح وذلك بسبب عدم تماثل أيا من الكميتين المفترضتين تماما.

إضافة لذلك، فإن صافي القوة المبذول على الجسم بسبب تغير ما يدعى الجاذبية الظاهرية أو الجاذبية الفعالة وذلك لوجود قوى أخرى. تتغير شدة الثقالة الأرضية بتغير كل من خط العرض، العلو وطبيعة الأرض الطوبوغرافية والجيولوجية.

معلوم أن جاذبية الأرض أضعف بالقرب من خط الاستواء وذلك بسبب دوران الأرض الذي يولد قوى طرد مركزية. تولد الأرض قوى جذب مركزية، عاملة على حفظ الأجسام على سطحها (بما في ذلك حفظ السطح نفسه) بحيث تدور معها. يمكننا تخيل ما سيحدث لو أن الأرض توقفت فجأة عن الدوران، فسوف تتطاير الكائنات باتجاه حركتها وفقا لقوانين نيوتن للحركة (هنا التوقف عن الحرك وعواقبه يعتمد على نوع التوقف.

إذا كان التوقف هو عن الدوران المغزلي فقط فسوف تتطاير الأجسام نحو الأمام بسرعات تعتمد على دوائر العرض أما عند توقف الأرض عن الدوران حول الشمس فسوف تتطاير الأجسام نحو الفضاء الخارجي بسرعة واحدة تقريبا هي سرعة دوران الأرض حول الشمس). بالمثل فإننا نتوقع أن دوران الأرض حول نفسها وبالتالي دوران الأجسام معها بنفس الكيفية سوف يولد قوى طرد مركزية تعاكس قوى الجاذبية. تزداد قوى الطرد هذه عند خط الاستواء وتقل عند الأقطاب وذلك نتيجة لتغير نصف القطر الدوراني الفعال. 

رحلة فهم الجاذبية عبر التاريخ

من أرسطو إلى جاليليو

ساد في العالم القديم رأي منسوب إلى أرسطو يقول إن الأجسام الثقيلة تسقط أسرع من الخفيفة. وقد ناقش علماء في الحضارة الإسلامية مسائل الحركة والميل والثقل في كتبهم. ثم جاء العالم الإيطالي جاليليو جاليلي في أواخر القرن السادس عشر ومطلع السابع عشر، فدرس حركة الكرات على المستويات المائلة، وخلص إلى أن جميع الأجسام تسقط بالتسارع نفسه إذا أهملنا مقاومة الهواء، وأن المسافة المقطوعة تتناسب مع مربع الزمن.

قانون نيوتن للجذب العام

في عام 1687 نشر العالم الإنجليزي إسحاق نيوتن كتابه الشهير المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية، وصاغ فيه قانون الجذب العام الذي ينص على أن كل جسمين في الكون يتجاذبان بقوة تتناسب طردياً مع حاصل ضرب كتلتيهما، وعكسياً مع مربع المسافة بينهما. وبهذا القانون فسر نيوتن بالمعادلات نفسها سقوط التفاحة وحركة القمر حول الأرض ومدارات الكواكب حول الشمس.

قياس ثابت الجذب

في أواخر القرن الثامن عشر أجرى العالم الإنجليزي هنري كافنديش تجربة دقيقة باستخدام ميزان الالتواء لقياس قوة التجاذب الضعيفة بين كرات من الرصاص، ومهدت نتائجه لتحديد قيمة ثابت الجذب العام، ومن ثم حساب كتلة الأرض وكثافتها.

آينشتاين والنسبية العامة

في عام 1915 قدم ألبرت آينشتاين نظرية النسبية العامة، التي تنظر إلى الجاذبية لا بوصفها قوة تقليدية، بل بوصفها انحناءً في نسيج الزمكان تسببه الكتلة والطاقة، فتتحرك الأجسام في مسارات تحددها هذه الانحناءات. وقد فسرت النظرية ظواهر عجزت عنها ميكانيكا نيوتن، كالانحراف الدقيق في مدار عطارد وانحناء الضوء قرب الشمس، وتعتمد عليها اليوم أنظمة تحديد المواقع لتصحيح توقيت الساعات في الأقمار الصناعية.

الكتلة والوزن: فرق جوهري

كثيراً ما يخلط الناس بين الكتلة والوزن. فالكتلة مقدار ما يحويه الجسم من مادة، وتقاس بالكيلوغرام، ولا تتغير بتغير المكان. أما الوزن فهو القوة التي تجذب بها الأرض أو أي جرم آخر ذلك الجسم، ويساوي حاصل ضرب الكتلة في تسارع الجاذبية، ويقاس بالنيوتن. ولهذا فإن رائد الفضاء الذي كتلته سبعون كيلوغراماً تبقى كتلته كما هي على القمر، لكن وزنه هناك يقارب سدس وزنه على الأرض، لأن جاذبية القمر أضعف بكثير.

الجاذبية والمد والجزر

لا تقتصر الجاذبية المؤثرة في الأرض على جاذبيتها الذاتية، فالقمر والشمس يجذبان مياه المحيطات أيضاً. ولأن قوة الجذب تضعف مع المسافة، فإن الجانب المواجه للقمر ينجذب أكثر من مركز الأرض، والمركز ينجذب أكثر من الجانب البعيد، فينشأ انتفاخان مائيان على جانبي الكوكب، ومع دوران الأرض حول نفسها تمر السواحل بحالات المد والجزر مرتين تقريباً كل يوم. ويكون المد أقوى حين تصطف الشمس والقمر والأرض في المحاق والبدر.

انعدام الوزن في الفضاء

يظن كثيرون أن رواد الفضاء يطفون في محطة الفضاء الدولية لأن الجاذبية تنعدم هناك، والحقيقة أن الجاذبية على ارتفاع المحطة ما زالت قوية، تقارب تسعين في المئة من قيمتها على سطح الأرض. لكن المحطة ورواد الفضاء في حالة سقوط حر مستمر حول الأرض، إذ يتحركون بسرعة أفقية كبيرة تجعلهم يسقطون باستمرار دون أن يصطدموا بالأرض، فيشعرون بانعدام الوزن. ويسبب البقاء الطويل في هذه الحالة تغيرات في الجسم، كضعف العضلات وفقدان جزء من كثافة العظام، ولذلك يمارس الرواد تمارين يومية.

جاذبية الكواكب الأخرى

تختلف شدة الثقالة على سطوح الأجرام السماوية اختلافاً كبيراً، فهي على المريخ أقل من نصف قيمتها على الأرض، وعلى القمر نحو السدس، بينما تفوق على المشتري قيمتها الأرضية بأكثر من مرتين. ولهذا يدرس مخططو البعثات الفضائية أثر هذه الفروق في حركة الرواد وتصميم المركبات ومعدات الهبوط.

سرعة الإفلات

لكي يتحرر جسم من جاذبية الأرض دون دفع إضافي، يحتاج إلى سرعة ابتدائية تُعرف بسرعة الإفلات، وتبلغ نحو أحد عشر كيلومتراً في الثانية من سطح الأرض. وتختلف هذه السرعة من جرم إلى آخر بحسب كتلته ونصف قطره، فهي أقل بكثير على القمر، وأكبر بكثير على كوكب المشتري. أما الثقوب السوداء فتبلغ جاذبيتها حداً لا يستطيع حتى الضوء الإفلات منه.

رسم خرائط الجاذبية

لا تتوزع الجاذبية على سطح الأرض بالتساوي، فهي تتأثر بشكل الكوكب المفلطح قليلاً عند القطبين، وبتوزع الكتل في الجبال والقشرة والوشاح. وقد أطلقت وكالات الفضاء أقماراً صناعية متخصصة لقياس هذه الفروق الدقيقة، ومن أشهرها بعثة غريس الأمريكية الألمانية التي تتكون من قمرين يقيسان التغير في المسافة بينهما بدقة عالية. وتساعد هذه القياسات في رصد ذوبان الجليد وتغير مخزون المياه الجوفية وارتفاع مستوى البحر.

الموجات الثقالية

تنبأت النسبية العامة بأن الأجسام الهائلة الكتلة حين تتسارع، كثقبين أسودين يدوران حول بعضهما ثم يندمجان، تطلق تموجات في نسيج الزمكان تنتشر بسرعة الضوء. وفي عام 2015 رصد مرصد ليغو الأمريكي هذه الموجات لأول مرة بصورة مباشرة، وأُعلن الاكتشاف عام 2016، ونال قادة المشروع جائزة نوبل في الفيزياء عام 2017، فافتتح ذلك عصراً جديداً في علم الفلك.

أسئلة شائعة

لماذا تسقط الريشة أبطأ من الحجر؟

بسبب مقاومة الهواء التي تؤثر في الريشة أكثر بكثير، أما في الفراغ فتسقطان بالتسارع نفسه، وقد عرض رواد إحدى رحلات أبولو هذه التجربة على سطح القمر بمطرقة وريشة.

هل تتغير الجاذبية من مكان لآخر على الأرض؟

نعم، فهي أقل قليلاً عند خط الاستواء وفي قمم الجبال، وأكبر قليلاً عند القطبين، لكن الفرق صغير لا يشعر به الإنسان في حياته اليومية.

ما الفرق بين الرمزين g و G؟

الرمز الصغير يدل على تسارع الجاذبية قرب سطح جرم معين كالأرض، أما الكبير فهو ثابت الجذب العام الذي يدخل في قانون نيوتن وقيمته واحدة في الكون كله.

خلاصة

الجاذبية الأرضية قوة مألوفة لكنها عميقة الأسرار، فهمها جاليليو بالتجربة، وصاغها نيوتن في قانون رياضي، وأعاد آينشتاين تفسيرها بوصفها انحناءً في الزمكان. وهي تفسر سقوط الأجسام ووزنها، وحركة القمر والمد والجزر، وحالة انعدام الوزن في المدار، وتمتد آثارها إلى الموجات الثقالية التي فتحت نافذة جديدة لدراسة الكون.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !