الثلوج في تبوك | من دلائل النبوة

ثلاثة رجال بملابس سعودية تقليدية يرتدون الثياب البيضاء والغتر، وسطهم رجل بلحية سوداء ونظارات وغترة حمراء بيضاء

خبر الثلوج في تابوك وربطها بدلائل النبوة

في خبر تداوله الناس عبر الإنترنت أن الإمام وخطيب المسجد الحرام في مكة المكرمة الداعية السعودي الشيخ سعود الشريم قال إن الثلوج التي شهدتها السعودية في مناطق شمال المملكة وتأثرت بالعاصفة الثلجية التي ضربت الشرق الأوسط مؤخرًا يعتبرها من دلائل نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أشار إلى أن الجزيرة العربية ستعود فيها المروج والأنهار. وقد أثار هذا التصريح تفاعلًا واسعًا بين مؤيّد ومتحمّس ومشكّك ومعترض، وجدد النقاش حول علامات الساعة وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي تتحدث عن تحوّلات جغرافية ومناخية في جزيرة العرب.
وقال الشريم في تعليقات على حسابه بموقع تويتر اجتذبت آلاف عمليات إعادة التغريد: الثلوج أهم مصدر للأنهار والنبات، وتساقطها على جزيرة العرب يُعدّ من دلائل نبوته، فقد ذكر أن الساعة لا تقوم حتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا. وتابع الشريم كما جاء على شبكة سي إن إن الإخبارية الأمريكية: من رأى تساقط الثلوج على مدينة تبوك فسيذكر قول النبي لمعاذ في غزوة تبوك: يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد مُلئ جنانًا.
يُشار إلى أن الثلوج تساقطت فجر الأحد على مرتفعات تبوك شمال غرب السعودية، واكتست جبالها باللون الأبيض وسط انخفاض في درجات الحرارة بتأثير العاصفة الجوية الكسا التي ضربت مناطق الشرق الأوسط قبل أيام. وتُعتبر الثلوج ظاهرة نادرة في السعودية التي تغطي الصحراء معظم أراضيها. وقد أبدى عدد كبير من المغرّدين تأييدهم لما ذكره الشريم، لكن الأمر لم يخلُ من بعض المشكّكين في صحة فرضياته.

الحديث النبوي: أرض العرب مروج وأنهار

الأصل في هذا الموضوع هو ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا. وهذا حديث صحيح ثابت في أصحّ كتب الحديث، وهو يتضمن إخبارًا من النبي صلى الله عليه وسلم عن أمر مستقبل سيحدث في جزيرة العرب، وهو أن أرضها التي هي الآن صحراء قاحلة ستعود كما كانت في سالف العصور أرضًا خضراء ذات مروج وأنهار.

دلالات الحديث اللغوية والشرعية

كلمة مروج في الحديث جمع مَرْج وهو المكان الذي يكثر فيه النبات والعشب وتأكل فيه الدوابّ. ومعنى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا أي أن أرض الجزيرة العربية التي اكتست بالجفاف والقحط ستعود إليها الخضرة والمياه الجارية والأنهار. وهذا التحول الجغرافي والمناخي هو من علامات الساعة الكبرى التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يدلّ على قدرة الله تعالى على تبديل الأحوال وتحويل الصحاري إلى جنات.

الفرق بين علامات الساعة والتحقق التاريخي

ينبغي التنبيه إلى أن العلامات التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم ليست كلها ممّا يُنتظر حدوثه فجأة في زمان قصير، بل بعضها يتحقق تدريجيًا على مدى فترات زمنية طويلة. فقول النبي صلى الله عليه وسلم إن أرض العرب ستعود مروجًا وأنهارًا لا يلزم منه أن يحدث ذلك في يوم وليلة، بل قد يتم على مدى عقود أو قرون بتغيّرات مناخية وبشرية متعددة. والمهم في الأمر أن الإخبار النبوي قد سبق العلم البشري بقرون في وصف تحوّل لم يكن مألوفًا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم.

حديث معاذ بن جبل في غزوة تبوك

الأثر الثاني الذي استشهد به الشيخ الشريم هو ما روي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه في غزوة تبوك. فقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم في السنة التاسعة للهجرة في غزوة تبوك لمواجهة الروم الذين كانوا يجمعون قواتهم على حدود الجزيرة العربية. وكانت غزوة تبوك في وقت شديد الحر وجدب من الأرض ويبس في المناخ، حتى إن بعض الصحابة ترددوا في الخروج لشدة الحر وقلة ذات اليد.

سياق القول النبوي لمعاذ

في هذا السياق قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد مُلئ جنانًا. أي أن هذه الأرض الجدبة القاحلة التي تراها الآن ستمتلئ بالبساتين والحدائق والخضرة. وهذا الإخبار النبوي كان في زمن لم تكن فيه تبوك إلا أرضًا يابسة لا زرع فيها ولا ماء وفيرة، فكيف لأحد أن يتخيّل حينها أن هذه الصحراء ستتحول إلى أرض ذات جنان وأنهار؟

التحقق التاريخي لحديث معاذ

وقد شهدت منطقة تبوك فعلاً في العصر الحديث تحوّلات زراعية ملحوظة، حيث أُقيمت فيها مشاريع زراعية كبيرة وشُقّت الآبار وأُنشئت المزارعات التي لم تكن ممكنة في الماضي. وتساقط الثلوج في السنوات الأخيرة على المرتفعات المحيطة بتبوك زاد من نسبة المياه الجوفية وساهم في تنشيط الغطاء النباتي، وهو ما يُعدّ تحققًا تدريجيًا لما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم.

العلاقة بين الثلوج والأنهار والنبات

قال الشيخ الشريم إن الثلوج أهم مصدر للأنهار والنبات، وهذه حقيقة علمية ثابتة. فالثلوج التي تتساقط على المرتفعات تذوب تدريجيًا مع ارتفاع درجات الحرارة فتتكون منها مجاري مائية تتغذّى عليها الأنهار والينابيع. كما أن الثلوج تحتفظ بالماء بشكل طبيعي وتُطلقه ببطء مما يُوفّر رطوبة مستدامة للتربة تساعد على نموّ النباتات وازدهار الغطاء النباتي.

كيف تساهم الثلوج في تكوّن الأنهار

عندما تتساقط الثلوج على الجبال والمرتفعات فإنها تتراكم وتتكدّس على مدى فصل الشتاء. ومع حلول الربيع وارتفاع درجات الحرارة تبدأ هذه الثلوج بالذوبان ببطء من أعلى الجبال إلى أسفلها مُشكّلةً مجاري مائية صغيرة تتحد لتُكوّن أنهارًا وينابيع. هذه العملية الطبيعية هي أحد أهم مصادر المياه العذبة في العالم، وقد عُرفت منذ القدم في المناطق الجبلية كجبال الهيمالايا والأنديز وجبال الأطلس.

تأثير الثلوج على الغطاء النباتي في المناطق الجافة

في المناطق الجافة والصحراوية مثل جزيرة العرب يكون لماء الثلوج أثر أكبر منه في المناطق المعتدلة، لأن التربة الصحراوية لا تحتوي على رطوبة كافية لإنبات النباتات بشكل طبيعي. فعندما تذوب الثلوج وتتسرّب مياهها في التربة فإنها تُوفّر مخزونًا مائيًا تحت السطحي يدوم لأشهر ويُغذّي الجذور ويُسهم في ظهور نباتات لم تكن موجودة من قبل. وهذا ما يُفسّر الازهار المفاجئ للصحراء بعد هطول الأمطار الغزيرة أو ذوبان الثلوج.

ردود المشكّكين ومناقشتها

أبدى عدد من المغرّدين اعتراضهم على ربط الشيخ الشريم بين ثلوج تبوك ودلائل النبوة. فقال أحدهم معقبًا: من قال إن الثلوج مصدر الحياة والنبات؟ القطبان مليآن ثلوجًا ونبات السعودية أكثر منهما. وقال آخر إن ما ذكره الداعية السعودي عن ارتباط ثلوج تبوك بالأنهار كلام مجانب للصواب ولا يمت للحقيقة بصلة.

هل يُمكن القياس بين القطبين وجزيرة العرب؟

الردّ على الم اعتراض الأول أن القطبين الشمالي والجنوبي وإن كانا مليان ثلوجًا لكنهما يفتقران إلى شروط الحياة من حرارة ملائمة وتربة صالحة للزراعة، فالثلوج وحدها لا تكفي لإنبات النبات ما لم تتوافر ظروف مناخية وترابية مساعدة. أما في جزيرة العرب فالثلوج تسقط في فصل الشتاء ثم تذوب مع دفء الربيع والصيف مما يُوفّر مياهًا للتربة الدافئة التي تنبت منها النباتات بكثافة. فالفرق بين القطبين وجزيرة العرب ليس في وجود الثلوج بل في قدرة التربة والمناخ على تحويل ماء الثلوج إلى حياة نباتية.

هل تساقط الثلوج بحد ذاته دليل نبوة؟

أما الاعتراض الثاني فهو أكثر دقّة ويستحق التأمل. فتساقط الثلوج على تبوك بحد ذاته ليس دليل نبوة مستقلًا، لكنه يُعدّ شاهدًا من جملة شواهد تُؤكد اتجاهًا عامًا أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم وهو أن أرض العرب ستعود خضراء ذات أنهار. فالثلوج تتساقط اليوم على مرتفعات تبوك وفي مناطق أخرى من شمال الجزيرة ويتزايد معدل الهطول في بعض السنوات، وهو ما يُسهم تدريجيًا في تغذية المياه الجوفية وتنشيط الزراعة وتحول المنطقة من صحراء قاحلة إلى أرض ذات مروج.

أحاديث أخرى عن علامات الساعة وتحوّل الأرض

ليس حديث أرض العرب مروجًا وأنهارًا هو الوحيد الذي أخبر فيه النبي صلى الله عليه وسلم عن تحوّلات جغرافية، بل هناك أحاديث أخرى تتحدث عن تغيّرات في الأرض ومناخها كعلامة من علامات الساعة.

حديث نهر الفرات عن كنز الذهب

من الأحاديث الصحيحة أيضًا ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تقوم الساعة حتى يَحسِر الفرات عن جبل من ذهب يقتل الناس عليه. والحسران هو الكشف والانكشاف، والفرات هو نهر الفرات في العراق والشام. وهذا الحديث يتحدث عن تحوّل جغرافي مذهل في مجرى النهر ينكشف عن كنز عظيم يتقاتل الناس عليه.

سباق الأمم في بناء الأبراج العالية

ومن الأحاديث الأخرى قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا تقوم الساعة حتى يتطاول الناس في البنيان. وهذا الحديث يتحدث عن ظاهرة عمرانية تتعلق بالتنافس في بناء الأبراج والمنشآت الشاهقة وهو ما نراه اليوم واضحًا في دول الخليج العربية وغيرها من دول العالم. فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن ظواهر ستحدث قبل قيام الساعة وكلها تتحقق واحدة تلو الأخرى.

المناخ وتحوّلاته في الجزيرة العربية

شهدت الجزيرة العربية خلال العقود الأخيرة تغيّرات مناخية ملحوظة، منها تزايد معدلات الهطول في بعض المناطق وتساقط الثلوج على المرتفعات الشمالية بشكل متكرّر أكثر مما كان معهودًا في الماضي. كما شهدت مناطق في السعودية والأردن وسوريا والعراق أمطارًا غزيرة وفيضانات لم تكن مألوفة قبل عقود قليلة.

التغيّر المناخي بين العلم والإخبار النبوي

قد يُفسّر البعض هذه التحوّلات بالتغيّر المناخي العالمي وهو تفسير علمي لا يُنافي الإخبار النبوي، بل قد يكون التغيّر المناخي نفسه هو السبب الذي أراده الله تعالى لتحقق ما أخبر به نبيه من تحوّل أرض العرب إلى مروج وأنهار. فالمسلم يؤمن بأن الله تعالى يُحقّق وعده بواسطة أسباب كونية قد يُدركها العلم أو لا يُدركها، والأهم من السبب الكوني هو تصديق خبر النبي صلى الله عليه وسلم الذي سبق كل العلوم.

المشاريع الزراعية في شمال السعودية

وقد أُقيمت في منطقة تبوك والمناطق الشمالية من السعودية مشاريع زراعية ضخمة تعتمد على المياه الجوفية والتحلية لزراعة القمح والتمور والفواكه والخضروات. وهذه المشاريع بدأت في سبعينيات القرن الماضي وتوسعت بشكل كبير حتى أصبحت تبوك تُعرف بسلة غذاء السعودية. وهذا التحوّل من صحراء قاحلة إلى أرض مزدهرة زراعيًا هو مصداق لما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا.

الإيمان بعلامات الساعة بين اليقين والتوقيت

يبقى أن يُقال إن الإيمان بعلامات الساعة لا يعني الجزم بتوقيت معين لحدوثها، فالمسلم يُؤمن بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم ويتدبّره ويتعظّ به لكنه لا يعلم متى تتحقق هذه العلامات على وجه الدقة. وقد أخبر الله تعالى أن الساعة تأتي بغتة ولم يُطلع على وقتها أحدًا سواه. لذلك فإن ربط تساقط الثلوج في تبوك بحديث أرض العرب مروجًا وأنهارًا هو من باب التنبيه إلى تحقّق الأوصاف التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم لا من باب الجزم بأن الساعة قائمة قريبًا.
اللهم اجعلنا من المصدّقين بنبيك والمتدبّرين في آياتك والعاملين بكتابك وسنّة نبيك صلى الله عليه وسلم.
التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !