تعد خرائط بيري من أشهر الوثائق الجغرافية في التاريخ العثماني، فقد رسمها البحار أحمد محيي الدين بيري المعروف بالريس بيري في مطلع القرن السادس عشر، أي بعد سنوات قليلة من رحلات كولومبوس. وقد أثارت هذه الخرائط اهتمام المؤرخين والهواة على حد سواء، ونسجت حولها نظريات كثيرة. نقدم في هذه المقالة سياقها التاريخي، ومصادرها التي ذكرها صاحبها، وكتابه الشهير في الملاحة، ثم نناقش الرأي العلمي في ما يقال عن غموضها.
الريس بيري وخريطتاه للعالم
خرائط بيري هي خرائط رسمها البحار العثماني (احمد محيي الدين بيري) ، وسميت بهذا الاسم نسبةً له .
حصل على هذه الخرائط الالماني جوستاف ادولف ديسمان(Gustav Adolf Deissmann) عن طريق الصدفة في 9 اكتوبر عام 1929 ، وجدها في تركيا باسطنبول تحديداً في قصر الباب العالي (Topkapı Sarayı) ، وذلك عندما قامت وزارة التعليم التركية بتكليف جوستاف بتصنيف المحتويات الغيرالإسلامية الموجودة بمكتبة القصر.
من هو الريس بيري؟
هو “أحمد محيي الدين بيري ” قبطان وعالم جيوغرافية وراسم خرائط عثماني وُلد
بين 1465 و1470 إما في مدينة جاليبولي(Gallipoli) بالجزء الأوروبي من الإمبراطورية العثمانية أو بمدينة(كارامان) بمنطقة وسط الأناضول (مسقط رأس والده).
في عام 1481التحق بعمه (الريِّس كمال) – وهوبحار مشهور والذي أصبح فيما بعد أدميرال في البحرية العثمانية – وخاض معه الكثيرمن المعارك البحرية لصالح الإمبراطورية العثمانية ضد الإسبان وجمهورية جنوة .
عندما تُوفي عمه عام1511م (دمرت عاصفة سفينته في البحرالأبيض المتوسط بينما كان متوجهاًً إلى مصر) .
عاد بيري إلى جاليبولي وبدء في دراسة الملاحة . وهو رجل كبير يقارب من التسعين من عمره جاء بيري إلى مصر ونتيجة رفضه مساندة والي البصرة (قباد باشا) في معركة أخرى ضد البرتغاليين تم إعدامه على الملأ في مصر عام 1552م أوعام 1555م حسب بعض المصادرالأخرى.
خريطتا بيري لوصف العالم
الخريطة الأولى للعالم:
والتي انتهي منها عام 1513 م وفي الجزء الذي وصلنا منها يصف بيري السواحل الغربية من أفريقيا والشرقية من أمريكا الشمالية .
الخريطة الثانية للعالم:
فهي خريطة للعالم تحمل تاريخ 1528 م، ويضم القسم الذي وصلنا منها الجزء الشمالي للمحيط الأطلسي وشواطئ الشمال في أمريكا الشمالية من جرينلاند حتى شبه جزيرة فلوريدا.
وأهم ما يميز تلك الخريطة أن الجزر وبعض الشواطئ رسمت بشكل يقرب للواقع، مقارنة بالخريطة الأولى.
وصف الخريطة الأولى :
هذه الخريطة لم يصل منها إلا جزء صغيريمثل الثلث الغربي من خريطة العالم وهي مرسومة على جلد غزال . أبعادها :
90cm × 63 cm, 86 cm × 60 cm, 90 cm × 65 cm 85 cm × 60 cm, 87 cm × 63 cm, and 86 cm × 62 cm .
وهذا العدد من الأبعاد والتناقضات فيها يرجع إلى التلف الكبيرالذي لحق بجوانب الخريطة . وُجدعليها توقيع باسم “الريس بيري” موقَّعة بتاريخ محرم 919 هـ.
ما الغامض والمحير في خرائط بيري؟
هذه الخرائط رُسمت بدقة مدهشة بالنسبة للوقت الذي رُسمت به (القرن السادس عشر). هذه الخرائط تصورالأرض وكأن الراسم صورها من الفضاء . فهي قريبة الشبة من الخرائط المتطورة الحديثة المرسومة بالأقمارالصناعية .
الشئ الأكثر غموضاً هو المتعلق بالخريطة الأولى والذي يصف فيه القارة القطبية الجنوبية أنتاركاتيكا حيث قام برسمها قبل 300 سنة من اكتشافها !.
فكيف رسم بيري مكاناََ لم يكن مكتشفاََ حتى ؟ . لم يقف الغموض عند هذا الحد .فقد قام بيري بوصف الساحل الشرقي للقارة القطبية الجنوبية بدقة مثيرة وهو خالِِ من الجليد وهذا مستحيل من الناحية العملية حيث أن معرفتنا الحديثة للتضاريس تحت الجليد الذي يغطي هذا الساحل أتت من استخدام السونار والتسجيلات الزلزالية (هي الطريقة الرئيسية والأكثر شيوعاً للكشف عن التركيب الداخلي للأرض)التي تمت في الأربعينات والخمسينات من القرن الحالي ! حيث أكد العلماء بأن هذه المنطقة موجودة بالشكل الذي نعرفه الآن أي مغطاة بالثلج منذ ملايين السنين .
وأكد العلماء بأنه إذا كانت هناك امكانية لوصف هذه المنطقة فلن تتم إلا منذ 6000 سنة أي عام 4000 ق.م وهي الحالة الوحيدة التي كانت فيها هذه المنطقة خالية من الثلوج فكيف وصف بيري مكاناً ليس ظاهراً؟.
هذا الغموض المتعلق بهذه الجزئية دفع المؤرخ وعالم الخغرافيا بجامعة نيو هامبشرتشارلز هابجود الي القول في كتابه (خرائط ملوك العالم القديم
بأن بيري لم يكن هو راسم هذه الخرائط بل حضارة قديمة تمتلك مهارات الإبحار ورسم الخرائط قامت برسم خرائط للأرض وتم نسخ هذه الخرائط باليد جيلاً بعد جيل ومنها خرائط بيري
الأهمية التاريخية لهذه الخرائط
تتفوق أهمية هذه الخرائط التاريخية على غموضها . حيث أن بيري ذكر في كتابه “البحرية” - كتاب يحتوي على خرائط ومعلومات مفصلة عن الملاحة - أنه استعان لرسم هذه الخرائط بخريطة لكريستوفر كولومبوس والتي يعلم العالم بوجودها ولكنها الآن مفقودة وقضى العلماء عقوداً في البحث عنها ولكن بلا جدوى وهي تُعتبر أقدم خريطة لوصف الأمريكتين والتي قام كولومبوس برسمها عندما كان بجزر الهند الغربية .
وبما أنه لم يتم العثور عليها فبالتالي تُعتبر خرائط بيري هي أقدم خريطة تصف العالم الجديد كما أنها تعتبر المرجع الوحيد لخريطة كريستوفر كولومبوس المفقودة .
حالياََ , خريطة بيري للعالم موجودة في مكتبة بقصر الباب العالي في اسطنبول بتركيا والتي نادراََ ما تُعرض للعامة .
وفي الأعوام 1999-2005 م طبعت الخريطة على الجزء الخلفي لورقة النقود من فئة 10 مليون ليرة .
وفي الأعوام 2005-2009 م تمت طباعتها على الورقة النقدية من فئة 10 ليرة .
السياق التاريخي لرسم الخرائط
جاءت خرائط بيري في عصر الكشوف الجغرافية، حين كانت الدول البحرية الكبرى تتنافس على السيطرة على طرق التجارة في البحر المتوسط والمحيطين الأطلسي والهندي. وكانت الدولة العثمانية في تلك المرحلة تبني أسطولا قويا، فاحتاجت إلى معرفة دقيقة بالسواحل والجزر والموانئ. وفي هذا المناخ نشأ بيري في بيئة بحرية، وتعلم فنون الملاحة على يد عمه كمال ريس، ثم جمع خبرته في الخرائط والكتب.
كيف رسم بيري خريطته؟
كتب بيري على الخريطة نفسها ملاحظات يوضح فيها أنه اعتمد على نحو عشرين مصدرا، منها خرائط قديمة تعود إلى عهد الإسكندر بحسب وصفه، وخرائط عربية وبرتغالية، وخريطة نسبها إلى كولومبوس. وهذه الملاحظة مهمة لأنها تكشف أن الخريطة عمل تجميعي قام فيه الرسام بدمج معارف متفرقة في لوحة واحدة، وهو أسلوب كان شائعا بين رسامي الخرائط في ذلك العصر. ويرى بعض المؤرخين أن الخريطة قد تحفظ أثرا لخريطة مفقودة رسمها كولومبوس، مما يزيد من قيمتها التاريخية.
المادة والأسلوب
رسمت الخريطة الأولى على رق من الجلد، وزينت بألوان ورسوم لسفن وحيوانات وشخصيات أسطورية، إلى جانب ملاحظات مكتوبة بالتركية العثمانية. وهذا المزج بين المعلومة والزخرفة كان سمة عامة في خرائط القرنين الخامس عشر والسادس عشر.
كتاب البحرية
لم تكن الخرائط العالمية العمل الوحيد لبيري، بل اشتهر أيضا بكتاب في الملاحة يعرف بكتاب البحرية، وهو دليل مفصل لسواحل البحر المتوسط وجزره وموانئه، يتضمن خرائط كثيرة ووصفا للتيارات والمرافئ ومواضع الخطر على السفن. وقد قدمه إلى السلطان سليمان القانوني في نسخة منقحة، ويعده الباحثون من أهم المصادر في تاريخ الملاحة العثمانية، إذ يجمع بين الخبرة العملية والمعرفة النظرية.
الرأي العلمي في ما يقال عن غموض الخريطة
انتشرت منذ منتصف القرن العشرين كتابات تزعم أن خريطة 1513 تصور القارة القطبية الجنوبية خالية من الجليد، وأنها لا يمكن أن ترسم إلا من الجو. غير أن أغلب المؤرخين والجغرافيين المتخصصين لا يأخذون بهذه الفكرة، ويقدمون تفسيرا أبسط:
- الجزء الجنوبي من الخريطة يُفهم عادة على أنه امتداد مشوه لساحل أمريكا الجنوبية، انحرف نحو الشرق بسبب ضيق مساحة الرق وأساليب الرسم السائدة.
- دقة الخريطة في بعض المواضع تعود إلى جودة المصادر البرتغالية والإسبانية الحديثة التي اعتمد عليها بيري.
- في الخريطة أخطاء واضحة تتوافق مع معارف عصرها، كمواقع بعض الجزر وأحجامها.
وبذلك تبقى الخريطة إنجازا مهما يعكس قدرة رسام عثماني على جمع أحدث المعارف الجغرافية وتنسيقها، دون الحاجة إلى تفسيرات خارقة.
أين تحفظ الخرائط اليوم؟
يحفظ ما بقي من الخريطتين في مكتبة قصر طوب قابي في إسطنبول، وتعرض نسخ منها في مناسبات مختلفة، وقد اختارت جهات ثقافية دولية الاحتفاء بها بوصفها جزءا من التراث العلمي العالمي.
أهمية خرائط بيري في تاريخ الجغرافيا
تكتسب هذه الخرائط أهميتها من عدة جوانب، فهي من أقدم الخرائط الباقية التي تظهر سواحل العالم الجديد، وهي شاهد على حركة نقل المعرفة بين العالمين الإسلامي والأوروبي، كما أنها تبين اهتمام الدولة العثمانية بالعلوم البحرية في عصر قوتها. ويستفيد منها الباحثون في دراسة تطور تقنيات رسم الخرائط والإسقاطات. كما تكشف خطوط البوصلة المتقاطعة المرسومة عليها عن تأثرها بخرائط البورتولان التي كان يستعملها الملاحون في المتوسط لتحديد الاتجاهات بين الموانئ.
أسئلة شائعة
هل رسم بيري القارة القطبية الجنوبية؟
هذا ادعاء شائع لكنه غير مقبول عند معظم المتخصصين، الذين يرون أن الجزء الجنوبي يمثل ساحل أمريكا الجنوبية بعد تشوهه في الرسم.
من اكتشف الخريطة في العصر الحديث؟
عثر عليها الباحث الألماني غوستاف أدولف ديسمان في مكتبة قصر طوب قابي عام 1929 أثناء فهرسة محتوياتها.
ما أهم مؤلفات بيري؟
إلى جانب خريطتيه للعالم، يعد كتاب البحرية أشهر أعماله، وهو دليل ملاحي مفصل للبحر المتوسط.
خلاصة
خرائط الريس بيري وثيقة تاريخية ثمينة جمعت معارف عصرها من مصادر متعددة، وهي شاهد على براعة البحارة العثمانيين. أما ما يقال عن أسرارها الخارقة فلا يسنده البحث العلمي، وقيمتها الحقيقية تكمن في كونها جسرا بين معارف الشرق والغرب في عصر الكشوف.