حيوان ميكروسكوبي يسمى (تارديجراد) دب الماء

في قطرة ماء مأخوذة من طحالب حديقة منزلك قد يعيش أحد أكثر الكائنات صموداً على وجه الأرض. إنه التارديغراد أو دب الماء، ذلك المخلوق المجهري ذو الأرجل الثمانية الذي أدهش العلماء بقدرته على تحمل ظروف تقتل معظم أشكال الحياة الأخرى.

في هذا المقال نتعرف إلى تاريخ اكتشاف هذا الحيوان وتصنيفه، ونشرح سر قدرته المذهلة على البقاء عبر حالة السبات المعروفة بالحياة الخفية، ونستعرض التجارب التي أجريت عليه في المختبرات والفضاء، وما يأمل العلماء تعلمه منه.

تعريف دب الماء وشكله وتكاثره

حيوان تارديجراد دب الماء تحت المجهر

تارديجراد حيوان ميكروسكوبي حيث لا يمكن مشاهدته الا عن طريق المايكروسكوب ، يسمى ايضا بدب الماء لان مشيته تشبه مشية الدب ، يعيش هذا الحيوان في الماء وله ثمانية ارجل  ، وقد تم إكتشاف وجود هذا الحيوان الصغير عام 1773 عن طريق جون أوجاست إفرام ، يوجد هذا الحيوان في العالم كله من اعالي جبال الهملايا الى اعماق البحار ومن المناطق القطبية الى المناطق الموجودة على خط الاستواء ، و تم التعرف على 1150 نوع من هذا الحيوان، وطول أكبر البالغين من هذه الحيوان يبلغ 1.5 مليمتر والأصغر يبلغ طوله أقل من 0.1 مليمتر والصغار الذي يفقسون حديثًا يكون طول كل منهم أقل من 0.05 مليمتر .
دب الماء التارديجراد بأرجله الثمانية


ومعظم الأماكن التي يمكن أن يتواجد فيها الطحالب والأشنات وهناك بيئات أخرى يمكن أن تتواجد فيها مثل الكثبان والشواطئ والأتربة والرواسب البحرية حيث يمكنها أن تتكاثر بشكل كبير ويصل عددها إلى 25000 من نوعها .

 ويمكن لهذا الحيوان الصغير أن ينجو في أصعب الظروف البيئية الممكنة التي لا يمكن أن يعيش فيها أي حيوان آخر بحيث يمكنه العيش حتى لو في درجة حرارة الصفر المطلق (-273 درجة مئوية) او في أعلى درجات الإشعاع التي يمكن أن تصل إلى 1000 مرة المعدل الذي تتحملة الحيوانات الأخرى .

التارديجراد حيوان ميكروسكوبي يعيش في الماء

 ومعظم أنواع هذا الحيوان تكون من آكلات النباتات أو آكلات البكتيريا ولكن بعضها يكون ضار.

 شكله وتكوينه: يمتلك التارديجراد 8 أرجل لا تحتوي على مفاصل وكل قدم تحتوي من 4 إلى ثمانية مخالب ومعظم أطواله تقع بين 0.3 إلى 0.5 مليمتر ويتقسم جسمه إلى 4 أقسام بدون الرأس ، الفم تمتد منه أنابيب مثل الأزرع يستخدمها في إختراق وتقطيع الخلايا النباتية أو التغذي على اللافقاريات الصغيرة التي تُعد طعاماً له ويستخدمها أيضًا في إخراق سوائل الجسم  مخه يتكون من بعض الفصوص ويتكون معظمها من 3 أزواج من الخلايا العصبية والمقترنة ويقع المخ الخاص به في القعدة الكبيرة تحت المرئ  

التكاثر: هذا الحيوان الصغير يبيض ويتم التخصيب خارجيًا ويتم التزاوج عند طرح البيض بحيث تدخل الحيوانات المنوية تحت بشرة الأنثى ثم تغطي الحيوانات المنوية البيض ولكن بعض الأنواع يكون التخصيب فيها داخلي.

ويفقس البيض بعد مدة لاتزيد عن 14 يوم ويخرج الصغير كامل النمو ولكن يكون طوله صغير جدًا ويبدأ في النمو عن طريق إنقسام الخلايا الأحادية ويعيش الفرد فيها من 3 إلى 30 شهر.

  صمودها: قد أجرى بعض علماء الفضاء بعض التجارب على هذا الحيوان الصغير بحيث أنهم قد أخذوا بعض منها ووضعوها في مجال الأرض لمدة 10 أيام فوجدوا أن كثيرًا من الحيوانات التي وضعوها قد نجت حتى مع وجود الآشعة فوق البنفسجية .

 وقد أجرت ناسابعض الإختبارات على هذه الحيوانات في ظروف قاسية جدًا ووجدوا أنها تستطيع المقاومة والعيش ولا يعرفون كيف يمكن أن تفعلها مثل هذه الحيوانات الصغيرة 

ووضعوا بيضها أيضاً في نفس الظروف كما وضعوها حتى على المريخوظلت كما هي بصحة جيدة غير أنها لو وجدت القليل من المياه على المريخ أو تم نقلها إلى الأرض سوف تفقس .

تاريخ الاكتشاف والتسمية

يُنسب أول وصف لهذا الكائن إلى عالم الحيوان الألماني يوهان أوغست إفرايم غوتسه في عام 1773، الذي أطلق عليه اسماً يعني الدب المائي الصغير بسبب مشيته المتثاقلة وشكله الممتلئ. وبعد سنوات قليلة أطلق عليه العالم الإيطالي لازارو سبالانزاني اسماً مشتقاً من كلمة لاتينية تعني بطيء الخطو، ومنه جاء الاسم العلمي للشعبة التي ينتمي إليها. ويُصنف اليوم ضمن شعبة مستقلة من اللافقاريات، يرى كثير من الباحثين أنها قريبة من مفصليات الأرجل والديدان الخيطية في شجرة تطور الحيوانات.

البيئات التي يعيش فيها

رغم اسمه، فإن دب الماء لا يعيش في البحار والأنهار فقط، بل إن كثيراً من أنواعه يسكن البيئات البرية الرطبة، خاصة الطحالب والأشنات النامية على الصخور وجذوع الأشجار والأسقف. ويحتاج هذا الكائن إلى طبقة رقيقة من الماء تحيط بجسمه ليكون نشيطاً، فيتحرك ويأكل ويتكاثر. فإذا جفت البيئة من حوله دخل في حالة السبات التي تحميه حتى تعود الرطوبة. ولهذا يمكن العثور عليه بسهولة نسبياً بنقع قطعة من الطحالب الجافة في الماء وفحصها تحت المجهر، وهي تجربة يقوم بها كثير من هواة العلوم والطلاب.

سر القدرة على البقاء: الحياة الخفية

يُعرف هذا الحيوان بقدرته على الدخول في حالة تسمى الحياة الخفية أو السبات الخفي، وفيها يتوقف نشاطه الحيوي تقريباً، فلا يأكل ولا يتحرك، وتنخفض عمليات الأيض إلى مستويات يصعب قياسها. وتتعدد صور هذه الحالة بحسب الظرف الذي يواجهه:

  • الجفاف: يفقد معظم الماء من جسمه وينكمش في شكل برميل صغير يسمى الحالة البرميلية، ويمكنه البقاء هكذا فترات طويلة.
  • البرودة الشديدة: يتحمل التجمد دون أن تتلف خلاياه كما يحدث لدى معظم الكائنات.
  • نقص الأكسجين: يمكن لبعض الأنواع البقاء في بيئات فقيرة جداً بالأكسجين لفترات.
  • التغيرات الكيميائية: كارتفاع ملوحة الماء المحيط به.

كيف يحمي خلاياه؟

اكتشف الباحثون أن بعض الأنواع تنتج سكريات خاصة مثل التريهالوز، وبروتينات فريدة تتحول إلى ما يشبه الزجاج داخل الخلايا عند الجفاف، فتحافظ على بنية الأغشية والبروتينات من التلف. كما عُثر لدى أحد الأنواع على بروتين أُطلق عليه اسم مثبط الضرر، يبدو أنه يحمي الحمض النووي من التكسر الناتج عن الإشعاع، وقد أثار هذا الاكتشاف اهتماماً واسعاً لما قد يحمله من تطبيقات في المستقبل.

حدود هذه القدرات

من المهم التنبيه إلى أن بعض ما يُنشر عن خلود هذا الكائن فيه مبالغة؛ فقدرته على تحمل البرودة القريبة من الصفر المطلق مثلاً جرى اختبارها لفترات قصيرة في المختبر، كما أنه في حالته النشطة كائن هش نسبياً يمكن أن يموت بسهولة إذا تعرض لظروف قاسية دون أن يتمكن من دخول حالة السبات. وتتفاوت الأنواع المختلفة كثيراً في درجة تحملها.

دب الماء في الفضاء

في عام 2007 أُرسلت عينات من هذا الكائن على متن قمر صناعي ضمن تجربة أوروبية، وتعرضت لفراغ الفضاء والإشعاع الكوني لعدة أيام. وبعد عودتها إلى الأرض تبين أن عدداً منها نجا من الفراغ، كما نجا بعضها من الأشعة الشمسية الشديدة، وتمكن بعض الناجين من التكاثر بعد ذلك. وقد جعلت هذه النتائج منه أول حيوان معروف ينجو من التعرض المباشر لظروف الفضاء الخارجي، وأصبح موضوعاً مهماً في أبحاث علم الأحياء الفلكي التي تدرس إمكانية بقاء الحياة خارج الأرض.

الغذاء والتكاثر ودورة الحياة

يعتمد هذا الكائن في تغذيته على جهاز فموي خاص يتكون من أنبوب وإبرتين دقيقتين، يثقب بهما خلايا النباتات والطحالب أو أجسام الكائنات الدقيقة ثم يمتص محتوياتها. وتتغذى معظم أنواعه على العصارات النباتية والبكتيريا، بينما يفترس بعضها كائنات مجهرية أخرى كالديدان الخيطية والدوارات، بل وقد يفترس أفراداً من أنواع أصغر من بني جنسه. أما عن التكاثر، فتتكاثر بعض الأنواع جنسياً بوجود ذكور وإناث، في حين تتكاثر أنواع أخرى بالتوالد البكري دون الحاجة إلى ذكر. ويمر الحيوان أثناء نموه بعمليات انسلاخ متكررة يغير فيها جلده الخارجي، وقد تضع بعض الإناث بيضها داخل الجلد القديم المنسلخ ليحميه حتى يفقس. ويختلف عمره النشط من نوع لآخر، ويتراوح في الغالب بين أشهر قليلة وما يزيد على ذلك، دون احتساب الفترات التي يقضيها في حالة السبات.

كيف تشاهده بنفسك؟

يمكن جمع قطعة صغيرة من الطحالب الجافة من على جدار أو صخرة، ونقعها في ماء نقي لعدة ساعات، ثم عصرها في طبق صغير وفحص الماء بمجهر بسيط أو عدسة مكبرة قوية. ومع قليل من الصبر قد تلاحظ هذه الكائنات وهي تتحرك ببطء بأرجلها الممتلئة.

لماذا يهتم العلماء به؟

  1. حفظ المواد الحيوية: قد تساعد معرفة آليات حماية خلاياه في تطوير طرق لحفظ اللقاحات والأدوية دون تبريد.
  2. الحماية من الإشعاع: يدرس الباحثون إمكانية الاستفادة من بروتيناته في حماية الخلايا البشرية مستقبلاً.
  3. فهم التطور: يساعد على فهم كيف تكيفت الكائنات مع البيئات المتطرفة عبر ملايين السنين.
  4. الحياة خارج الأرض: يطرح تساؤلات حول قدرة الكائنات الدقيقة على الانتقال بين الكواكب أو البقاء في ظروفها.

أسئلة شائعة

هل دب الماء خطر على الإنسان؟

لا، فهو كائن مجهري لا يسبب أمراضاً للإنسان، ويتغذى على الطحالب والبكتيريا والكائنات الدقيقة.

هل يمكن رؤيته بالعين المجردة؟

معظم أنواعه أصغر من أن تُرى بوضوح دون تكبير، وإن كان أكبرها قد يظهر كنقطة صغيرة جداً، ويحتاج تمييزه إلى مجهر بسيط.

هل هو حيوان خالد لا يموت؟

ليس خالداً، فله عمر محدود في حالته النشطة، لكن حالة السبات قد تمد فترة بقائه كثيراً لأنها توقف ساعته الحيوية مؤقتاً.

خلاصة

يقدم هذا المخلوق الصغير نموذجاً مدهشاً لقدرة الحياة على التكيف، فهو يختبئ في الطحالب من حولنا بينما يتحمل ظروفاً تقتل غيره. ودراسته لا تشبع فضول العلماء فقط، بل قد تفتح آفاقاً جديدة في الطب وحفظ المواد واستكشاف الفضاء.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !