تُعد غازات البطن والانتفاخ من أكثر الشكاوى الهضمية شيوعًا، فهي تصيب الكبار والصغار، وتسبب إحساسًا بالامتلاء والثقل وأحيانًا ألمًا وحرجًا اجتماعيًا. وفي أغلب الحالات تكون أمرًا طبيعيًا مرتبطًا بنوع الطعام وطريقة تناوله، لكنها قد تكون أحيانًا علامة على حالة صحية تحتاج إلى تقييم.
بعد عرض المعلومات الأساسية عن مصادر الغازات وطرق تقليلها، نتوسع في هذا المقال في الفرق بين الغازات والانتفاخ، وأبرز الحالات المرتبطة بهما كعدم تحمل اللاكتوز ومتلازمة القولون العصبي، ومفهوم الكربوهيدرات القابلة للتخمر، ونصائح غذائية وسلوكية عملية، والعلامات التي تستدعي مراجعة الطبيب.
أسباب تكوّن الغازات وطرق التخفيف
.jpg)
الغازات والانتفاخ: هل هما شيء واحد؟
يستعمل الناس الكلمتين بالمعنى نفسه، لكن الأطباء يميزون بينهما. فالغازات هي الهواء والغازات الموجودة فعلًا في الجهاز الهضمي، والتي تخرج بالتجشؤ أو من الشرج. أما الانتفاخ فهو الإحساس بالامتلاء والضغط في البطن، وقد يصاحبه تمدد ظاهر في حجمه. والمثير أن بعض من يشكون الانتفاخ لا تكون كمية الغازات لديهم أكبر من غيرهم، بل تكون أمعاؤهم أكثر حساسية لوجودها، وهو ما يلاحظ في متلازمة القولون العصبي.
من أين تأتي الغازات؟
- الهواء المبتلع: ويخرج معظمه بالتجشؤ، ويزداد مع الأكل السريع والكلام أثناء الطعام ومضغ العلكة والمشروبات الغازية والشرب بالمصاصة.
- التخمر البكتيري: في القولون، حيث تحلل البكتيريا النافعة بقايا الكربوهيدرات التي لم تُهضم في الأمعاء الدقيقة، فتنتج غازات كالهيدروجين وثاني أكسيد الكربون، وعند بعض الأشخاص الميثان.
حالات ترتبط بكثرة الغازات
عدم تحمل اللاكتوز
اللاكتوز هو سكر الحليب، ويحتاج هضمه إلى إنزيم يسمى اللاكتاز. ويقل إنتاج هذا الإنزيم لدى كثير من البالغين في مناطق مختلفة من العالم، فيصل اللاكتوز إلى القولون دون هضم، فتتخمره البكتيريا مسببة غازات وانتفاخًا وأحيانًا إسهالًا بعد تناول منتجات الألبان. ويستطيع كثير من هؤلاء تناول كميات صغيرة من الحليب، أو منتجات خالية من اللاكتوز، أو اللبن الرائب والأجبان المعتقة التي تحتوي على كمية أقل منه.
متلازمة القولون العصبي
اضطراب وظيفي شائع في الجهاز الهضمي، يتميز بألم أو انزعاج في البطن مرتبط بتغيرات في عادات الإخراج، من إسهال أو إمساك أو تناوب بينهما، مع انتفاخ متكرر. ولا يسبب تلفًا في الأمعاء، لكنه يؤثر في جودة الحياة. ويرتبط بعوامل عدة منها حساسية الأمعاء الزائدة والتوتر النفسي ونوعية الغذاء، ويُشخص ويُعالج تحت إشراف الطبيب.
الإمساك
يؤدي بطء حركة الأمعاء إلى بقاء الفضلات مدة أطول في القولون، فيزداد التخمر والإحساس بالامتلاء. ولهذا قد يخفف علاج الإمساك، بشرب الماء والألياف والحركة، من الانتفاخ أيضًا.
حالات أخرى
هناك حالات أقل شيوعًا قد تسبب الغازات والانتفاخ، كالداء البطني أو حساسية القمح المعروفة بالسيلياك، والنمو البكتيري المفرط في الأمعاء الدقيقة، وبعض أمراض البنكرياس، وتشخيصها يحتاج إلى فحوص متخصصة.
الكربوهيدرات القابلة للتخمر
طوّر باحثون في أستراليا مفهومًا غذائيًا يُعرف اختصارًا بالفودماب، ويشير إلى مجموعة من السكريات والكربوهيدرات قصيرة السلسلة التي يصعب امتصاصها في الأمعاء الدقيقة لدى بعض الناس، فتتخمر في القولون. ومن أمثلتها الفركتوز الموجود بكثرة في بعض الفواكه والعسل، واللاكتوز في الحليب، والفركتانات في القمح والبصل والثوم، والغالاكتانات في البقوليات، وبعض السكريات الكحولية المستعملة في المنتجات الخالية من السكر. وتشير دراسات إلى أن تقليلها مؤقتًا ثم إعادة إدخالها تدريجيًا قد يساعد بعض مرضى القولون العصبي، لكن يُنصح بتطبيق هذا النظام بإشراف أخصائي تغذية، لأنه مقيد وقد يؤدي إلى نقص في بعض العناصر إذا طُبق خطأ.
نصائح عملية لتقليل الغازات والانتفاخ
- تناول الطعام ببطء: ومضغه جيدًا، وتجنب الكلام الكثير أثناء الأكل.
- تقسيم الوجبات: إلى وجبات أصغر وأكثر عددًا بدل الوجبات الكبيرة الثقيلة.
- زيادة الألياف تدريجيًا: فالألياف مفيدة جدًا للهضم، لكن زيادتها المفاجئة قد تسبب غازات مؤقتة.
- نقع البقول وطهيها جيدًا: وتغيير ماء النقع قد يقلل بعض السكريات المسببة للغازات.
- الحركة بعد الأكل: فالمشي الخفيف يساعد على تحريك الغازات في الأمعاء.
- تقليل المشروبات الغازية والعلكة: وتجنب الشرب بالمصاصة.
- تسجيل يوميات غذائية: لمعرفة الأطعمة التي تسبب الأعراض لديك تحديدًا، لأن الاستجابة تختلف من شخص لآخر.
- إدارة التوتر: بالرياضة والتنفس العميق والنوم الكافي، لما بين الدماغ والأمعاء من صلة وثيقة.
الأعشاب والتوابل
يلجأ كثيرون إلى مشروبات عشبية كالنعناع والشمر والكمون واليانسون والزنجبيل، وتشير بعض الدراسات إلى أن زيت النعناع قد يخفف أعراض القولون العصبي لدى بعض المرضى. لكن هذه الوسائل لا تناسب الجميع، فالنعناع مثلًا قد يزيد حرقة المعدة لدى المصابين بالارتجاع، ولذلك يحسن استشارة الطبيب أو الصيدلي، خاصة للحوامل والأطفال ومن يتناولون أدوية.
متى يجب مراجعة الطبيب؟
يُنصح بمراجعة الطبيب دون تأخير إذا صاحب الغازات أو الانتفاخ أي مما يلي:
- فقدان وزن غير مبرر.
- دم في البراز أو براز أسود اللون.
- ألم شديد أو مستمر في البطن.
- قيء متكرر أو صعوبة في البلع.
- تغير واضح ومستمر في عادات الإخراج، خاصة بعد سن الخمسين.
- حرارة مرتفعة أو فقر دم.
- تاريخ عائلي لأمراض الأمعاء الالتهابية أو سرطان القولون.
الانتفاخ عند الرضع والأطفال
يعاني كثير من الرضع في الأشهر الأولى من البكاء والتململ المرتبط بالبطن، ويُعرف ذلك شعبيًا بالمغص. وقد يبتلع الرضيع هواءً أثناء الرضاعة، خاصة إذا كانت الحلمة غير مناسبة أو كان الرضيع يرضع بسرعة كبيرة. ومن الإجراءات التي ينصح بها أطباء الأطفال عادة: حمل الطفل في وضع مائل أثناء الرضاعة، والتجشئة بعدها برفق، والتدليك الخفيف للبطن، وتحريك الساقين بحركة تشبه قيادة الدراجة. لكن البكاء الشديد المستمر، أو القيء المتكرر، أو رفض الرضاعة، أو الحرارة، أو قلة البلل في الحفاضات، كلها علامات تستدعي مراجعة الطبيب فورًا.
عند النساء
تلاحظ نساء كثيرات زيادة الانتفاخ في أيام معينة من الدورة الشهرية بسبب التغيرات الهرمونية واحتباس السوائل، كما يشيع الانتفاخ أثناء الحمل بسبب تباطؤ حركة الأمعاء وضغط الرحم المتنامي. ويُنصح في هذه الحالات بالالتزام بالنصائح الغذائية العامة واستشارة الطبيب قبل تناول أي دواء أو عشبة.
أسئلة شائعة
هل كتم الغازات مضر؟
لا يُعد ضارًا بشكل عام، لكنه قد يزيد الإحساس بالانزعاج والانتفاخ مؤقتًا، والغازات تخرج في النهاية بطريقة أو بأخرى.
هل اللبن الزبادي يقلل الغازات؟
يحتوي بعض أنواعه على بكتيريا نافعة، وتشير دراسات إلى أن بعض أنواع البروبيوتيك قد تفيد في حالات معينة، لكن النتائج تختلف من نوع لآخر ومن شخص لآخر.
هل الانتفاخ اليومي مؤشر خطير؟
غالبًا يكون مرتبطًا بالغذاء والعادات، لكن إذا كان مستمرًا أو مصحوبًا بعلامات مقلقة فيجب تقييمه طبيًا.
خلاصة
الغازات جزء طبيعي من عملية الهضم، والانتفاخ شكوى شائعة يرتبط غالبًا بطريقة الأكل ونوع الطعام والتوتر. ومعرفة المصادر الرئيسية، كالهواء المبتلع والكربوهيدرات القابلة للتخمر، تساعد على التحكم فيها بتغييرات بسيطة في العادات والغذاء. أما الأعراض المستمرة أو المصحوبة بعلامات تحذيرية فتستدعي استشارة الطبيب لاستبعاد الأسباب المرضية.
.png)