يُعد اكتشاف فصائل الدم من أهم الإنجازات في تاريخ الطب الحديث، فقد جعل نقل الدم إجراءً آمنًا ينقذ حياة الملايين من المصابين في الحوادث والعمليات الجراحية ومرضى الأنيميا. ويعتمد نجاح النقل على التوافق بين دم المتبرع ودم المستقبل وفق نظامي ABO والعامل الريزيسي. نتناول في هذا المقال القصة العلمية لاكتشاف الفصائل، وطريقة وراثتها، وجدول التوافق بين المتبرعين والمستقبلين، وأهمية العامل الريزيسي في الحمل، وخطوات التبرع والمكونات التي تُستخدم في العلاج.
المجموعات الدموية ومكوناتها
.jpg)
قصة الاكتشاف
حاول الأطباء منذ قرون إجراء عمليات النقل بين البشر، بل جُرب نقل دم الحيوانات إلى الإنسان في القرن السابع عشر، وانتهت كثير من المحاولات بوفاة المرضى دون معرفة السبب. وفي عام 1901 لاحظ الطبيب النمساوي كارل لاندشتاينر أن خلط دم بعض الأشخاص يؤدي إلى تكتل الكريات الحمراء، فوضع أساس نظام ABO. ونال جائزة نوبل في الطب عام 1930 تقديرًا لهذا الاكتشاف. ثم اكتشف مع زميله ألكسندر وينر العامل الريزيسي عام 1940، وسُمي بهذا الاسم نسبة إلى قرود الريسوس التي استُخدمت في التجارب.
كيف تُورث فصيلة الدم؟
يرث كل إنسان نسختين من الجين المسؤول عن فصيلة ABO، واحدة من الأب وأخرى من الأم. ويتصرف الأليلان A وB بوصفهما سائدين على O، بينما يظهران معًا عند اجتماعهما فتنتج الفصيلة AB. فالشخص الذي يحمل الفصيلة A قد يكون جينيًا AA أو AO، ولذلك يمكن أن ينجب أبوان من الفصيلة A طفلًا من الفصيلة O إذا كان كلاهما يحمل الأليل O. ويورث العامل الريزيسي بطريقة مشابهة، إذ يسود الموجب على السالب.
جدول التوافق في نقل الكريات الحمراء
- الفصيلة O السالبة: تُعرف بالمعطي العام، لأن كرياتها الحمراء لا تحمل مستضدات A أو B أو العامل الريزيسي، فتُستخدم في الطوارئ حين لا يتوافر وقت لتحديد فصيلة المريض.
- الفصيلة AB الموجبة: تُعرف بالمستقبل العام للكريات الحمراء، لأن بلازما صاحبها لا تحتوي على أجسام مضادة لـ A أو B.
- الفصيلة A: تستقبل من A وO، وتعطي لـ A وAB.
- الفصيلة B: تستقبل من B وO، وتعطي لـ B وAB.
أما في نقل البلازما فينعكس الأمر، فتكون بلازما الفصيلة AB هي المناسبة لجميع الفصائل تقريبًا. وفي كل الأحوال يجري المختبر اختبار تطابق مباشر بين عينة المتبرع وعينة المريض قبل النقل كلما سمح الوقت بذلك.
العامل الريزيسي والحمل
تكتسب مسألة العامل الريزيسي أهمية خاصة حين تكون الأم سالبة العامل والجنين موجبًا، إذ قد يتعرض جهاز مناعة الأم لكريات الجنين أثناء الولادة أو في بعض الظروف الأخرى، فيكوّن أجسامًا مضادة قد تهاجم كريات جنين موجب في حمل لاحق، وهو ما يُعرف بداء انحلال الدم عند الوليد. ولحسن الحظ يتوافر علاج وقائي يُعطى للأم في أوقات محددة تحت إشراف الطبيب، ولذلك تحرص برامج رعاية الحوامل على تحديد فصيلة الأم مبكرًا.
المكونات المستخدمة في العلاج
الكريات الحمراء المركزة
تُعطى لمرضى النزيف الحاد والأنيميا الشديدة، لتحسين قدرة الجسم على نقل الأكسجين.
الصفائح الدموية
تُستخدم لمرضى السرطان الذين يتلقون العلاج الكيميائي وبعض حالات النزف، ومدة صلاحيتها قصيرة نسبيًا.
البلازما ومشتقاتها
تحتوي على عوامل التخثر والبروتينات، وتُستخدم في حالات الحروق واضطرابات التخثر، ويُستخلص منها أدوية مثل الألبومين وبعض عوامل التجلط.
ويتيح فصل الوحدة المتبرع بها إلى مكوناتها أن تفيد أكثر من مريض.
التبرع بالدم: خطوات وفوائد
- التسجيل وتعبئة استبيان صحي يحدد أهلية المتبرع.
- قياس سريع للضغط والنبض ونسبة الهيموغلوبين.
- السحب بإبرة معقمة تُستخدم مرة واحدة، ويستغرق ذلك دقائق معدودة.
- الراحة وتناول مشروب ووجبة خفيفة قبل المغادرة.
وتخضع الوحدات المتبرع بها لفحوص مخبرية للكشف عن الأمراض المعدية قبل استخدامه. ويشعر كثير من المتبرعين برضا نفسي كبير لمساهمتهم في إنقاذ الأرواح، كما يحصلون على فحص مجاني لبعض المؤشرات الصحية. وتختلف شروط العمر والوزن والفترة بين التبرعات من بلد لآخر، فيُرجع فيها إلى مراكز التبرع المحلية.
أنظمة أخرى غير ABO
لا يقتصر تصنيف الكريات الحمراء على نظامي ABO والريزيسي، فقد تعرف العلماء على عشرات الأنظمة الأخرى التي تعتمد على مستضدات مختلفة على سطح الخلية، مثل نظام كيل ونظام دافي ونظام MNS. وتكون أغلب هذه المستضدات قليلة الأهمية في عمليات النقل الروتينية، لكنها تصبح مهمة لدى المرضى الذين يحتاجون إلى نقل متكرر، كمرضى الثلاسيميا والأنيميا المنجلية، إذ قد يكوّنون أجسامًا مضادة تجاهها مع الوقت، فيحتاجون إلى وحدات مطابقة بدقة أكبر.
أسئلة شائعة
هل تتغير الفصيلة مع التقدم في العمر؟
لا، فهي محددة وراثيًا وتبقى ثابتة طوال الحياة، إلا في حالات طبية نادرة جدًا مثل بعض عمليات زراعة نخاع العظم.
ما أندر فصائل الدم؟
تختلف نسب الفصائل بين الشعوب، لكن الفصيلة AB السالبة تُعد من أقلها انتشارًا في كثير من المجتمعات.
هل يجب أن يعرف كل شخص فصيلة دمه؟
من المفيد معرفتها، لكن المستشفيات تعيد فحص الفصيلة دائمًا قبل أي نقل للدم ولا تعتمد على ما يذكره المريض.
خلاصة
جعل اكتشاف المجموعات الدموية على يد كارل لاندشتاينر ثم العامل الريزيسي عمليات النقل إجراءً آمنًا وأساسيًا في الطب الحديث. ويعتمد هذا الأمان على التوافق الدقيق بين المتبرع والمستقبل، والفحوص المخبرية الصارمة، ومتابعة الحوامل سالبات العامل. ويبقى التبرع المنتظم بالدم عملًا إنسانيًا بسيطًا قد ينقذ حياة الكثيرين.
.png)